الفيلم الجزائري «وقائع سنين الجمر»… من القهر الاستعماري إلى الثورة


يمكن النظر إلى الفيلم الجزائري «وقائع سنين الجمر» 1974 للمخرج محمد الأخضر حمينة، بوصفه أحد علامات السينما الجزائرية، كونه لا يستهدف في مقصديته سرد حكاية الثورة بوصفها نتاج عملية عفوية أو تلقائية بمقدار ما يتجه إلى تحليل البنى العميقة التي أنتجت الفعل الاستعماري، وتداعياته، ونعني ذلك التراكم الطويل من القهر والجوع والمرض والإذلال الذي قاد بدوره إلى تشكل الوعي الوطني، ومن ثم المقاومة.

تشكل البنية الاستعمارية

يعتمد الفيلم بنيةً زمنيةً مرحلية، تبتدئ من سنوات القحط، حيث نرى جماعات سكانية تعاني شحّ الماء، ما يؤدي إلى نشوب صراع بين السكان على مورد الماء. وفي هذا السياق، قد لا تبدو العوامل البيئية والاجتماعية ومنها الجفاف والمرض، والجوع بوصفها مشهدية محايدة، وإنما تتحول إلى علامات تستهدف تخليق عالم مأزوم حقيقي، وصعب كما تعكسه المشاهد التي تركز على البؤس، وفقدان الأمل، والتوتر، غير أن هذا يذهب إلى الإشارة إلى أن هذا الواقع نتاج استعمار قد أشاع الخراب، والمأساة على صعيد الحياة اليومية.
وتتجلى هذه البنية بصورة أكثر حدّة حين يحلّ وباء الطاعون، فتحاصَر المدينة؛ فيفقد أحمد (الشخصية المركزية في الفيلم) عدداً من أفراد أسرته، بينما تقوم سيارات الجيش الفرنسي بإخراج المواطنين الفرنسيين من البلدة، في الوقت الذي تظل فيه جثث الجزائريين ملقاةً على قارعة الطريق، غير أن هذا يأتي في بعد بصري شديد التأثير على مستوى حركة الكاميرا، وإدارة الجموع، والحوار. ومن هنا يمكن القول إن الفيلم قد نجح في تحويل المرض، أو الواقعة الصحية إلى بنية استعارية للاستعمار الذي أصبح يقرر من يعيش أو يموت، فالوباء اتصل بالقيمة السياسية الوجودية بصورة غير مباشرة، ولا سيما العنصرية التي تحكم الفضاء الكولونيالي برمته.

من الذات إلى الجماعة

يعتمد الفيلم نموذجاً حكائياً يتصل بشخصية مركزية: «أحمد»، المزارع وربّ الأسرة، الذي يعاني، كما يعاني المجتمع القروي برمته من تذبذب مواسم الأمطار، وآثار الجفاف، والقحط، غير أن موقف أحمد يبرز من خلال النموذج الريادي ممثلاً بالغضب، والتمرد، مع محاولة البحث عن حلول لإنقاذ عائلته، ومن هنا يضطر إلى الخروج من القرية نحو المدينة ضمن بنية مشهدية عالية بصرياً على المستوى الإنساني، ولا سيما من ناحية التأطير البصري أو المشهدي.


