قبل الدخول في «الويك إند»، لم يشأ وزير الدولة للإعلام في مصر أن يغادر في هدوء، فقرر، حسب وصفه، أن «يفضفض» معنا، أو مع أصحاب الفخامة والجلالة والسمو، الصحافيين والإعلاميين كافة، وفي رسالة مفتوحة!
والواقع أن الوزير ضياء رشوان مختف منذ أكثر من أسبوع، ربما استشعارًا للحرج، بعد إعلان وزير المياه الإثيوبي أن بلاده، منفردة، ستتحكم في كمية المياه التي ستتفضل بها على دول المصب، وأنهم بصدد بناء ثلاثة سدود أخرى غير سد النهضة، ولم ترد الحكومة المصرية أو تصد، فتولى الإعلاميون الرد بالنيابة، والحديث عن مصر بالإنابة، فقالوا إن مصر لن تسمح، وإن مصر ترسل رسالة نارية إلى إثيوبيا، وطلبت اطلاعي على هذه الرسالة للوقوف على «التوقيع»، فلم يسأل في أحد!
وإذ غاب وزير الدولة للإعلام مع الغائبين، وصمت مع الصامتين، إلا أنه في نهاية الأسبوع وجه، في فضفضة طويلة وعريضة، نداء منه شخصيًا إلى الصحافيين والإعلاميين المصريين كافة، ولا نعرف ما إذا كانت «كافة» هذه تشملنا، أم أن هناك استثناءات موضوعية، فلا يمكن لمثله أن يشملنا بالوصف «أصحاب المعالي»، والرجل بذلك يعلي من قيمة نفسه بهذه المفردات غير المسبوقة!
وقد كنا في حزب الأحرار نذكر اسم رئيس الحزب ومؤسسه متبوعًا بلقب «بك»: «مصطفى بيه مراد»، فجاء من يطلق عليه «مصطفى باشا»، فلما لفتنا انتباهه إلى هذا الانفراد، كانت له وجهة نظر تحترم؛ فإذا كان هو باشا، فالمعنى أننا بكوات، أما أن يوصف هو بـ«البيه»، فسنكون نحن أفندية، وقد خاطب رشوان الإعلاميين والصحافيين بالتفخيم: «أصحاب المعالي زميلاتي وزملائي الكرام».
الرأي والرأي الآخر وتنشيط الحياة السياسية
في فضفضته، أو ندائه، طالب وزير الدولة أصحاب المعالي، زميلاتي وزملائي الكرام، بأن يسمحوا للرأي والرأي الآخر بالتواجد في منابرهم، وأن حرية الرأي والتعبير والنقد حق أصيل، كما حثهم على ضرورة حضور المواطن إلى وسائل الإعلام وتنشيط الحياة السياسية، مذكرًا بموعد جلسات الحوار في 3 ديسمبر/كانون الأول، الذي سيتسع للجميع، وإن كنت لا أعرف ما إذا كان الجميع يشملني ويشمل غيري في الخارج، مثل قطب العربي وأحمد سعد حمد لله، وفي الداخل، مثل أيمن منصور ندا وعبد الناصر سلامة، أم أن المقصود بالجميع هم أصحاب المعالي من قيادات المشهد الإعلامي، الذين دمروا الإعلام المصري، وجعلوا من مهنة «صحافي» تبدو غير واضحة المعالم بالنسبة للأجيال الجديدة، عودًا على بدء!
وقد عدنا للزمن السحيق وجيل الآباء في المهنة، عندما عصى أحدهم والده والتحق بكلية الآداب، قسم صحافة، قبل أن تصبح كلية إعلام، فقال والده في أسى: «أين ترعرعت سيدتي؟»، وهي العبارة التي كانت تتكرر على لسان الفنان حسن البارودي، وهو يقوم بدور الصحافي في فيلم «لعبة الست»، وهو، وإن كان قد عرض في السينما لأول مرة في سنة 1946، فقد عرض مع البث التلفزيوني في سنة 1960. لقد عدنا، بحمد الله، لمرحلة «أين ترعرعت سيدتي»؟!
المؤتمر العام في ديسمبر/كانون الأول هو استجابة لدعوة رئيس الدولة لحوار يستهدف تطوير الإعلام، وقد قلت إن تحديد موعده بعد شهور من الدعوة هو لضمان فقدان حماس لحظة إطلاق المبادرة، والوزير تخصص في تفريغ المبادرات من مضمونها، وهو الذي تولى أمر الحوار الوطني، فحوله إلى مكلمة انتهت في النهاية إلى لا شيء، ومن عجب أنه يطلب من أصحاب المعالي تنشيط الحياة السياسية، مع أنها كانت مهمة خاصة بالحوار الوطني الذي قام على تحويله لجثة هامدة، وأشرف على تشييعه لمقابر الصدقة بالبساتين!
وفي الواقع، إن نداء كهذا سبق لرئيس الدولة أن وجهه للإعلاميين والصحافيين القائمين على المؤسسات الصحافية والإعلامية، بدون استخدام عبارة التفخيم «أصحاب المعالي»، وتوقعنا في هذه الزاوية أن الدعوة ستذهب أدراج الرياح، حتى لو كانت جادة؛ لأن أصحاب المعالي والفخامة والسمو ليسوا مؤهلين لشيء من هذا، فما لهم هم يغامرون، وقد كان افتقادهم لصفة المبادرة هو المؤهل لأن يتبوؤوا مقاعدهم العليا، وفي أي ظروف غير استثنائية كالتي تحياها مصر الآن، لم يكن لهم أن يتصدروا المشهد أو يتخطوا الرقاب، علم كل أناس مشربهم، ثم إن تطوير الإعلام معناه أن يغادروا هم مناصبهم التي لم يقدموا خلالها ما يثبت أن صاحب القرار اختار الأفضل، ومهمتهم إدارة الفشل، وليس تحقيق النجاح!
