في بدء مقالتي هذه، أعرج إلى تشريح رائعة الروائي العالمي الراحل غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014)، ألا وهي «الحب في زمن الكوليرا» التي صدرت عام 1985 عن دار المدى العراقية، ترجمة الراحل صالح علماني. هذا يعني بعد ثلاث سنوات من فوز ماركيز بجائزة نوبل للآداب عام 1982. ونوهت الأكاديمية الملكية السويدية المشرفة على الجائزة، بأهمية العمل الكبير لماركيز» مئة عام من العزلة». وهي ليست مجرد قصة حب، بل هي ملحمة تتناول الطبيعة المعقدة للحب على مرّ السنين، والعلاقة بينه وبين الزمن، والموت، والشيخوخة، والمرض. وكانت الرواية قد صدرت عام 1967.
تدور أحداث «الحب في زمن الكوليرا» في مدينة ساحلية كاريبية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. تختزل الرواية رحلة انتظار الشخصية الأساسية في الرواية فلورنتينا أريثا لحبيبته فيرمينا داثا، التي ترملت بعد وفاة زوجها الدكتور خوفينال أوربينو. دام الانتظار واحداً وخمسين عاماً وتسعة أشهر وأربعة أيام.
فلورنتينو أريثا يمثل في الرواية الحب العذري الرومانسي الصوفي، الذي يتحول إلى هوس مرضي. وهو الشاعر السوداوي الذي يمر بمئات العلاقات الجسدية العابرة، لكن روحه تظل عذراء بانتظار حبيبته الأولى. بينما تمثل فيرمينا داثا العقلانية والواقعية. هي المرأة الفخورة التي اختارت الاستقرار والمكانة الاجتماعية مع الطبيب خوفينال أوربينو، بعد أن رأت في حب فلورنتينو المراهق مجرد سراب. في حين أن الأول يمثل العلم، الحداثة، والنظام الاجتماعي. زواجه من فيرمينا لم يقم على العاطفة المشتعلة، بل على الألفة والواجب، وهو نقيض فلورنتينو تماماً.
ويمكنالتحدث عن الثيمات الفلسفية والجمالية للرواية، منها؛ تمظهر الحب بالمرض، فماركيز لا يمجد الحب كحالة سامية نقية دائماً، بل يربطه بالكوليرا، مثلاً. أيضاً فلورنتينو يصاب بالمغص، والقيء، والوهن بسبب الحب، تماماً كما يفعل الوباء. من جانب آخر، يمكن القول إن الرواية هي انتصار للمشاعر فوق تجاعيد الجسد. كما أن ماركيز يطرح تساؤلاً جوهرياً وهو؛ هل يمكن للحب أن يولد من جديد في خريف العمر، وسط تداعي الجسد؟
بالنسبة لأسلوب الواقعية السحرية التي اشتهر بها ماركيز، تخلت هذه الرواية عن السحر الفج (كالطيران أو صعود الأرواح) واستبدلته بـسحر الواقع وتضخيم المشاعر والصدف اللامعقولة.
ولو أتينا على الفيلم، فإنه انتاج هوليوودي عام 2007 وهو من إخراج البريطاني مايك نيويل. وكتب السيناريو له رونالد هروود، وقام بالبطولة خافيير بارديم (فلورنتينو) وجوفانا ميزوجيورنو (فيرمينا).
تم تصوير الفيلم في مدينة «قرطاجنة» الكولومبية الحقيقية، فقدم لوحة بصرية مفعمة بالألوان الاستوائية الدافئة، والأزياء التاريخية المتقنة، والجماليات البصرية التي تعكس أجواء الكاريبي. بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية الساحرة التي قدمتها الفنانة الكولومبية شاكيرا بأغنيات مثل Hay Amores.
وبالنسبة للأداء التمثيلي، قدم خافيير بارديم أداءً هائلاً في محاكاة تحولات فلورنتينو أريثا من شابٍ نحيل مهووس بالرسائل، إلى رجلٍ عجوز يغزوه الشيب. لكن الأزمة كانت في لغة الحوار (الإنكليزية بلكنة لاتينية) التي أفقدت النص شعريته الأصلية.
