نبحث في التاريخ لنحكي عن الحاضر… والحالة الوثيقة بين الماضي وما نعيشه من قلق وخوف دفعاني للأمام


«بينما أذرف الدموع» معرض يتأمل في محطات من تاريخنا المُشتت

بيروت ـ «القدس العربي»:  في لحظة مفصلية ومؤثرة تعيشها فلسطين المحتلة على أكثر من صعيد، وفي لحظة وطنية لبنانية حساسة وحذرة في ظل احتلال الجنوب وتدميره الممنهج، وفي لحظة إقليمية بالغة التعقيد، كانت الفنانة والباحثة لميا جريج تجول على عدد من مكتبات لندن لمتابعة أبحاثها حول مشروعها «أزمنة مُلتبسة». وجدت في أحدها «الخريطة الأصلية لاتفاقية سايكس-بيكو، فانهمرت دموعها. دموع كانت مُحتبسة رغم المجازر الصهيونية المهولة في قطاع غزّة ولبنان. دموع سقطت على الأوراق الرقيقة، فمحت كلمات، وطمست خطوطاً، وأذابت حدوداً، لتعيد تشكيلها في جغرافيات قلقة وتواريخ تُرسم من جديد. وهكذا ولد معرض «بينما أذرف الدموع» في كاليري المرفأ الممتد إلى 23 أيلول/سبتمبر. وفيه أعمال تتبع تحولات الأشخاص والأشياء والصور والسرديات، وانتقالها عبر فترات من الاضطراب السياسي العميق. تزاوج أعمال المعرض بين البحث الأرشيفي، والبناء الفني الموازي لها. وتعود لميا جريج إلى لحظات تَشكُّل الحدود والهويات، والروايات التاريخية، وإلى تبعاتها المتعددة التي تواصل رسم ملامح حاضرنا.

وفيما تتراكم داخل نفوسنا وعبر الأجيال تداعيات سايكس-بيكو، من تشتيت لشعوب شرقنا، وتقطيع أوصال جغرافيتها، تتمسك لميا جريج الباحثة في خبايا التاريخ بكل معلومة أو مخطوطة تقع عليها. وبينما كانت في خضمّ أبحاثها، إذ بها تطّلِع على يوميات جندي مقدسي خدم في الجيش العثماني كتبها بين عامي 1915 و1916، فراحت تعمل على تطويرها لتصبح سيناريو فيلم روائي بعنوان «القدس: يوميات إحسان ترجمان». مشروع سينمائي مرتقب يوثّق «إحسان من مية سنة لليوم».
وفيما كان حلم إحسان ترجمان بنهاية للحرب العالمية الأولى أن ينتقل إلى بيروت ليتقن اللغة الفرنسية، ومن ثمّ يسافر إلى سويسرا للتخصص بالزراعة، والعودة للعمل في أرضه، والزواج من حبيبته التي تغنى بجمالها الذي اخترق حجابها، قُتل بصورة غامضة ووإدت أمانيه. لكنّ لميا جريج احيت تلك اليوميات بأصوات شباب لبنانيين وفلسطينيين في فيلم وثائقي يرافق المعرض، ومنهم بلغنا بأن إحسان ترجمان كان يرى حبيبته «بدراً منيراً تحت الحجاب.. ونور وجهها يخترق الظلام».
هنا جولة على المعرض برفقة الفنانة لميا جريج:
○ لماذا أخذك الفن المعاصر الذي تخصصت به إلى مأساة حياتنا كمشرقيين منذ أكثر من مئة سنة؟
• بدأت الفكرة بعد فشل الثورة السورية وتحوِّلها لحروب متنوعة على أرض سوريا. وجدت أن منطقتنا تعيش مرحلة تغيير كبير واستعدادا لمزيد من الانقسامات. كنت في خشية كبيرة مما سيحدث في سوريا ولبنان وفلسطين. سألت نفسي عن كل ما تعرضت له منطقتنا من تغيير في جغرافيتها، وتاريخها، وواقعها الاجتماعي. أسئلة حملتني إلى نهاية العهد العثماني، وبداية الانتداب الإنكليزي والفرنسي في المنطقة، وتقسيمات سايكس-بيكو ووعد بلفور. لقد بدّل الفرنسيون والإنكليز وجه منطقنا، وأعادوا رسم بلادنا، بما يخدم مصالحهم وليس مصالح شعوبها. «أزمنة مُلتبسة» مشروع كبير أعمل عليه، ومشاركتي الأولى بجزء منه كانت في بينالي اسطنبول سنة 2022. والجزء الثاني في كاليري المرفأ/بيروت في خريف سنة 2022.
