تشكّل العودة إلى الأعمال الأكاديمية الأولى في الخطاب الفكري المعاصر، إما نوعاً من الوفاء لمرحلة تأسيسية، أو اعتذاراً عن إطار نظري قاصر عن استيعاب التحولات، غير أن الأكاديمي المغربي رشيد كديرة، أستاذ التعليم العالي تخصص القانون الدستوري والإداري في جامعة ابن زهر في أكادير، يختار في كتابه الصادر حديثاً: «الدولة الإدارية القرارية بالمغرب وحدود الديمقراطية: مقدمة في القياس الميداني للبيروقراطية القرارية»، في حدود 700 صفحة من القطع المتوسط، مساراً مختلفاً تماماً. فهو يبتدئ مما أطلق عليه فائض النتائج الإمبريقية لأطروحته المنجزة سنة 2004 حول النخب الإدارية في المغرب، سعياً لإتمام ما عجزت عنه الأدوات النظرية الكلاسيكية قبل اثنين وعشرين عاماً.
فالكتاب لا يقدّم مجرد تحيين لمعطيات ميدانية سابقة، بل يؤسس لقطيعة إبستمولوجية تنقل البحث من سؤال الإثبات التقليدي حول انغلاق النخبة، إلى سؤال التفسير البنيوي الأعمق الذي يتناول الفعل الذي يُنتج هذا الانغلاق ويُعيد إنتاجه بانتظام عصيٍّ على التفكيك الديمقراطي.
وفي هذا السياق، يضع كديرة يده على الاختلال الذي رافق الأدبيات التي قاربت مسألة هيمنة القرار في المغرب، متوقفاً عند جوابين ظلّا يُهيمنان على التحليل، من دون أن يمتلكا القدرة على الفهم العميق.
وتتمثل الأولى في القصور المعياري للقانون الوضعي الذي أخفق، عبر تجربة كلسينية شملت عشرات الجداول الإحصائية وعينات تمتد لنصف قرن، في تفسير لماذا يُختار شخص بعينه دون غيره، ممن استوفوا الشروط نفسها، أو لماذا يُعاد تدوير النخب الإدارية المُعفاة داخل المجالس والهيئات بدلاً من خروجها للمجتمع. أمّا المقاربات الثقافية والأنثروبولوجية، المستندة إلى مفاهيم الجمود التاريخي، أو بنية الولاء الفلاحي ونموذج الشيخ والمريد، فقد أقفزت الظاهرة من دائرة السياسة والقانون إلى صلب الحتمية، متسببة في مأزق تفسير الثبات بالثبات وتجريد البنية الإدارية من إمكانية التحول.
وتتبدى القوة البرهانية للمؤلَّف في وضعه الإصلاحات السياسية والدستورية المغربية أمام موقد الاختبار الإمبريقي المباشر. فمنذ سنة 2011، شهد المغرب ورشاً تشريعياً ومؤسساتياً مكثفاً شمل دستوراً جديداً يُكرّس ربط المسؤولية بالمحاسبة، وقوانين تنظيمية للتعيين في المناصب العليا، وميثاقاً للاتمركز الإداري، إلى جانب تعاقب أربع ولايات تشريعية بتناوبات حكومية متعددة. ومع ذلك كله، يكشف التحليل الإحصائي أن النواة الصلبة للهرم الإداري لم تتأثر إطلاقاً، حيث استمرت السلسلة العمرية ذاتها، وحُفظ الاحتكار الجغرافي، مع هيمنة صريحة للهيئات التقنية وشبه غياب للمرأة في قمة هرم القرار، وهو ما كشف عن تباين حاد بين التدفق التشريعي وثبات البنية الميدانية.
ولفك هذا اللغز، يستعير الباحث مفهوم القرارية الإدارية من مظانها الفلسفية والفقهية، مستحضراً سجالات كارل شميت وهانس كلسن في السياق الألماني، وتحولات التجربة الأمريكية التي شهدت تنازل القاعدة القانونية تدريجياً عن مضمونها لصالح سلطة الإدارة، غير أن إسهام كديرة الأساسي يكمن في رفض الاستيراد الفج للنموذج الغربي؛ إذ يوضح أن القرارية في الغرب نشأت من أحشاء الديمقراطية التمثيلية وعجز البرلمانات عن إدارة الأزمات، في حين تجيء الحركة في المغرب معكوسة تماماً، كون القرارية سابقة على القاعدة القانونية وناتجة عن ترتيب مخزني أقدم عهداً.
وبناءً على هذا المفصل التحليلي، يخلص المؤلَّف إلى أن التحولات الدستورية بعد 2011، لم تكن أدوات للحد من القرارية الإدارية، بل إن هذه الأخيرة استدمجت المقولات الحداثية ونصوصها ومساطرها، ووظفتها لإعادة إنتاج القرارية المخزنية بلغة قانونية معاصرة ومشروعية إجرائية صلبة. وبذلك يمثل كتاب رشيد كديرة إضافة نوعية للمكتبة القانونية والسياسية العربية، لا لأنه يقدم تشخيصاً دقيقاً لبنية النخب الإدارية في المغرب فحسب، بل لأنه يفتح أفقاً جديداً لقراءة المؤسسات في دول الجنوب عبر غوص ميداني يتجاوز الانبهار بالشكل النصي إلى فحص قدرة البيروقراطية على امتصاص مفاهيم التحديث وإعادة إنتاج هيمنتها بها ومن خلالها.
أكاديمي مغربي