المشتركات والاختلافات بين الرواية والفيلم

الحديث عن الاختلافات بين الرواية والفيلم طويل جداً، ويستغرق معظم طروحات هذه المقالة. ويمكن القول إن المشترك بين الرواية والفيلم تمثل في الحفاظ على الهيكل العام للحبكة، والوفاء لنهاية الرحلة النهرية الأيقونية تحت راية الكوليرا الصفراء. أما بالنسبة للاختلافات.. فقد كانت الرواية مكتنزة بحوارات وتأملات باللغة الإسبانية المشحونة بالشعرية والعمق الفلسفي. وكان الزمن يتدفق ببطء شديد، ما يجعل القارئ يشعر بثقل الـواحد والخمسين عاماً من الانتظار. في المتن الروائي يستعرض ماركيز مئات العلاقات لفلورنتينو ليثبت فكرة التماهي بين الجسد والروح.
ونلاحظ أن الفيلم امتاز بمتضادات العناصر أعلاه، فلغة الفيلم إنكليزية بلكنة لاتينية مصطنعة أحياناً، حولت النص إلى ميلودراما هوليوودية. أما الزمن في الفيلم فيتحرك بسرعة عبر المونتاج، ولم يفلح الماكياج دائماً في نقل وطأة الشيخوخة العميقة. ومئات العلاقات العابرة كما في الرواية اختصرت في مشاهد بأقل من عدد أصابع اليدين، وكانت مشاهد سريعة، وبدا بعضها مقحماً أو كوميدياً من دون عمق نفسي. لضرورات السرد السينمائي، لجأ المخرج إلى الاختصار والقفز بين الأحداث، مما أدى إلى تلاشي المشاعر والأحاسيس المُجسدة في الرواية. شعر المشاهد أن شخصية فلورنتينو غير مكتملة، وبدت قصص علاقاته الجنسية المتعددة مُلتمساً للعربدة أكثر من كونها بحثاً عن العزاء، كما فُسرت في الرواية.
الفيلم بين النقد والمردود التجاري
للأسف، لم يحقق الفيلم النجاح المأمول. وأشار النقاد إلى أن الفيلم افتقر إلى الواقعية السحرية التي تميز بها ماركيز. وقد بدا الفيلم كأنه رواية مصورة تفتقر إلى العمق الفلسفي، وتحوّل من ملحمة عن الحب والزمن والمرض إلى مجرد قصة عاطفية فخمة الإنتاج. لكنه لم يحقق إيرادات ضخمة في شباك التذاكر مقارنة بميزانيته.
وفي معرض نقد الفيلم أيضاً، نتساءل؛ هل إن لغة ماركيز المشحونة بالرمزية والداخلية النفسية هي لغة غير قابلة للسرقة سينمائياً بطبيعتها مطلقاً؟ بالنسبة لنا نرى أن الفيلم كان اختزالاً قاسياً للرواية، وحسب قراءتي للأخيرة، فإن مشهد دخول فلورنتينو أريثا، على فيرمينا داثا، ليعلن لها أنه انتظرها لأكثر من نصف قرن، وتطرده بعصبية، لأنه استفزها وهي في اليوم الأول من ترملها، هذا الحدث المدون في الرواية، أصبح من المشاهد الأولى للفيلم.
ماركيز في الرواية يتعمد وضع هذا المشهد الصادم في بدايات الصفحات، ليكون بمثابة العقدة الكبرى التي يرتد منها السرد إلى الماضي. هو لا يقدمه كمجرد حدثٍ عابر، بل يرمي به في وجه القارئ ليخلق حالةً من الذهول: كيف يمكن لرجل أن يقف أمام أرملة لم يجف دمعها بعد، ليقول لها إنه حفظ عذريته من أجلها لأكثر من نصف قرن؟ ثم يبدأ ماركيز، عبر مئات الصفحات، في تبرير هذا الجنون وبناء الصبر الطويل خطوة بخطوة، حتى يدرك القارئ ثقل كل يوم من تلك الواحد والخمسين عاماً. أما السينما، فقد حوّلت هذا الموقف إلى مشهد سينمائي يبدو متسرعاً، بل قد يراه المشاهد غير المطلع على الرواية مشهداً فاقداً للمبرر الدرامي، أو يميل إلى الكوميديا السوداء غير المقصودة. الفيلم اختزل جغرافيا الروح وتحول إلى مجرد ملاحقة زمنية بصرية.