○ وكيف جسّدتِ هذه اللوحات الموجودة في معرض «بينما أذرف الدموع»؟
• هي لوحات مبنية على صور تاريخية يعود عمر بعضها لأكثر من 100 سنة، وإلى نصوص كتبتها خاصة بمستقبلنا المجهول في هذه اللحظة التاريخية بين «وقت انتهى ومستقبل مفتوح على المجهول».
○ وإلى أين أخذتك يوميات الجندي العثماني؟
• قرأت تلك اليوميات في كتاب لسليم تماري صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية يحمل عنوان «عام الجراد: الحرب العظمى ومحو الماضي العثماني من فلسطين- يوميات جندي مقدسي عثماني 1915/1916». نُشرت هذه اليوميات سنة 2015 وكنت قد بدأت الأبحاث حول موضوعي، وقرأتها سنة 2017. نص اُعجبت به كثيراً، فهو يتناول يوميات جندي عثماني يعبر عن خوفه من الحرب، يفكر بحبيبته ويرغب بالزواج منها. إنما جندي آخر في الجيش العثماني يضع حداً لحياة إحسان ترجمان في سنة 1917.
○ وماذا عن الفيلم الروائي الطويل حول يوميات إحسان ترجمان؟
• عنوان الفيلم «القدس: يوميات إحسان ترجمان» تعاونت في كتابة السيناريو مع الكاتب الفلسطيني مجد كيّال، وأنهينا الكتابة الأولى في شهر أيار/مايو 2023. ولأني أدرك مدى صعوبة تمويل فيلم طويل والمدى الزمني الذي قد يستغرقه، أنجزت كاستنغ يتناول مجرياته. جسد هذا الكاستنغ ممثلين لبنانيين وفلسطينيين يعيشون في لبنان. وشكّل بالنسبة لي مدخلا لأتحدّث معهم عن علاقتهم بهذا النص الذي يعود لحوالي مئة سنة، وعن حياتهم اليومية. عُرض هذا الكاستنغ في مهرجان «سينما الواقع» في باريس. ويرافق المعرض في كاليري المرفأ/بيروت. وكان قد عُرض لأول مرة في مهرجان برلينال فئة «فوروم اكسبندد». يمتد الفيلم على 48 دقيقة، صممت الرسوم المتحركة المرافقة له وتمثل مدينة القدس. هو رسم خيالي مبني على صورة أنتجتها بالذكاء الاصطناعي ورسمتها لاحقاً. وتتشكّل من مزج بين صور قديمة واحاسيس ومشاعر الممثلين، فصارت صورة وهمية للقدس.
○ ما هي الأبعاد المتعددة المحيطة بهذا الفيلم؟
• للفيلم مستويات ثلاثة. الأول هو النص القديم الذي قرأه الممثلون. والثاني هو تبادل الحوار فيما بيننا. والثالث ويتمثل بالرسم الخيالي للقدس والذي يشكل خلفية للممثلين.
○ وماذا تقولين في هذه اللوحات الصغيرة التي تتشابه بأرضيتها الصفراء والمتماثلة مع لون الأرض؟
• تُشكل خلفية السكريبت، أنجزتها بعد تأجيل الفيلم نتيجة الحرب التي تلت 7 اكتوبر والإبادة في غزّة، والعدوان المستمر على لبنان. في هذه اللوحات الصغيرة الحجم نعود لزمن الجندي العثماني، حيث الجراد والكتاب والتوفير في استهلاك سجائر «اللف» حيث تصبح الواحدة ثلاث، نظراً لانقطاع الدخان من الأسواق. وحتى الطعام بات مفتقداً خلال الحرب وفي سنة 1916 تحديداً. وجسّدت أحد الرسوم وفاة خالة إحسان ترجمان. إلى لوحة لخريطة فلسطين، وأخرى لمدينة القدس.