ومع انتقال أحمد إلى المدينة يعي أن القهر والطبقية والتمييز والاستغلال سيان، سواء أكان في الريف أم المدينة، وبذلك فثمة دلالة مضمرة في هذه الصيغة من الحدث. فالقهر الاستعماري يطال جميع البيئات التي يتحرك فيها الإنسان الجزائري، ولا سيما تحت سلطة الاستعمار، وأعوانه، وسرعان ما يضطر أحمد إلى العمل في مهن متعددة، ثم نتابع مواجهته مع صاحب العمل في المحجر، أو البناء، وتحديه له، وما ينشأ عن ذلك من توترات ومواجهات تبدو لنا أقرب إلى مؤشرات، أو مقدمات منطقية تؤطر هذه الشخصية الثائرة التي بدأت من معنى يومي حياتي، لتتطور في ما بعد إلى نموذج آخر.
قد لا يبدو أحمد ـ رب الأسرة والزوج- ثائراً منذ البداية، وإنما تشكل وعيه بداعي الواقع؛ فقد بدأ خاضعاً لمنطق الحياة والواقع الاجتماعي، لكنه مع الزمن كوّن هذا الإدراك من خلال المشاهدات والتجربة، وما انعكس منها على حياته اليومية، وكرامته. ومن هنا يمكن قراءة الشخصية بوصفها نموذجاً لتحول الذات المستعمَرة، لا عبر خطاب نظري مباشر، وإنما عبر الاحتكاك اليومي بالقهر، والعمل، والجوع، والتمييز، والموت، وهي عوامل تشكل الوعي، وبذلك ينهض الفيلم على تكوين رسالة مفادها أن الإنسان البسيط الذي تدفعه الظروف الصعبة إلى المقاومة، كما الوعي أن الحرية والكرامة لا تتحقق بوجود الاستعمار، غير أن هذا التحول لا يتحقق إلا بتشكل لحظة الوعي، أو تلك الاستنارة التي تنتج بفعل الواقع، والتاريخ، والتجربة.
يعمد الفيلم إلى توظيف نماذج من الشخصيات التي تتجاور مع شخصية أحمد في تمكين تحول الوعي، ولا سيما شخصية «سي العربي» الذي يأتي إلى المدينة بأفكار ثورية، وتقدمية، حيث يواجه خطاب رجال الدين الانهزامي، ومن ثم يتعرض للتعذيب، وأخيراً الاغتيال، فيتحول هذا الحدث إلى فعل مفصلي في انطلاق شرارة المقاومة، بالتوازي مع خطاب يعتمد النبوءة، والتحذير والتذكير عبر شخصية «ميلود» أو المجنون الحكيم، الذي يبدو أقرب إلى ضمير داخلي عبر صوته الذي يتردد في الطرقات، وأخيراً هنالك شخصيات تميل إلى تبني العقلانية، وعدم المواجهة، وثمة مجموعات تميل إلى تبني وجهة نظر سلطة النظام المتعاون كما تتضح من تجاذبات الانتخابات، وغير ذلك من الأحداث.
في سياق توصيف بنية القهر، ومقدمات الثورة، تكتسب الحرب العالمية الثانية قيمةً زمنيةً ودلاليةً كبرى، إذ يترتب عليها تجنيد عدد من الفلاحين، أو المواطنين الجزائريين بصورة عامة في الجيش الفرنسي، ولكن بعد وعود فرنسية بالحرية والاستقلال، وبذلك نرى كيف تتحول القيمة الاستعمارية إلى جزء من هوية ثابتة، أو مضافة على الهوية الأصلية، غير أنها تقوم على استدعاء المستعمَر للدفاع عن المستعمِر، أو بمعنى أدق عن حريته، وكرامته، في حين أنها لا تمنحه حقه في الحرية أو الكرامة ضمن صيغة أقرب للمفارقة، فبعد انتهاء الحرب تتبدد تلك الوعود، ولا تتحقق الحرية المنتظرة، بل على العكس من ذلك فقد أضحت الأمور أكثر قتامة وبؤساً.

مقدمات

يعتمد الفيلم بينة زمنية تقرأ على أنها محاولة تمثيل سنوات محفزة للفعل الثوري، ولكن ضمن قراءة سيميائية مشهدية تنهض على بلورة فعل الوعي، كما تنامي العقل الثوري، بغض النظر عن ماهية الشخصيات، أو مواقعها الاجتماعية؛ إذ يجتمع الفلاح والمتعلم في إدراك واحد مفاده، أن المعضلة لا تكمن في الجفاف أو المرض، أو البطالة ، وإنما في البنية الاستعمارية التي أحدث في المجتمع أضراراً، وبذلك تتشكل لحظة التنوير، حين ينتقل الوعي من الفرد إلى الجماعة، فتصبح المواجهة جزءاً من مشهد المقاومة، وبدء التنظيمات السرية إلى أن تندلع الثورة سنة 1954 في إطار تصاعدي واضح، حيث يمكن ملاحظة أن التسلسل للفيلم يأتي ضمن حلقات تحمل سنوات تبدأ من سنة 1939 وتنتهي سنة 1954، وهي سنوات: الرماد، والعربة، والجمر، والهجوم، والنار، وأخيراً الثورة.
وهكذا يصبح عنوان الفيلم «وقائع سنين الجمر» إحالةً واضحةً إلى تلك المقدمات التي سوف تقود إلى نتائج منطقية، فالجمر هنا لا يعني الاشتعال النهائي أو العفوي، بمقدار ما يعني بروز أو تصوير الطاقة الكامنة التي ظلت تتراكم ببطء تحت الرماد، ولكنها سرعان ما تتحول إلى فعل مقاوم، وبناء على ذلك يعيد مخرج الفيلم أو صانعوه موضعة مفهوم المقاومة التي تتحرك من الهامش إلى المركز، في حين أنّ البنية الاستعمارية تستشعر أفولها، فتصبح أكثر شراسة، وعنفاً، فتتبنى أدوات القهر والتعذيب، مع محاولة توظيف الوكلاء المحليين بوصفهم امتداداً لسلطة المحتل، أو أحد وجوهه، وبذلك يتقصّد الفيلم تصوير خلخلة القيم الاستعمارية، بيد أن الأهم ـ حقيقة- الأسس التي نهض عليها، وبذلك فهو يجاور بين البنى التاريخية والفكرية، ولكن ضمن سياق مشهدي تفسيري يعتمد توظيف البصري، والجمالي في آن واحد.
إن هذا التكوين السينمائي يشي بقدرة المخرج على كتابة نص بصري يعتمد التأمل في الفكرة، غير أنه استطاع أن يحوّل ذلك إلى فرجة سينمائية تخاطب عقل المتلقي، ووجدانه معاً بسبب الصيغ المشهدية في الفيلم التي تنهض على استثمار الجغرافيا، والجموع البشرية، ومن ذلك تحويل المعاناة الفردية إلى أفق بصري وجماعي يؤسس لمعنى المقاومة. لقد أسهم الفيلم في تخليق ذاكرة وطنية، بالتوازي مع تكريس بناء جهاز مفاهيمي لتاريخ بلد عانى طويلاً من ويلات الاستعمار، كما أنه قدّم من ناحية أخرى نموذجاً لتحول الفكرة، بمعنى من مرحلة الانكسار والخضوع إلى الفعل، أو ردة الفعل، فالإنهاك الذي خيّم على الوجوه في بداية الفيلم من خلال مشهدية تنطوي على القتامة، والبؤس الجمعي، غير أنها بدت جزءاً من محاولة بناء البعد المنطقي لمعنى التحول، والثورة.

نقد

وعلى الرغم من القيمة الفنية والتاريخية للفيلم بوصفه نتاجاً جزائرياً، والتقدير الذي حصل عليه من المهرجانات، بداعي قيمته التاريخية، والفنية، غير أن ثمة بعض الجوانب التي أشار لها روي أرمز في كتابه «صور ما بعد الاستعمار: دراسات في سينما شمال افريقيا»، وتمثلت بملحوظات تبدو لنا ذات وجاهة، أو البعض منها، حيث يشير إلى أن بنية الفيلم السردية تعاني قدراً من الاختلال؛ إذ تستحوذ حلقات الجفاف والمجاعة والوباء على مساحة زمنية واسعة، من دون أن ينجح الفيلم دائماً في ربط هذه الكوارث بصورة مباشرة بسياسات الاستعمار الفرنسي في الأرض والموارد، وإدارة المدن، ما يجعل معاناة الشعب الجزائري أقرب إلى فعل الطبيعة، أو القدر لا بسبب البنية الاستعمارية. ولعل هذه الرؤية تبدو ذات وجاهة، غير أنه يمكن الرد عليها بداعي أن غياب الفعل المؤسسي، أو غياب الدولة الوطنية الحقيقية يعني غياب الإرادة الحرة، ومن شأن هذا أن يفاقم أزمات الحياة، والمعيشة، والمشكلات البيئية من ناحية الجفاف، وما ينتج من فقر.
من ناحية أخرى يذهب آرمز إلى نقد تغييب الحضور الفرنسي المباشر الذي جاء محدوداً على مستوى المشاهد، إذ غالباً ما يُسند العنف أو القمع إلى المسؤول الجزائري، أو الجنود المتعاونين المحليين مع الاستعمار، حيث يحضرون بوصفهم سلطة تنوب عنه، ولذلك فهو يرى في هذا الأمر نوعاً من تخفيف وضوح مسؤولية المستعمِر كون الفيلم يختزل الصراع في ثنائية تشمل المقاومين والخونة، ومع ذلك فإن الرسالة التي يتقصدها الفيلم تبدو مؤطرة بفكرة بيان مخاطر التعاون مع المستعمَر، كون الأول يعد أشد خطورة من الفعل الاستعماري عينه، في حين أن الأخير مدرك، وواضح، وقد يبدو هذا تحذيراً من آلية الاستعمار التي يفضل العمل إيجاد وكلاء محليين كي ينوبوا عنه للقيام بالعمل القذر، وفي التاريخ توجد دلائل كثيرة، وماثلة على بنية العقل الاستعماري.
وأخيراً، يشير آرمز إلى أن مجازر الثامن من مايو/أيار 1945 على أهميتها في تشكل الوعي الثوري، لا تحضر إلا بصورة عابرة، فضلاً عن أن تحول «أحمد» من فلاح بسيط إلى مقاتل بارع يبدو سريعاً، وغير متدرج، بما يقربه من نموذج البطل في أفلام الغرب الأمريكي. قد لا تبدو هذه الملحوظة موفقة، كون الفيلم اتخذ من أحمد بؤرة استغرقت مشهديات الفيلم بهدف تحقيق عكس ما ذهب إليه آرمز الذي يقرّ في النهاية بنجاح المخرج في بناء ملحمة وطنية، وذاكرة جماعية، غير أنه مع ذلك قد حوّل التاريخ جزئياً إلى أسطورة عبر تبسيط التناقضات، وصوغ الثورة في مسار بطولي أكثر تماسكاً من تعقيدها التاريخي الفعلي، وعلى الرغم من ذلك يبقى الفيلم أحد أهم الأفلام في السياق ما بعد الكولونيالي.

كاتب أردني فلسطيني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *