هل كتب عبده وازن سيرته قارئاً في روايته «الحياة ليست رواية»، الصادرة عن دار المتوسط؟ وكيف تشكّلت هويته القرائية، وإلى أي مدى استطاعت الحيل السردية التي اعتمدها أن تحقق ما يسميه غادامير «انصهار الآفاق» بين الكاتب والنص والقارئ؟
يسمّي وازن بطله ببساطة «القارئ»، وهي الصفة التي تكاد تختصر حياته وهويته، فيقلّص بذلك المسافة بين المؤلف والراوي والبطل. لا يستعير له اسماً آخر، ولا يختبئ وراء هوية متخيلة، بل يترك «القارئ» داخل الرواية، قبل أن يطلّ من نهايتها باسمه الحقيقي: عبده وازن، الشاعر والروائي. ومن هنا يصبح السؤال عن هوية البطل مدخلا إلى سؤال أوسع: أين تنتهي سيرة القارئ وتبدأ سيرة الكاتب، وأين تنتهي الحياة ويبدأ التخييل؟
بعد نحو نصف قرن من القراءة والكتابة النقدية والأدبية، شعرا ورواية، يستعيد وازن تجربته الطويلة مع الكتب، كاشفا عن هوية تشكّلت في القراءة وبها. يستحضر الروائيين الذين أحبهم، والكتّاب الذين انتحروا أو كتبوا احتضارهم، وأصحاب السير الذاتية والغيرية، والروايات التي انتقلت إلى السينما، مستعيدا عوالم وشخصيات تسللت إلى ذاكرته حتى غدت جزءاً منها. يقول الراوي/القارئ: «اكتشفت مرة أن لديّ من الذكريات في عالم الروايات ما ليس لديّ في العالم الحقيقي أو في الحياة».
هكذا لا تبدو «الحياة ليست رواية» مجرد حكاية عن رجل مولع بالكتب، بقدر ما تبدو سيرةً للقراءة نفسها، وللحدود الملتبسة بين ما نعيشه وما نقرأه. فالراوي يحب الحياة في الروايات أكثر مما يحبها في الواقع، لكنه ينتهي إلى اكتشاف المفارقة التي يحملها عنوان العمل: الحياة، مهما أغرتها الرواية بأن تشبهها، ليست رواية. وفي هذه المسافة بين الحياة والكتاب، وبين السيرة والتخييل، يفتح وازن نصه على حوار تتقاطع فيه آفاق المؤلف وشخصياته وقرائه.
كيف نقرأ نص وازن حسب فلسفة غادامير التأويلية؟
أفق النص الروائي هنا هو أفق الحرب اللبنانية أولا، ما زلنا نعيش تداعياتها مع المؤلف. هرب منها القارئ/الراوي إلى أفق أرحب، وقد سلبته والده كما والد جوسلين، وربما والد جوزيف المجهول، هرب إلى أفق مئات الروايات التي قرأها، عوالم من حيوات شخصيات وأحداث ورموز لروائيين كبار، ككافكا ودوستويفسكي وتولستوي وهرمان هسه وبول أوستر ومارغريت يورسنار ومرسيل بروست وصامويل بيكيت وألبير كامو وناتالي ساروت وفرجينيا وولف وسيلفيا بلاث والكثير غيرهم، هي أفقنا المشترك معه أيضا كمتلقين لهذه الروايات. في هذه الرواية، تظهر ثلاثية تحمل كل منها أفقا خاصا بها، ليكون الحوار بينها دعوة الى انصهار هذه الآفاق وهنا تكمن محاولة فهمها.
أفق القارئ هو نفسه هنا أفق النص، فهو الراوي هنا، ويحيل الى المؤلف وازن، في سعة ثقافته ومهنته واطلاعه وعمق رؤيته وانعزاله عن الناس وعيشه أهوال الحرب اللبنانية، وثقافته الفرنسية وعيشه في بيروت، أي هو عينه، أفق الحرب وأفق الروايات والقراءات. هرب من واقع الكره والخراب الذي فرضته إلى عالم من حبر وورق. شعر بأنه لا معنى لحياته بلا الكتب توازيا مع معنى الحياة المأساوي في الواقع، معترفا بأنه يستمد ذكرياته منها وليس منها. كأنه مسح أفق حياته ليستبدلها بأفق الكتب، «أشعر بأني واحد من تلك الشخصيات التي ابتكرتهم مخيلات الروائيين. تسللت إلى عالمهم مثلما تسللوا الى رأسي». هو مريض بالكتب، مهووس بها، وهو «القارئ العلني»، وقد أصبحت مخيلته «مخيلة قارئ يتخيل ويضيع بين ما يتخيله ويراه او يعيشه»، فاقدا تلك الحدود بين الواقع والخيال. لذلك، نستحضر سؤال كتابةَ السيرة لقارئ فقد تلك الحدود، هل هو عينه الراوي، هل يخون المؤلف فيضيف ويخفي ويتخيل؟ وقد صرح بذلك عبر الراوي، «أحب السير المكتوبة على الطريقة الروائية»، ولعل أجملها تلك التي يكتبها أصحابها أنفسهم مباشرة. والسيرة الذاتية إذا خانت الميثاق الأتوبيوغرافي، يحذف كاتبها ويضيف أو يتخيل ويختلق كي تقترب من أن تكون رواية أو شبه رواية». هكذا دفع المؤلف سيرته قارئا إلى شفا التخييل، بخيانة ميثاق السيرة الذي تتحدث عنها النظريات النقدية، هو الذي يعلن أنه يقرأ بفطرته وغريزته وعاطفته وحدسه، نافرا من النظريات الأكاديمية العقلانية بإسقاطاتها وتنميطها وجفافها. أما التطابق بين الكاتب والراوي لديه، فليس شرطا مبرما، هكذا انتقل من سيرته قارئا إلى هويته كاتبا، تخليدا لهذا المسار من القراءات، «ليصبح راويا بهيئة قارئ».
أفق جوسلين هو أفق المفسر، مرآته الكاشفة، أي الحضورالناقد الذي يكشف النص عبر حوار معه حول العالمين، الواقعي والروائي، وبين اللغتين الفرنسية والعربية، وبين الانتماءين والوالدين اللذين غيبتهما الحرب. هي الناقدة المتخصصة التي تقرأ بعقلها، في حين أنه يقرأ بقلبه وحدسه وفطرته. هي أفق الحياة والواقع، أفق حرية الجسد والمواجهة، وقد كشفت له أنه حصر معنى حياته في روايات سجنته وجعلته يسأل نفسه أأنا حقيقي أم متخيل.هي شريكة الحوار التي نبهته بتأويلها كيف يعيش البطل في رواية، يربح فكرة الحب ويخسر الحبيبة. أفق الحكي بقراءاتها ألف ليلة وليلة، فكما أجلت شهرزاد موتها، حاولت جوسلين تأجيل موت جوزيف وإنقاذه عبر قراءاتها مع القارئ.
عودة جوسلين إلى فرنسا قطعٌ للحوار في منتصفه، عادت إلى بلادها بالتبني بعد أن فقدت انتماءها إلى لبنان بسبب تجدد حروبه واستعادة ذكريات قتل أبيها فيه.
أفق جوزيف المحامي، ابن لا أحد، صديق القارئ، أفق العدالة التي لم تتحقق في الواقع، فغاب عن هذا العالم. كان محاميا ليس ليدافع عن نفسه، بل ليدافع عن الآلاف. قد يكون جوزيف الوجه الواقعي للقارئ، أي الخارج. ربما خلقه المؤلف قرينا ليمثل الواقع في سعيه الى عدالة لن تتحقق،»جوزيف هو أنا… حتى حبه لجوسلين هو حبي أنا، وحبها له هو حبها لي. أنا أكمل جوزيف وجوزيف يكملني. كان هو الوجه الشهوي لعلاقتنا، وكنت أنا الوجه الروحي.. حتى نقصان علاقتي بجوسلين كان يكتمل عبر جوزيف». ربما شعور القارئ/البطل بالذنب لموت صديقه، يشكل رمزا لتأنيب ضمير الراوي الذي يود خيانة مؤلفه بأن يؤول ويروي ويضيف ويتخيل، كان لا بد من أن يقصي الشخصية الواقعية لتعيش الشخصية القرائية حبها كاملا.