○ وكنت بصدد المشاركة بمعرض في مدينة سيدني الأسترالية حول الموضوع عينه إلى حد ما؟
• صحيح. تلقيت دعوة للمشاركة من حور القاسمي رئيسة ومديرة مؤسسة الشارقة للفنون، والقيمة على بينالي سيدني سنة 2026. ولم أتمكن من المشاركة حيث كان موعد سفري يوم بدأت الحرب على لبنان في 2/3/2026. وفي هذا المعرض بنيت مشاركتي على فسيفساء/موزاييك نقلها الجنود الأستراليون معهم، وهي منتزعة من أرضية كنيسة بيزنطية تعود للقرن السادس ميلادي، ومن مكان اسمه شِلال يقع على بعد 4 كلم من قطاع غزّة. رفع الجنود هذه الفسيفساء على قماش من الكانفس، وثُبِّتت بلاصق وحملوها معهم إلى بلادهم كمكتسبات حرب، ومنذ سنة 1940 تُعرض في متحف ذاكرة الحرب في كامبرا.
○ ومشاركتك في بينالي اسطنبول كانت من وحي التاريخ الذي تعملين عليه؟
• أنجزت لمشاركتي في بينالي اسطنبول عملاً يجسّد تاريخ التحولات في منطقتنا، وفيه حضور للجنود الأستراليين. فهم شاركوا مع الجنود الإنكليز بالقتال، وتواجدوا فعلياً في فلسطين ولبنان وسوريا ومصر. بعد رحيلهم تركوا عدة لوحات منها واحدة في الشام. ووجدت بعضاً من أرشيفهم في المتحف الأسترالي لذاكرة الحرب في كامبرا، وكذلك في متحف الحرب الإمبراطوري في لندن. من بين رسوماتهم لوحة تجسد معركة حربية وصور أخرى من غزّة سنة 1917.
○ وكيف قرأت في يوميات الحرب العالمية الأولى وأنجزت رسوماً من وحيها؟
• هي يوميات متنوعة وخاصة، بينها رسائل للحبيبة أو للأهل. ورسوم لبعض المعارك أنجزها الجنود، وأخرى رسمتها من وحي المرحلة. إلى رسم لجرش بنيته انطلاقاً من رسم تركه الجنود الأستراليين.
○ دائماً نحكي عن إعادة تاريخنا وآثارنا المسروقة فهل لهذا الموزاييك الفلسطيني أن يعود؟
• يتخذ النقاش حول إعادة المسروقات التاريخية إلى أماكنها طابعاً عالمياً. وتحيط بالموزاييك الفلسطيني في كامبرا أسئلة صعبة. هي مُثبّتة حالياً على جدار ويصعب نقلها. وإن سلمنا جدلاً بعودتها إلى من ستعود؟ فمنطقة شِلال تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني. بدوري أنجزت لوحة-منحوتة، واستعملت القماش واللاصق تماما كما فعل من سرقوا الموزاييك لدى استئصالها من أرض الكنيسة، لنقلها إلى أستراليا. وجدت لدى CMYK الألوان الأساسية الموجودة في الصورة التي تعود لسنة 1917 اخترت 11 لوناً، وطلبت تصنيعها ورسمت اللوحة من خلالها. طول اللوحة الأصلية في متحف ذاكرة الحرب في كامبرا سبعة أمتار و80 سنتم وعرضها خمسة أمتار. لوحتي-المنحوتة حملت اسم «كان يا مكان فسيفساء»، وهي بحدود 470 سنتم طول و350 سنتم عرض. ولم يكن وارداً رسم النباتات والحيوانات كما في الموزاييك الأصلية.
○ بدون تفسير منك لمادة اللوحة-المنحوتة نعتقدها من الجلد وليس الكانفس؟
○ عملت عليها لمدة سنة متواصلة. أتى التكسير الذي تخللها من ضمن الكانفس وعبر لاصق حولها إلى منحوتة، ولم ينجز عبر اللون.