ومن هنا، فإن أول مبادرات رئاسية أو وزارية بشأن الرأي والرأي الآخر، وتنشيط الحياة السياسية، يسبقها إجراءات، منها إخلاء سبيل سجناء الرأي بدون قيد أو شرط، فلا يعقل أن يسجن صحافي من أجل كلمة، أو أن يحرم صحافي من العودة لبلاده، وتمتنع السلطات عن تجديد وثائقه الخاصة، ثم يوحون لنا أن تحولًا يمكن أن تشهده مصر!
أول إجراء لإثبات حسن النوايا هو الإطاحة بكل قيادات المشهد الصحافي والإعلامي؛ لأنهم جاءوا على قاعدة إدارة الفشل، وانعدام المبادرة، وتشييع الإعلام لمثواه الأخير!
فلينسف النظام حمامه القديم.
الجديد في أخبار مرض المذيعين
لا شماتة في الموت أو في المرض، والأخير كالأول، وقديمًا قال المتصوفة: «الموت كأس وكل الناس شاربه»، وأرى، بعيدًا عن الشماتة التي لا تجوز، ضرورة أن ننظر إلى تداعيات خبر مرض أحمد موسى، المذيع بقناة صدى البلد، من زاوية مختلفة!
فما إن تم الإعلان عن عدم ظهوره التلفزيوني لإصابته بوعكة صحية، حتى عمت الأفراح الـ»سوشيال ميديا»، وبدا أي خبر عن أنه تماثل للشفاء، وأن معنوياته في السماء، هو فتح جبهة للنيل منه ومن كاتب الخبر، الذي هو مذيع زميل له من الفصيلة نفسها، ولو أن مؤمنًا بنظرية المؤامرة، ليس متابعًا للمشهد المصري، تابع ما يجري، لقال إن رسائل بث الطمأنينة التي يطلقها هؤلاء هي بغرض استهدافه.
ولا أعرف معنى لأن إعلاميًا يزور موسى في مرضه، ثم يكتب منشورًا يفيد أنه بخير، وأنه يقرئ مشاهديه السلام، ويخصهم بالتحية والإكرام، ما دام يعرف رد فعل الناس، وظني أن هذه المجاملات تؤدي العكس منها، فماذا لو انتهى المريض من قراءة المنشور، ثم تورط وقرأ التعليقات؟!
دوافع هؤلاء النفر من الإعلاميين، أو الأذرع الإعلامية للنظام، نبيلة؛ لأنهم يريدون تصدير رسالة أنهم يد واحدة، ولأنهم، في جانب من هذه الرسائل، هم يكيدون للكارهين لهم، والذين يكيدون لهم كيدًا، وتتجلى هذه المكايدة في التعليقات، على نحو يستوجب على النظام قراءته بعين مختلفة، وبذهن صاف!
ومن العبث أن نتصور أن النظام الحاكم في مصر يفتقد للشعبية تمامًا، فهذا ضد طبائع الأشياء، قد تكون شعبيته تآكلت، لكنه لا يحرم من مؤيدين، بيد أن هؤلاء المؤيدين لا ينحازون لأذرعه الإعلامية، ولا يرونهم يعبرون عنهم، وإلا تدخلوا في التعليقات وأحدثوا التوازن المطلوب وسط غابة الشامتين والمهاجمين والذين يتمنون للمريض وللناشر الموت!
بل إن الذين يعملون في المؤسسات الإعلامية لا يرون أنهم معنيون بالدفاع عن الأذرع الإعلامية في مواجهة طوفان الكراهية. فهل يعقل أنه بين آلاف التعليقات على المنشور الواحد لا يوجد معلق واحد يرى في هؤلاء الإعلاميين تعبيرًا عنه، وقد جمع بينهما الانحياز للنظام القائم؟!
فلماذا يتحمل أهل الحكم ما هو عبء عليهم؟! ولماذا لا ينسفون حمامهم القديم؟
لميس الحديدي والمصدر المجهول للقوة
ولأن مولد الإخوان لم ينفض، رغم مرور ثلاثة عشر عامًا على الإطاحة بهم؛ حكمًا وتنظيمًا، إلا أنهم لا يزالون موضوعًا في السياسة والإعلام، لا تكتمل وطنية المرء إلا بالتذكير بموقفه منهم، ومن هنا انكمشت لميس الحديدي بالبرودة وتمددت بالحرارة، وأعلنت أنها فخورة جدًا بأنها واجهت الإخوان، وأنها لم تخف، وكان بداخلها قوة مفرطة لا تعرف مصدرها!
ونقول، بحمد الله، إن الأمر لم يكن يحتاج لقوة، فقد كان الإخوان يخلطون بين الدعوة والحكم، ولو أنهم طبقوا القانون عليها، لما تجرأت عليهم، ولنافقتهم كما نافقت الثورة، وذهبت لميدان التحرير وطردت من هناك شر طردة، وقد باعت مبارك، وهو ما يؤكد الطباع غير الحسنة!
المصدر الثاني لهذه القوة هو الطرف الثالث الذي رعى الإجرام الإعلامي، والذي لا تستطيع لميس الحديدي أن تستجمع قوتها المفرطة وتنطق ضده بشطر كلمة؛ لأنه سينسفها كما ينسف المرء حمامه القديم.
صحافي من مصر