تعد رواية «جوهان» واحدة من أوائل الأعمال السردية العربية التي تناولت موضوع الشرق والغرب. ويفترض أن استعارة علاقات الحب ضمن روايات دورة «الشرق والغرب» أصبحت نوعا من «العرف السائد، بفضل هذا العمل. ومن المعروف جيدا أن الريحاني كتب علنا عن القضايا المحظورة في المجتمع الشرقي في أوائل القرن الماضي.
وخلافا للكتاب المعاصرين صوّر في روايته «جوهان» شخصية امرأة تركية ثورية شابة وجريئة، حرصت على نقل القيم الغربية الحديثة الى مجتمعها. تبدأ أحداث القصة عام 1915 وتروي تفاصيل الحرب العالمية الأولى في تركيا، وتقدم لنا شخصيتين محوريتين هما: الألماني فون فالنشتاين، مستشار عسكري في إسطنبول وبصلاحيات غير محدودة*، وجوهان، امرأة تركية أرستقراطية شابة. تتابع الرواية الأحداث والصراعات المستجدة، التي تؤشر أيضا إلى ظهور بعض العناصر الواقعية في فن الريحاني كما ذكرت الباحثة أ. دولنينا؛ فـ»سعيه لإقناع القارئ جعل الشخصية الرئيسية امرأة تركية، وليست عربية، نظرا لأن النساء المسلمات التركيات أكثر أوروبية وتحررا».
كان لجوهان، المرأة المسلمة التركية، رؤية حديثة عن الحياة. كما أنها ابنة رضا باشا – الشخصية السياسية المؤثرة. وكانت مطلقة، لأن زوجها السابق الأمير سيف الدين، نكث بعهده، وتزوج غيرها. ودفعها ذلك لأن تشن حربا في سبيل التحرر؛ فوقفت ضد بعض التقاليد الشرقية البالية، وقبلت بعض الآراء الغربية الجديدة. ثم ظهر شخصان حاولا الفوز بقلبها: شكري بك، ابن عمها وهو الذي اختاره لها والدها، والضابط الألماني. كان لرضا باشا تأثير كبير على جوهان، وفي الوقت نفسه كان موقفه متناقضا تجاه الحضارة الغربية. فقد أعجبه الغرب المتطور، ولكنه اتبع التقاليد والعادات الشرقية، تماما مثل جوهان التي حاولت أن تجمع بين الجانبين. ومن المعروف أن المرأة تضع مشروعها في طفلها المنتظر، فإذا كان فتاة ـ من المتوقع أن تقاتل من أجل حرية المرأة، وإذا كان صبيا يكبر ليصبح بطلا وقائدا ومنقذا للأمة. وتعتقد جوهان أن مثل هذه الأحلام لا يمكن أن تتحقق على يد مجتمعها؛ لذلك تمنت لو أن والد الطفل هو الجنرال الألماني. لكنها لم تقبل بالزواج منه. ولم يكن الجنرال مستعدا لقبول رفضها له، ففعل المستحيل لإخضاعها لسيطرته. بعد ذلك، وبسبب الجنرال، يموت كل من شكري بك ووالد جوهان وشقيقها. فتقرر المرأة السعي للانتقام واستدراج الجنرال إلى منزلها، وهناك تقتله بخنجر ورثته عن أجدادها. وتختار أن تعيش بعيدا عن إسطنبول باسم آخر لتواصل نضالها، ولتعمل مع الصحف التقدمية، ولتربي مصطفى، ثمرة خطيئتها مع الجنرال. وكان صبيا أشقر، علمته قيم الحرية والإنسانية. بتعبير آخر وضعت في هذا الطفل كل أملها بالمستقبل المشرق الذي تحلم به لمجتمعها.
تصور «جوهان» الأفكار النسوية؛ إلى جانب مأساة لا مفر منها، لاختلاف السبل بين الشرق والغرب. لكن يبقى ابن جوهان، مصطفى، هو «النبي» القادر على الجمع بين الحضارتين، وهذه هي فكرة الرواية.
وأود هنا التركيز بشكل خاص على نهاية هذا العمل. فالنسخة الإنكليزية الأصلية تختلف عن الترجمتين العربية والروسية. في الطبعتين العربيتين الأولى والثانية (1917 و1922)، تنتهي الأحداث بمشهد مقتل الجنرال وانتحار جوهان. لكن بدل المترجم (عبد المسيح حداد)** الخاتمة تماما وحذف القسم الخاص بمصطفى، وهو جزء مهم للغاية ولا يمكن فصله عن الرواية. ثم ترجمت الرواية إلى الروسية من النسخة العربية، بالاستناد إلى طبعة عام 1922 غير المكتملة، وليس من طبعات أحدث صدرت بعدها، وبالتالي فإن الترجمة الروسية كانت غير مكتملة أيضا. صدرت النسخة الروسية ضمن أعداد السلسلة المنشورة عام 1981 بعنوان: النثر الرومانسي العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين. وأوضحت المترجمة ديرديروفا أن الترجمة تمت عن طبعة القاهرة لعام 1922. وقد سبقت النسخة الروسية عدة طبعات منها: طبعة نيويورك لعام 1917، والقاهرة لعام 1922، وطبعتا بيروت عام 1933 و1945. وبسبب وجود عدة نسخ باللغة العربية، حدث بعض الارتباك في المشهد الروسي. وفي هذا الصدد، لا يمكننا مشاركة رأي دولينينا، أن أمين الريحاني غير خاتمة القصة في الطبعة الثالثة وأضاف شخصية مصطفى. رغم أن عايدة إيمانغوليفا تشترك معها في هذا الرأي وتقول إنه: «عندما أُعيد نشر «جوهان» عام 1933، غير الريحاني الخاتمة. فلم تمت جوهان؛ بل عاشت بعيدا عن إسطنبول، لتربي ابنا ولد من عشيقها الألماني». وأنا أعتبر أن رأي الباحثتين خاطئ، ببساطة لأن المخطوطة الإنكليزية الأصلية تضمنت هذه الحلقة منذ البداية. وعليه لم يجرِ أمين الريحاني أي تغييرات سواء على النص العربي أو الإنكليزي. حتى إن الطبعة الثالثة الصادرة عام 1933، والتي أشارت لها كل من دولينينا وإيمانغوليفا، لم يتم العثور عليها، إن كان هناك بالفعل طبعة عربية كاملة صدرت قبل عام 1948. ولو حصل ذلك فهذا يعني أنه كان لدى الناشر، إلى جانب النص العربي، المخطوطة الإنكليزية الأصلية أيضا، ليقارنها مع النص العربي ويستكملها. وفي الوقت الحالي، تتوفر نسخة إلكترونية من النص العربي، ولكن تجدر الإشارة إلى أنها ليست كاملة وصحيحة، ويفترض أنها طبعة عام 1922. ونحن نعتقد أن الرواية التي نشرتها مؤسسة هنداوي للكتب، تم تداولها بين بقية المواقع، بل طبعتها ووزعتها أيضا. حتى إنه في عام 2016، نشر اتحاد الكتاب العرب في دمشق النسخة الناقصة من «جوهان»، وذلك ضمن سلسلة «كتاب الجيب». وفي أغلب الظن أنه اعتمد على النسخة الإلكترونية، من دون تدقيق ولا مقارنة مع الأصل.
هوامش للمترجم:
* تمثيل الغرب بألمانيا اتجاه محبذ عند العرب بين الحربين، وذلك بسبب احتلال الحلفاء المنطقة العربية. ويمكن التذكير أن أحداث أول رواية فنية صدرت في سوريا كانت تدور في ألمانيا، وهي «نهم» 1937 لشكيب الجابري. وأتبعها بروايتيه «قدر يلهو» 1939 ثم «قوس قزح» 1946، وكلتاهما عن شرقي يطلب العلم في الغربة، ويتورط بقصص حب فاشل. وجدير بالذكر أن قصة «ضيف من الشرق» 1959 ورواية «الظمأ والينبوع» 1964 لفاضل السباعي، تدور أحداثهما في ألمانيا أيضا، وهما عن قصة حب بين شرقي وغربية. والكاتبان من حلب. ولهما موقف معارض لسياسة الدولة. وربما كان وراء ذلك مؤثرات تركية لتجاور حلب مع جنوب تركيا.
** نشر النسخة العربية تحت عنوان «خارج الحريم».
* نينو سورمافا أستاذة الأدب العربي الحديث في جامعة تبليسي، جورجيا
ترجمة: صالح الرزوق/ بتصرف وبالتنسيق مع الكاتبة.