○ هل يمكن أن تفسري «بينما أذرف الدموع» كعنوان لمعرض كاليري المرفأ؟
• مع تواصل الإبادة في غزّة بشكلها المرعب، والحروب المتعددة على لبنان بات الدمع عصياً. بعد أبحاث في اسطنبول، وفي مدينة نانت الفرنسية كنت ما أزال أحتاج لأرشيف موجود في لندن، خاصة وأن للإنكليز مفعولهم المتواصل في نكبات شرقنا وتغيير خرائطه. وعندما فتحت لأول مرة خريطة سايكس بيكو في المكتبة الإنكليزية، هالني تقسيم منطقتنا. كرجت دموعي على الورق وغيرت بعضاً من النصوص حيث وقعت. من تلك المكتبة أعدت إنتاج ثلاثين وثيقة من أصل ثلاثة آلاف. وبعض هذه الوثائق تتناول بداية الصهيونية. وثيقة واحدة تعود لسنة 1937، والأخرى تتراوح بين 1915 و1917. منها على سبيل المثال خريطة لغزّة، إلى وثائق عن مؤتمر السلام في باريس، وأخرى تحكي عن تقسيم سوريا وفلسطين، وخرائط للمنطقة برمتها. ومن المؤكد أن سوريا حينها كانت تشمل لبنان.
○ أنت حيال موضوع شائك ومؤلم في منطقتنا. لماذا هذا القرار؟
• التاريخ محور عملي. عملت ملياً على الحرب الأهلية اللبنانية، وهي المرة الأولى التي أعمل فيها على تاريخ بعيد نسبياً. فشل ثورة سوريا بعث بداخلي احساساً بأن المنطقة برمتها مقبلة على تغيير سلبي. نحن نبحث في التاريخ لنحكي عن الحاضر. العلاقة الوثيقة بين الماضي وما نعيشه من خوف وقلق في يومنا هذا، ساهم بدفع عملي للأمام. فكيف لنا أن نتخيل المستقبل؟ إنها العلاقة الدائمة مع التاريخ لنتمكن من فهم اللحظة.
○ ومن يهتم بمعرض يعيد رسم التاريخ على كانفس؟
• كثير من الناس.

كادر
خلال الجولة على معرض «بينما أذرف الدموع» كانت مديرة المتحف العربي للفن الحديث في قطر زينة عريضة في الكاليري تتابع تفاصيله. سألتها: من يهتم بمعرض فني محوره التاريخ؟
• كل من يحب الفن المعاصر، والفن بشكل عام.
○ وما هو دور هذا المعرض في تعريف المتلقين بماضيهم وربطه بحاضرهم؟
• للفنان دور في مجتمعه وبلاده. وجهت لميا جريج اهتمامها إلى التاريخ. مشاريعها ومعارضها تفتح لها افق الإطلاع على محطات مهمة من تاريخ المنطقة. من المؤكد أنه وفي الوضع العربي الراهن بخاصة في فلسطين وغزة ولبنان اكتسب مشروعها «بينما أذرف الدموع» أهمية أكبر، رغم كون بحثها يعود لسنوات طويلة مضت.
○ وما هي امكانات الفن المعاصر بإيصال هذا التاريخ؟
• تكمن قوة الفن المعاصر في الفنان الذي يطرح أسئلة يتجنب الناس طرحها على ذاتهم. أسئلة لا تطرحها الأجيال الشابة ربما لأنها لا تعرف شيئاً من الواقع. ولهذا مهم جداً أن يشاهدوا معرضاً مماثلاً.
○ كم هي نسبة المهتمين بالمعارض في لبنان؟
• خلال وجودي في بيروت، وقبل أسبوعين من الآن شاركت في افتتاح معرض «مركز بيروت للفن»، لفتني جداً حضور جمهور الشباب. برأيي هم يعيشون الظروف الصعبة التي نعيشها، ولديهم اهمتام لمشاهدة حالنا عن قرب.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *