واشنطن لا تطارد المال… بل الممرات


تُضيّق واشنطن الخناق على «حزب الله». تذهب إلى نمط جديد من العقوبات في تصعيد المعركة، يستهدف البيئة المالية واللوجستية والإقليمية التي تسمح له بالحفاظ على قدرته، وينتقل من معاقبة مَن ينقل المال إليه إلى محاولة قطع الطريق الذي يسلكه المال الإيراني حتى يصل إلى لبنان.
وفي هذا السياق، تكتسب عبارة دونالد ترامب عن «الإنزال الاقتصادي» ضد إيران دلالة تتجاوز بُعدها الدعائي. فالرئيس الأمريكي استعان بصورة إنزال النورماندي في 6 حزيران/يونيو 1944، حين فتح الحلفاء جبهة عسكرية واسعة ومنسَّقة ضد ألمانيا، ليصف ما يريد أن يفعله اقتصادياً بإيران. الفكرة هنا ليست فرض عقوبات إضافية فحسب، وإنما فتح جبهة اقتصادية شاملة تضرب النفط والتهريب والشحن والمقايضة والتحويلات النقدية وشركات الصرافة والشركات الوهمية، أي كل ما يسمح لطهران بتحويل مواردها إلى سيولة تتحرَّك خارج القنوات الرسمية.
وهذا تحديداً ما يجعل الإجراءات الأمريكية الأخيرة ضد «حزب الله» أكثر أهمية من حجمها العددي. فوزارة الخزانة لم تستهدف عشرة أفراد فحسب، بل كشفت عن ممر مالي يمتد بين إيران وتركيا ولبنان، ويستخدم سعاة يسافرون على رحلات تجارية لنقل مبالغ نقدية تصل إلى مئات ملايين الدولارات، إلى جانب شركات صرافة وحسابات مصرفية وشركات واجهة. واشنطن لم تعد تطارد المال في نهايته اللبنانية فقط، إنما تلاحق حركته منذ خروجه من المنظومة الإيرانية إلى أن يصل إلى الجهة المستفيدة منه في لبنان. تتتبَّع بدقة كيف يتحرَّك التمويل، وعبر أي طريق، ومن خلال أي مؤسسات ووسطاء. وتدرس كيفية قطع السلسلة قبل أن تتحوَّل الأموال إلى قدرة عسكرية وأمنية وسياسية.
إنها ليست مسألة تقنية. فالمال بالنسبة إلى «حزب الله» ليس مجرد مورد مالي، وإنما أحد مكونات القوة التي تسمح له بإعادة بناء شبكاته وقدراته، والحفاظ على مؤسساته، وتمويل نشاطاته، وإدارة علاقاته الإقليمية. ولذلك فإن ضرب قناة التمويل يمكن أن يكون، في الحساب الأمريكي، أكثر فاعلية من استهداف المؤسسة المستفيدة وحدها. فحين تُغلَق القناة، يصبح على الطرف الآخر أن يبحث عن قناة بديلة؛ وكل قناة بديلة تترك أثراً، وتزيد المخاطر والكلفة، وتوسِّع دائرة المتورطين في عملية نقل المال.
ومن هنا أيضاً يُمكن فهم إعادة توصيف «حزب الله» في الخطاب الأمريكي باعتباره جزءاً من منظومة «فيلق القدس» و«الحرس الثوري الإيراني». تريد واشنطن تثبيت تصوُّر جديد لـ«الحزب» بوصفه وكيلاً إيرانياً لا كياناً يعمل بصورة مستقلة. وقد عبَّر مسؤولون أمريكيون عن أن واشنطن وثَّقت التكامل المالي واللوجستي بين «الحزب» والحرس الثوري، وأن عمليات «الحزب» باتت تُقرأ باعتبارها امتداداً لأنشطة «فيلق القدس».

توسع دائرة المخاطر

إذا ترسَّخ هذا التوصيف، فإن تداعياته لا تتوقف عند العقوبات الحالية. فهو يوسِّع تلقائياً دائرة المخاطر أمام أي مؤسسة تتعامل مع «حزب الله»، لأن التعامل معه يمكن أن يُقرأ في واشنطن باعتباره تعاملاً مع جزء من الجهاز الإيراني نفسه. وهذا ما يُفسِّر الرسالة التي توجهها العقوبات إلى المصارف وشركات الصرافة وشركات الطيران والتأمين والخدمات اللوجستية: المشكلة لم تعد في الشخص المعاقَب وحده، بل في السلسلة التي تسمح له بالعمل. وتزداد حساسية هذه المسألة بالنسبة إلى لبنان، حيث يمكن للمؤسسات المالية الدولية أن ترفع مستوى المخاطر على التعامل مع السوق اللبنانية حتى من دون فرض حظر شامل على لبنان.
فواشنطن لا تقول إنها تريد فقط تجفيف موارد «حزب الله»، وإنما تريد من الدولة اللبنانية أن تثبت قدرتها على السيطرة على أراضيها ومعابرها ونظامها المالي وقرارها الأمني. لذلك تبدو العقوبات رسالة موجهة إلى الدولة بقدر ما هي موجهة إلى «الحزب»: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تمنع استخدام أراضيها كنقطة وصول وتمويل لقوة مسلحة مرتبطة بإيران؟ هذا هو الجانب الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة.
وإذا كان «حزب الله» قد خسر جزءاً من قدرته على استخدام الممرات التقليدية، فإن واشنطن ستنظر إلى أي مسار بديل باعتباره جزءاً من المشكلة نفسها. وتكتسب تركيا أهمية خاصة في هذا السياق، ليس لأنها بالضرورة المصدر الرئيسي للتمويل، بل لأنها تظهر في الشبكة المكتشفة كحلقة يمكن استخدامها في نقل الأموال. ما بعد «قمة الناتو» في أنقرة ليس كما قبله. فواحدة من نتائج لقاء ترامب – اردوغان أنه تمّ إغلاق المسار الذي كان يربط إيران بالعراق وتركيا وسوريا وصولاً إلى لبنان، وهو مسار كان يُستخدم لنقل السلاح والعناصر والأموال.

سياسة تجفيف الممرات المالية

أصبحت اليوم الخريطة اللوجستية لـ«الحزب» نفسها موضع استهداف. واشنطن لا تنتظر انتقال الأموال من قناة إلى أخرى حتى تبدأ بملاحقتها. إنها تحاول استباق التحوُّل في مسارات التمويل، والانتقال تدريجياً من سياسة «تجفيف منابع التمويل» إلى سياسة أكثر تعقيداً، وهي «تجفيف الممرات المالية».
وإذا كان إنزال النورماندي، الذي يُعدُّ أكبر عملية إنزال في التاريخ العسكري، قد فتح جبهة غيَّرت مسار الحرب العالمية الثانية وأفضت في النهاية إلى انهيار ألمانيا النازية، فإن ما وصفه ترامب بـ«يوم إنزال اقتصادي» يطمح إلى استخدام المنطق نفسه، ولكن بأدوات مختلفة: فتح جبهة شاملة تُطبق على النظام الإيراني من مصادر دخله إلى قنوات تمويله وشبكاته الخارجية، بحيث تتقلص أمامه مساحة المناورة إلى خيارات تبدو، رغم اختلاف مسمياتها، متقاربة في نتيجتها: التماهي مع الشروط الأمريكية والانصياع لها، أو القبول بتسوية تفرضها موازين القوة، أو مواجهة مسار يقود إلى مزيد من الاختناق وصولاً إلى الانهيار. وقد وصف الرئيس الأمريكي هذا المسار بأنه «حرب اقتصادية غير مسبوقة»، متعهداً بإجراءات من شأنها، وفق تعبيره، «شل حركة إيران» والقضاء على قدرتها على نشر الإرهاب في أنحاء العالم، والحيلولة دون امتلاكها أسلحة نووية. ولم يترك وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت مجالاً كبيراً لاعتبار الأمر مجرد خطاب سياسي، إذ تحدث عن أكبر عملية عزل اقتصادي منسقة في التاريخ، مستخدماً بدوره لغة المواجهة، وموجهاً إلى الحلفاء رسالة واضحة: «إما معنا أو ضدنا».
ولهذا فإن الحرب الاقتصادية التي يتحدث عنها ترامب لا تبدأ وتنتهي عند إيران. فهي تمتد إلى البلدان التي يمكن أن تتحوَّل إلى منافذ لطهران، وإلى الشركات التي تشتري النفط الإيراني، والمصارف التي تسوي المدفوعات، وشركات الصرافة التي توفر النقد، والسفن التي تنقل البضائع، والشركات الوهمية التي تُخفي المستفيد الحقيقي. أما الأدوات التي ستستخدمها واشنطن، فكثيرة: من العقوبات الثانوية إلى استهداف البنوك، وقطع علاقات المراسلة المصرفية، وفرض القيود على الحسابات الوسيطة، وإدراج كيانات جديدة على القوائم المحظورة.
ليس متوقعاً أن يُعلن الحلفاء، كما الخصوم، بشكل علني وصريح الانضمام إلى الحملة الاقتصادية الأمريكية ضد إيران وأذرعها. المسألة تتعلق بمستوى الحزم الأمريكي والقدرة على الضغط والتأثير على دول الجوار الإيراني في الالتحاق بواشنطن وعدم إفشال أداة الخنق الاقتصادي من أن تُنجز المهمة كبديل عن الأداة العسكرية التي لم تصل إلى تحقيق الأهداف المعلنة حول النووي الإيراني والأذرع والنفوذ، وحول الصفقة المنتظرة، وإنْ أفضت إلى إضعاف فعليّ للنظام الإيراني.
تضييق أمريكا الخناق على إيران سيدفعها للجوء إلى درب التصعيد من أجل خلط أوراق اللعبة. التلويح الإيراني لا يتوقف عند دول الخليج والأردن كما كانت الحال خلال مهلة الـ60 يوماً، بل يصل إلى أوروبا. وفي خلط الأوراق، ثمة فرصة لدى طهران لالتقاط الأنفاس، لكن لا ضمانات بذلك. حين يذهب نظام، مهما عظم أمره، إلى تهديد الاقتصاد العالمي بهذا الشكل، فإن التصدي له يكتسب مشروعية حتى بالنسبة لكثير من الدول التي آثرت عدم الانخراط في الحرب مع أمريكا.
وأيضاً، حين يتعرَّض نظام، ولا سيما إذا كان شمولياً وعقائدياً، لخطر الانهيار، فإنه مستعد للذهاب إلى الانتحار ومعه أذرعه، خصوصاً إذا كانت هذه الأذرع جزءاً من منظومة النظام. هذه هي حال «حزب الله»، والتحدّي الحالي لديه في تلة «علي الطاهر» والمنشأة العسكرية التي تحتها. إنه يريد إطالة أمد المعركة لا تجنبها. ومن بعدها ستنقل المعركة إلى منطقة أخرى ومنشأة جديدة. سيتوالى السقوط لكن الكلفة ستكون عالية على الجميع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *