لندن- “القدس العربي”: قالت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير أعده كل من أنطون تريانوفسكي وألين رابيبورت، قالا فيه إن الرسالة المبطنة وراء “الحرب الاقتصادية” أو “يوم النصر” التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب على إيران، بأنه لا يرغب بالعودة إلى الحرب مرة ثانية.
فقد حاول وزير الخزانة، سكوت بيسنت طمأنة المستثمرين القلقين بشأن حملة الضغط على إيران يوم الخميس، قائلا إن استئناف القتال بشكل “واسع النطاق” أمر مستبعد. وقال الكاتبان إن مشكلة إدارة ترامب تكمن في أن إيران كانت تستمع أيضا.
وقد وعد الرئيس ترامب هذا الأسبوع بـ”يوم النصر الاقتصادي” ضد إيران، وهي عملية “ساحقة” لـ”شل” إيران.
ووصفت الصحيفة الحملة الأمريكية القمعية بأنها هائلة، فهي مزيج من الدمار الذي يشبه آثار الحرب والحصار البحري والعقوبات التي وضعت الاقتصاد الإيراني تحت ضغط لم يشهده النظام منذ عقود.
ومع ذلك، يقرأ بين سطور التهديدات والحملة، إشارة أوضحها بيسنت يوم الخميس أكثر من أي وقت مضى: ترامب لا يريد العودة إلى الحرب في الوقت الراهن. وتأتي حرب الرئيس الاقتصادية ضد إيران بعد أن أمضى أسابيع في قصفها، وتراجع عن تهديدات متعددة منذ ذلك الحين لاستئناف العنف.
ونتيجة لذلك، يقول الخبراء إن ترامب عالق في حرب وبنفوذ محدود وضعف واضح ويواجه خصما أكثر جرأة. ففي الوقت الذي تعاني فيه إيران من نقص حاد في الإمدادات وارتفاع حاد في التضخم، إلا أنه من المرجح أن يشعر ترامب بضغط متزايد مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وحرب لا تحظى بشعبية، وارتفاع أسعار المحروقات، ويرى الخبراء أن هذا مزيج خطير قد يدفع الإيرانيين إلى استشعار ضعف أمريكا والرد بقوة.
ونقلت الصحيفة عن دينيس روس، المفاوض السابق لشؤون الشرق الأوسط، متحدثا عن قادة إيران: “يفسرون الآن موقفه على أنه لا يرغب في التصعيد العسكري، وهذا يخلق حافزا لهم لإظهار احتمالية التصعيد عسكريا”.
وقال وزير الخزانة الأمريكي إن التجار أخطأوا في رفع أسعار النفط ردا على ذلك، نظرا لأن التهديدات الاقتصادية الجديدة للإدارة الأمريكية تشير إلى عدم وجود عودة فورية إلى القصف الشامل، حيث قال: “إذا كنا نمارس أقصى ضغط اقتصادي، فهذا يعني أنه من غير المرجح أن يكون هناك إعادة تشغيل واسعة النطاق للنشاط الاقتصادي، لكنني أود أن أؤكد أن هذا الوضع مؤقت”.
وأعلن ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي مساء الأربعاء، عن “يوم النصر الاقتصادي” الوشيك ضد إيران، محذرا من “حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق”. وكتب على “تروث سوشيال”: “هؤلاء المجانين على وشك الانهيار، وهذه الإجراءات التاريخية ستشلّهم وتقضي على قدرتهم على بثّ الرعب في العالم”.
ومشكلة ترامب في حربه الاقتصادية هي أنه هدد إيران أكثر من مرة بدمار واسع النطاق، ثم تراجع عن ذلك. كما تحدث في حزيران/يونيو عن مخاوفه من أن تدفع حرب طويلة الأمد، الولايات المتحدة إلى “كساد” اقتصادي. وتظهر استطلاعات الرأي أن الحرب مع إيران لا تحظى بشعبية واسعة، حتى بين الجمهوريين، وهو ما يعتبر نقطة ضعف سياسية لترامب، في حين يقترب الصراع الذي وصفه بأنه “رحلة قصيرة” من الستة أشهر.