ماركيز لا يكتب أحداثاً بصرية مجردة؛ إنه يكتب تأملات الشخصية في الحدث. الكاميرا تستطيع تصوير فلورنتينو وهو يكتب رسالة، وتستطيع وضع ماكياج الشيخوخة على وجه خافيير بارديم، لكنها لا تستطيع تصوير رائحة اللوز المر، التي افتتح بها ماركيز الرواية لترمز للموت والحب الخائب، ولا تستطيع رصد تحلل الجسد البشري وصراع الإرادة ضد العجز بالطريقة الشاعرية التي صيغت بها الكلمات.
مئات العلاقات الجسدية التي خاضها فلورنتينو في الرواية كانت محاولات مستميتة لملء فراغ غياب فيرمينا؛ كانت بحثاً صوفياً عن الحبيبة في أجساد النساء المستعارات. السينما، بطبيعتها الاستهلاكية، حوّلت هذه الرحلة النفسية المعقدة إلى كولاج من المشاهد الإيروتيكية السريعة التي تبدو أشبه بمغامرات دون جوان، مفرغةً إياها من عمقها الفلسفي الذي أراده ماركيز كدليل على المرض والتعلق.
إن لغة غابرييل غارسيا ماركيز مُحصّنة بالشعرية، والواقعية السحرية عنده ليست مؤثرات بصرية يمكن لصناع السينما تنفيذها بـCGI) أي الصورة المنشأة بالكمبيوتر) أو الإضاءة، بل هي حالة ذهنية وموقف من العالم، وحين تُجرد من غلافها اللغوي الإسباني الساحر وتُنقل إلى الإنكليزية بهيكل هوليوودي تقليدي، تصبح مجرد حكاية عاطفية مبتذلة . لهذا السبب، تظل الرواية صرحاً عصياً على الهدم، ويظل الفيلم مجرد بطاقة بريدية ملونة، عاجزة عن حمل الروح الحقيقية لزمن الكوليرا.
النقد الأبرز للفيلم هو فشله في نقل العمق الشعري والواقعية السحرية التي تميزت بها الرواية. لقد حولها إلى «قصة حب كلاسيكية» تقليدية إلى حد كبير.
وواجه الفيلم تحدياً هائلاً في اختزال سيرة خمسة عقود من العشق والانتظار، بالإضافة إلى نقل التعقيد النفسي والفلسفي للرواية في ساعتين. كانت النتائج النقدية مختلطة في أحسن الأحوال، ووصفته بعض المراجعات بأنه اغتيالٌ لروايةٍ ساحرة.
يمكن القول إن الرواية هزمت الفيلم. رواية ماركيز هي عمل فني نادر يغوص في أعماق النفس البشرية وخلود العاطفة، أما الفيلم، ورغم محاولته الجريئة للحفاظ على خطوط القصة الأساسية، إلا أنه لم يستطع نقل الرائحة والأحاسيس والبعد الفلسفي الذي جعل من الرواية عملاً خالداً. لقد التقط الفيلم الإشارات الظاهرة للرواية (القصة)، لكنه فشل في إدراك ثراء الدلالة وتعدد المعاني التي زرعها ماركيز ببراعة فائقة.
ماركيز والفيلم
ماركيز كان معروفاً برفضه الشديد لتحويل رواياته إلى أفلام سينمائية (خاصة من قبل هوليوود)، وكان يرفض دائماً بيع حقوق «مئة عام من العزلة».. ولكن، بالنسبة لإنتاج هذا الفيلم، نجح المنتج سكوت ستيندورف في إقناع ماركيز بعد مطاردة دامت لسنوات، واشترط ماركيز أن يتم التصوير في كولومبيا وتوظيف ممثلين لاتينيين قدر الإمكان. وبعد العرض الخاص للفيلم، تشير التقارير المقربة من ماركيز، الذي كان يعاني في تلك الفترة من وعكات صحية وبدايات قاسية لضعف الذاكرة، إلى أنه أبدى حماساً لتحويل أحد أهم رواياته إلى فيلم. وقد أشاد بأداء خافيير بارديم. لكن المقربين منه والنقاد يعلمون تماماً بأن الفيلم شذب أطراف الرواية البرية ولم يلامس جوهر عبقرية ماركيز. وخلصوا إلى أن السينما عجزت عن تصوير ما كان ماركيز يكتبه بين السطور.

كاتب عراقي