أفق الغياب، الذي تمثل في غيبوبة جوزيف في المستشفى، يبدو كنص مقفل، نص يرفض أي تأويل، فصمت القرين هنا، دعوة الى حوار بين القارئ والمفسر، أي جوسلين، لتأويل هذا الغياب عن الواقع. قد تكون غيبوبة رمزية كغياب القارئ عن الحياة الحقيقية وعيشه داخل النصوص الروائية. فالنص الصامت هنا بغيبوبة جوزيف، نداء لحوار مع لحظة راهنة تمثلها جوسلين، قد ينقذه بالمعنى. هو إصرار على سحب القارئ من عزلته التي ارتضاها، ليس كرها بالناس أو تعاليا، إنما لعدم القدرة على التواصل مع أقنعتهم. لقد حاول المؤلف أن ينقل فعل القراءة على سرير الموت، من حالة هروب من الواقع إلى مقاومة الموت وإنقاذ حياة. أتى القارئ وجوسلين بالكثير من الكتب، ليقرآها في المشفى على سرير صديقهم أثناء غيبوبته، لعلها تنقذه وتعيده إلى الحياة. حاول الكاتب بانصهار الأفقين، أفق الغيبوبة وأفق الكتب في المشفى أن يسهم في إنقاذ هذا الواقع لكن الغياب كان أقوى.
انتقل القارئ من سجن الكتب بصمته عن الاعتراف بحبه وترفعه عن الخيانة، ليصبح شاهدا على هذا الحب بين صديقه جوزيف وجوسلين، ومن ثم كاتبا يتجاوز صمته المضحي الرومانسي كما علمته الكتب، وينقذ نفسه بالكتابة، فالكتابة حوار في مقابل الصمت، اعتراف وبوح من أجل الفهم، خروج إلى الحياة، لعل في تأويل متلقين محتملين، يتم العيش خارج الرواية وتصبح كائنات الرواية أشخاصا حقيقين!
جوسلين التي تمثل أفق التأويل والتفسير، رأت – بعد ابتعادها – إلى كتابة قصتهم كثلاثي – من قبل روائي – ما يجعلهم ينتقلون من كونهم أشخاصا حقيقيين إلى شخصيات روائية من حبر وورق، تخليدا لحبهم ولحكاية المقتلعين من جذورهم، علهم ينبتون جذورا في عالم تخييلي. لاحقا تكمل مسيرتها رنا، صديقة جديدة، كمفسرة وأكاديمية وأيضا روائية شابة، لكنها تنقل أمامه شخصياتها باختلاف عالم الحبر والورق إلى شاشة. تمثل رنا أفق اللحظة الراهنة اليوم في الواقع، المعاصرة برقمية كتابتها وحداثتها وضعف مخزونها القرائي نسبة إليه. في حين أنه قارئ يعترف بأنه يستمد وجوده مما يقرأ من روايات، وليس العكس، وحين كتب، سلم مخطوطته عبر صديقته الجديدة إلى الروائي والشاعر عبده وازن في نهاية الرواية.
ماذا أراد أن يقول المؤلف عن فعل القراءة؟ إنها حساسية وكشف وانتماء ومساءلة تهم كل إنسان، كما عبر عنها غادامير، هكذا يدعونا وازن إلى مساءلة نصه، يجعلنا كمتلقين نتحاور معه، نسأل ونصه يجيب بلا هروب تأويلي. القارئ في وجهه الواقعي من قلب الحياة، صار نصا صامتا لا يتكلم، نصا أُغلق عن تأويله إلا بمتلق من خارج، ومن داخل الرواية، أي قارئا ضمنيا صدق أن الحياة رواية، فصارت حياته شبه حياة. أراد القارئ أن يطبق منطق الرواية على الحياة، لأنه «أحب الحياة كرواية» لأنه خارجها لم يستطع إيقاف الحرب. وأيضا، لم يتم انصهار الثلاثة في الحياة، لأن القارئ فهم الحب صمتا وتضحية كي لا يخون صديقه فخسرها، جوسلين فهمت الحب مواجهة وجسدا وواقعا حيا، فعاشته مع جوزيف حتى غاب، وجوزيف فهم الحب انتماء كان يبحث عنه لأنه ابن لا أحد فغاب! لهذا نصل إلى حكم العنوان، الحياة ليست رواية! لقد استخدم النفي ليجعله عنوانه منفتحا على دلالات أخرى ممكنة، وهنا قوة النفي بما هو حركة وعمل دينامي يطل على جوانب جديدة، ويخلق تأويلات وآفاقا متجددة. بقيت الحرب في الواقع والرواية، حتى كتابة النص، وما بعد نشره أيضا. لم توقفها القراءة، أيمكن أن تفعل الكتابة بانصهار أفق النص بتاريخه القرائي مع أفق الحياة؟ هكذا يترك وازن المعنى في مرمى القراء ليشاركوه اللقاء والحوار بين النص والحاضر.
أستاذة في الجامعة اللبنانية