كما أظهر النظام الإيراني في الأشهر الأخيرة قدرته على الصمود أمام الدمار والخسائر البشرية الفادحة التي خلفتها القنابل الأمريكية والإسرائيلية، فضلا عن تكبيد الولايات المتحدة خسائر فادحة، من بينها مهاجمة ناقلات النفط في مضيق هرمز. ولا تزال أسعار البنزين في الولايات المتحدة أعلى بأكثر من دولار واحد للغالون مما كانت عليه قبل بدء الحرب، كما تعرضت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لأضرار جسيمة، وقتل 18 جنديا أمريكيا ونفدت الذخائر.
وعلى الرغم من ذلك، ظل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب بعيد المنال، حتى فيما يتعلق بإعادة فتح المضيق بالكامل. ويبدو أن صمود إيران وردها، دفعا الرئيس ترامب إلى الاعتماد على الضغط الاقتصادي لمحاولة إجبار طهران على التراجع.
ويشير المحللون إلى أن الإدارة الأمريكية قد ألحقت بالفعل أضرارا بالغة بالاقتصاد الإيراني، حيث فاقم الحصار البحري الذي فرضه ترامب الأضرار الناجمة عن حملة القصف التي شُنت في ربيع هذا العام. وقد شهد الوضع تصعيدا جديدا يوم الأربعاء عندما أعلنت الإمارات، الشريك الاقتصادي المحوري لإيران في الخليج العربي، وقف جميع المعاملات التجارية والمالية معها.
ومع ذلك، فاتخاذ موقف أكثر صرامة قد يكون صعبا على الرئيس ترامب، الذي حذر من أن “أي دولة” تُقدّم أي نوع من “الدعم لإيران” ستواجه “عواقب اقتصادية وخيمة”.
وتعد الصين أهم شريان مالي لإيران، حيث تشتري منها معظم نفطها، إلا أن ترامب سعى لتحسين علاقته مع شي جين بينغ، الزعيم الصيني، الذي من المتوقع أن يلتقي ترامب في واشنطن في 24 أيلول/سبتمبر. ويتوقع المحللون أن تتوخى إدارة ترامب الحذر في الضغط على الصين، لا سيما في ظل القمة المرتقبة، مما يترك الباب مفتوحًا أمام التساؤل حول مدى تصعيد الحملة الاقتصادية الأمريكية ضد إيران.
وفي حديثه لشبكة سي إن بي سي، قال بيسنت إن محادثات الإدارة الأمريكية مع الصين بشأن هذه المسألة ستبقى سرية.
ويرى إدوارد فيشمان، الباحث البارز ومدير مركز موريس آر. غرينبيرغ للجيواقتصاد في مجلس العلاقات الخارجية: “إيران تخضع لعقوبات شاملة منذ سنوات، والشيء الرئيسي المتبقي هو استهداف شركاء إيران التجاريين بقوة، وعلى رأسهم الصين”. وأضاف: “أشك في أن ترامب مستعد للمخاطرة بإشعال حرب اقتصادية مع الصين في الوقت الراهن”.
ثم هناك تساؤل حول كيفية رد إيران في ظل هذه الضغوط المالية الشديدة، لا سيما مع الإقرار الواسع بأن ترامب يسعى لتجنب العودة إلى الحرب.
ويعتقد دينيس روس أنه من المتوقع أن تبحث إيران عن طريقة لممارسة ضغط عسكري جديد على الولايات المتحدة أو حلفائها في الخليج. وهذا التوقع، بدوره، يبرز حالة عدم اليقين بشأن استراتيجية ترامب طويلة الأمد، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الغاز، واقتراب انتخابات التجديد النصفي، وانخفاض مخزون الذخائر، وأضاف: “لم أر، طوال هذه العملية، قدرة على التفكير أبعد من الخطوة التالية المباشرة”، “إنهم يلعبون لعبة الداما ولا يلعبون الشطرنج”.