كيف سيجيب العراق على امتحان الحرب الأمريكية ـ الإيرانية؟


تحمل زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الأخيرة إلى بغداد في طيّاتها أمورا أكثر من كونها زيارة بروتوكولية لمسؤول تشريعي. وصل قاليباف في لحظة عراقية شديدة الحساسية، لا يفصلها سوى أسابيع عن 30 أيلول/ سبتمبر المقبل، وهو الموعد الذي وضعته حكومة علي الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع استكمال خروج القوات الأمريكية. تتجمع بين الحدثين أسئلة قد تحدد ليس فقط مستقبل الفصائل المسلحة، بل تحدد أيضاً قدرة العراق على إعادة تعريف علاقته بإيران والولايات المتحدة بوصفه دولةً لا ساحةً للصراع الهائل الدائر بينهما.
المفارقة الأوضح خلال الزيارة عبّر عنها الخطاب الإيراني نفسه. تحدث قاليباف في بغداد عن الشراكة والتعاون بين دول المنطقة بعيداً عن التدخل الخارجي، لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن «المقاومة» في العراق «أحد عناصر قوة البلاد». تأتي خطورة هذا التصريح من حصوله في لحظة تطالب فيها الحكومة تلك الفصائل بالتخلي عن استقلال قرارها العسكري، وخصوصا أن الزيارة جاءت بعد أيام من تهديد «كتائب حزب الله» للزيدي وإعلانها أن «صبرها بدأ ينفد» بسبب تحركات حكومته ضد بعض قيادات الفصائل.
يكشف هذا التصريح، فعليا، حدود مفهوم «الشراكة» بين الدولتين. فبغداد تريد الحفاظ على علاقة دولة مع دولة ندّ لها، في الوقت الذي ما زالت فيه طهران تعامل القوى المسلحة العراقية كجزء من منظومة ردع إقليمية تحتاج إليها في صراعها مع واشنطن. تعكس المعلومات المتداولة عن محادثات قاليباف هذه الازدواجية بوضوح، مع حديث مصادر عراقية عن مقترحات إيرانية لتجميد السلاح الثقيل أو إخفائه، وربما نقل بعضه مؤقتاً إلى إيران، بدلاً من نزعه فعلياً. وهذه المعلومات إذا صحت فهي تعني أن الخلاف الحقيقي ليس حول مكان تخزين الصواريخ، بل حول من يمتلك قرار استخدامها.
يفتح موعد نهاية أيلول/سبتمبر ثلاثة مسارات. الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، أن تؤدي الديناميات العراقية الداخلية، والمفاوضات مع الفصائل المحسوبة على إيران، إلى تسوية تدريجية تحفظ ماء وجه الجميع: تسليم أو تجميد الأسلحة الثقيلة، دمج قسم من العناصر في المؤسسات الرسمية، وتحويل الفصائل تدريجياً إلى أطر سياسية أو أمنية خاضعة لقرار الدولة. وهذا ما يفسر بدء «الإطار التنسيقي»، الذي يجمع القوى الشيعية المتعددة، وساطة يقودها هادي العامري وعمار الحكيم، لا تقتصر على السلاح بل تبحث أيضاً مستقبل الفصائل وعلاقتها بالمؤسسات.
المسار الثاني هو تأجيل فعلي للمهلة تحت مسميات تفاوضية، بما يسمح للفصائل بالاحتفاظ بجزء من قوتها إلى أن تتضح نتيجة المواجهة الإيرانية ـ الأمريكية. أما الثالث، وهو الأخطر، فهو انهيار التفاوض وانتقال الدولة إلى فرض سلطتها بالقوة، خصوصاً في مواقع مثل جرف الصخر. عندها لن يكون الخطر مجرد اشتباك أمني، بل احتمال انقسام داخل البيئة السياسية الشيعية نفسها وتحول مسألة «حصر السلاح» إلى صراع على طبيعة النظام والدولة.
أدت تداعيات الحرب الجارية في الخليج إلى دخول ورقة جديدة في المعادلة: النفط . فالعراق يحتاج إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، إذ تمر عبره الغالبية الكبرى من صادراته النفطية البحرية. وقد طلب الجانب العراقي مراعاة خصوصية صادراته، وهو ما رد قاليباف عليه بتكرار مسألة ربط فتح المضيق برفع العقوبات والحصار عن إيران. تجد بغداد نفسها هنا أمام موازنة قاسية: الدولة التي تريد منها المساعدة في حماية شريانها الاقتصادي هي نفسها الدولة التي تحتاج إلى بقاء الفصائل العراقية جزءاً من أوراق قوتها الإقليمية.
غير أن ذلك قد يمنح بغداد أيضا ورقة تفاوض. فطهران، التي تحتاج إلى عراق مستقر اقتصادياً وسياسياً وإلى علاقات تجارية ومالية مستمرة معه، لا مصلحة لها في تحريض الفصائل على مواجهة مفتوحة مع حكومة الزيدي. لذلك قد تقبل بتقليص ملموس لقوتها العسكرية، ولكن الأغلب أنها ستقاوم نزعاً كاملاً يجعلها تخسر واحدة من أوراقها العربية العديدة في التفاوض مع واشنطن.
وهكذا يصبح السؤال في نهاية أيلول أكبر من عدد الصواريخ التي ستسلَّم والمخازن التي ستُغلق. السؤال هو ما إذا كان العراق يستطيع للمرة الأولى الفصل بين علاقته الطبيعية بإيران وبين خضوع جزء من قراره الأمني للصراع الإيراني ـ الأمريكي. وإذا كان قاليباف يريد بالفعل «نظاماً إقليمياً جديداً» بلا تدخل أجنبي، فإن الاختبار يبدأ من هنا: أن تقبل الجمهورية الإسلامية عراقاً تحتكر دولته السلاح، حتى عندما يقلل ذلك من نفوذ إيران.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *