فلسطينيون من الداخل يحيون ذكرى النكبة في جامعة تل أبيب العام الماضي (رويترز)
الناصرة – «القدس العربي»: رغم أن تعداد الفلسطينيين في إسرائيل لا يتجاوز المليون ونصف المليون نسمة، فإن أحزابهم كثيرة اليوم، وهذا يعكس تنوعهم واختلافهم فكرياً وعقائدياً وسياسياً.
في بدايات مسيرتهم السياسية انحسرت فعالياتهم السياسية في «الحزب الشيوعي الإسرائيلي»، أحد ورثة «عصبة التحرر الوطني» و»الحزب الشيوعي الفلسطيني» من قبل نكبة 1948، التي تسببت ببعثرة الفلسطينيين وأحزابهم أيضاً.
غداة النكبة وقيام إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني، استقطب «الحزب الشيوعي الإسرائيلي»، بصفته حزباً عربياً يهودياً، رفاقاً من اليهود في البلاد، بيد أنه كرّس جلّ نشاطه بالأساس لدى الفلسطينيين في إسرائيل، المعروفين بفلسطينيي الداخل أو عرب 48، وأحياناً كانت جهات عربية تردد تسميتهم الإسرائيلية الرسمية «عرب إسرائيل». رغم أن السواد الأعظم من أنصاره وقواعده في تلك الفترة كانوا من العرب الفلسطينيين في إسرائيل، شكّل رفاقه اليهود أغلبية في قيادته ومرشحيه للكنيست. وشهدت قيادة «الحزب الشيوعي» تغييراً جوهرياً من هذه الناحية نتيجة عدة عوامل في تسعينيات القرن الماضي، حيث باتت أغلبية قيادته عربية.
آمن «الحزب الشيوعي الإسرائيلي»، وما زال، بالأممية وبالنضال الطبقي، ويناضل من أجل مساواة مدنية أو مواطنة متساوية، ويدعو إلى تسوية الصراع الكبير بتسوية الدولتين، وذلك استمراراً لتأييده للقرار الأممي 181 بتقسيم فلسطين من تشرين الثاني/ نوفمبر 1947. «الحزب الشيوعي الإسرائيلي»، الذي وقع رئيسه الراحل مئير فلنر على ما يعرف بـ»وثيقة استقلال» إسرائيل، كبقية الأحزاب الإسرائيلية، شارك أيضاً في انتخابات برلمان الدولة الإسرائيلية الناشئة (الكنيست)، منذ الجولة الأولى في كانون الثاني/ يناير 1949.
في ذاك العام كان دخان النكبة لا يزال يتصاعد من الأرض الفلسطينية، حتى إن جيش الاحتلال لم يستكمل احتلال النقب بعد، حيث فعل ذلك في شباط/ فبراير 1949. وطالما وجّه خصوم «الحزب الشيوعي الإسرائيلي»، خاصة من قبل التيار القومي والوطني، مثل حركة «الأرض» التي حظرتها إسرائيل في منتصف ستينيات القرن الماضي، انتقادات للحزب الشيوعي على المشاركة السريعة في اللعبة الإسرائيلية في تلك الفترة المبكرة.
بيد أن «الشيوعي» كان وما زال يرى أن ذلك كان جزءاً من استراتيجية تثبيت البقاء في ظل مخاوف من استمرار مشروع التهجير والتطهير العرقي. كما ساق قادته، أمثال الراحلين توفيق طوبي وإميل حبيبي وغيرهما، مبررات أخرى، منها استغلال المنبر البرلماني كأداة نضالية وحيدة، وكشف المجازر والجرائم التي ارتكبتها السلطات الإسرائيلية، ومحاربة الحكم العسكري. كما قال هؤلاء إن هذه المشاركة والرؤية السياسية تحت سقف القانون الإسرائيلي جاءتا استمراراً لقرار التقسيم وإقامة دولتين، يهودية وعربية، إضافة إلى الإشارة إلى الرؤية العقائدية: الأممية والشراكة العربية اليهودية.
بعد هبة يوم الأرض الأول عام 1976، بادر «الشيوعي» إلى تشكيل «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» كإطار سياسي جامع للشيوعيين والمقربين والوطنيين على مبدأين جوهريين: تسوية الدولتين والمساواة المدنية للفلسطينيين في إسرائيل.
حركة «أبناء البلد»
في بداية سبعينيات القرن الماضي ظهرت بعض الحركات المحلية الشبابية والطلابية الوطنية، وسرعان ما توالفت في حركة واحدة عُرفت بـ»أبناء البلد» على يد قادتها رجا إغبارية، وواكيم واكيم، ومحمد كناعنة، وعدّت متأثرة فكريا بـ»الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». رفضت «أبناء البلد» المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، وأيدت حل الدولة الديمقراطية الواحدة، ولاحقاً أصابها ما أصاب اليسار الفلسطيني، وتراجع انتشارها، وشاركت بعض مجموعاتها في تأسيس «التجمع الوطني الديمقراطي» برئاسة عزمي بشارة عام 1994.
ولا تزال الحركة تنشط بأعضائها ضمن رؤية نقدية سلبية للتحالفات العربية الحالية القائمة في الانتخابات.
الحركة الإسلامية
وللمرة الأولى ظهرت حركة سياسية عربية شكّلت تحدياً مباشراً لـ»الحزب الشيوعي» وهددت هيمنته، هي «الحركة الإسلامية»، التي كان مؤسسها الشيخ الراحل عبد الله نمر درويش من بلدة كفر قاسم في نهاية سبعينيات القرن الماضي. وكان إشعاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 قد وصل إلى الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، ومنها انتقل إلى فلسطينيي الداخل عبر طلاب درسوا في جامعاتها، كالشيوخ رائد صلاح، وكمال خطيب، وهاشم عبد الرحمن.
في بداية الطريق انخرط الشيخ درويش، مع عدد من الناشطين من كفر قاسم وبلدات مجاورة، في العمل العسكري ضد إسرائيل ضمن حركة «أسرة الجهاد»، بيد أن إسرائيل اكتشفت أمرهم واعتقلتهم. بعد أربع سنوات من السجن خرج الشيخ درويش بقناعة جديدة مفادها أنه لا بد من العمل والنضال ضمن القانون الإسرائيلي، متجانساً مع توجهات «الإخوان المسلمين» في العالم من ناحية تحرك التيار الإسلامي في نطاق قانون الدولة الموجود فيها.
وعلل درويش رؤيته بالإشارة إلى أن الفلسطينيين في إسرائيل يقيمون داخل «بطن الحوت»، ولا بد من مراعاة واقعهم الجيوسياسي، وبادر إلى تأسيس «الحركة الإسلامية» التي انتشرت بشكل واسع في المثلث والجليل والنقب والساحل.
ولاحقاً، عشية توقيع اتفاق أوسلو، حاول الشيخ درويش إقناع حركته بالمشاركة في انتخابات الكنيست الإسرائيلية عام 1992، وبطلب غير معلن من «منظمة التحرير الفلسطينية»، الراغبة وقتذاك بعودة حزب «العمل» إلى السلطة تمهيداً للبدء في «مسيرة السلام».
بيد أن خلافاً كبيراً داخل الحركة دفعها إلى تأجيل الموضوع، الذي عاد إلى الواجهة مجدداً عشية الانتخابات التالية عام 1996، بيد أن تياراً بقيادة الشيخين رائد صلاح وكمال خطيب رفض الفكرة ورآها محرمة دينياً، مما أدى إلى انشقاق الحركة إلى شقين: الأول عُرف بـ»الجنوبية»، كون معظم أنصارها من جنوب البلاد، وهو بالأحرى الحركة الأم بقيادة الشيخ درويش، والشق الثاني عُرف بـ»الشمالية»، بقيادة الشيخين صلاح وخطيب، الذي انشق عنها رافضاً المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، منطلقاً من أن فلسطين عربية من البحر إلى النهر، وبادرت إسرائيل إلى حظره عام 2015 بذريعة أنه يؤيد الإرهاب وامتداد لحركة «حماس».
وبادرت «الجنوبية» إلى تشكيل «القائمة العربية الموحدة» من خلال تحالفها مع «الحزب الديمقراطي العربي» برئاسة عضو الكنيست الراحل عبد الوهاب دراوشة، وخاضت انتخابات الكنيست عام 1994 وفازت بعدة مقاعد.
ومن وقتها واصلت «الموحدة» خوض الانتخابات الإسرائيلية، لكنها غيرت حلفاءها على الطريق، فاستبدلت «الحزب الديمقراطي العربي» بـ»الحركة العربية للتغيير» برئاسة الدكتور أحمد الطيبي، وفي السنوات الأخيرة باتت «الموحدة» حزباً سياسياً مستقلاً عن «الجنوبية»، وتخوض الجولات الانتخابية من دون شركاء.
وتتبنى برنامجاً سياسياً مشابهاً جداً لبرنامج «الجبهة»: تسوية الدولتين والمساواة المدنية، لكن رئيسها الحالي الدكتور منصور عباس قادها نحو مواقف براغماتية أكثر في السنوات الأخيرة، تتمثل بترجيح كفة التأثير السياسي على كفة التمثيل السياسي، وهو يرى ضرورة أن يلعب الفلسطينيون في إسرائيل دور بيضة القبان والمشاركة في الائتلاف الإسرائيلي الحاكم.
ويعلل عباس ذلك بالقول إن هناك قضايا حارقة يكابدها العرب في إسرائيل، ومعالجتها تقتضي المشاركة في الحكم رغم الصراع الكبير بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، والمشاركة في اللعبة الانتخابية بدلاً من البقاء متفرجين في المدرجات.
ويدعو منصور عباس نهجه هذا «النهج الجديد»، الذي لا يركز على القضية الفلسطينية في أدائه، وهو يثير بذلك نقاشاً واسعاً داخل أراضي 48، رغم التيار الواسع المؤيد لـ»الجنوبية» و»الموحدة».
الحركة التقدمية
في العام 1984، وللمرة الأولى، ظهر حزب منافس لـ»الحزب الشيوعي الإسرائيلي» في الميدان والبرلمان على حد سواء، تمثّل بـ»الحركة التقدمية للسلام»، التي أسسها عدد من الناشطين الوطنيين، بعضهم ممن كانوا قد أسسوا حركة «الأرض»، أمثال المحامي محمد ميعاري. ورفعت «التقدمية» شعار «فلسطينية الجذور»، وأسست صحيفة ناطقة بلسانها عُرفت بـ»الوطن»، فخاضت انتخابات الكنيست ضمن قائمة ترأسها محمد ميعاري، وتبعه ناشط يهودي يدعى ماتي بيلد، وتكررت التجربة عام 1988، لكنها لم تتجاوز نسبة الحسم عام 1992، بعدما رفضت طلبات وضغوط «منظمة التحرير الفلسطينية» بالتحالف مع «الحزب الديمقراطي العربي».
غداة اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، بادر عضو كنيست عربي في حزب «العمل» الإسرائيلي، الراحل عبد الوهاب دراوشة، إلى مغادرته وبناء «الحزب الديمقراطي العربي»، وخاض الانتخابات عام 1988، وتكررت تجربته حتى تحالف مع «الجنوبية»، ممثلاً بمؤسسه دراوشة وبالمحامي طلب الصانع، بيد أن قوته انحسرت تدريجياً حتى اندثر في السنوات الأخيرة. ولم يختلف في طروحاته عن طروحات «الجبهة» و»الموحدة»، بيد أنه أبدى رؤية براغماتية أكثر، وشارك مع كتلة «الجبهة» في منح حكومة رابين عام 1992 سلة أمان، بتوجيه من «منظمة التحرير الفلسطينية».
التجمع الوطني الديمقراطي
غداة اتفاق أوسلو، بادر المتبقون من حركة «التقدمية» وبعض رفاق «الحزب الشيوعي الإسرائيلي»، أمثال الدكتور عزمي بشارة، والدكتور جمال زحالقة، والبروفيسور رائف زريق، وأحد قادة «أبناء البلد» عوض عبد الفتاح وغيرهم، إلى تأسيس حزب «التجمع الوطني الديمقراطي».
خاض «التجمع» انتخابات الكنيست من خلال قائمة تحالفية مع «الجبهة» عام 1996، بيد أنه خاضها مع «الحركة العربية للتغيير» برئاسة الدكتور أحمد الطيبي في انتخابات 1999.
ويخوض «التجمع» اليوم انتخابات الكنيست عام 2026 برئاسة سامي أبو شحادة ضمن «القائمة المشتركة» الثلاثية، وهو يؤيد تسوية الدولتين، ولا يكتفي بمساواة مدنية، فيطالب بمواطنة متساوية بين اليهود والعرب في إسرائيل، ويرى ضرورة أن تكون دولة كل مواطنيها، وهو يشدد أكثر من بقية الأحزاب العربية على الهوية الفلسطينية.
الحركة العربية للتغيير
في العام 1996، أنهى الدكتور أحمد الطيبي عمله كمستشار للرئيس عرفات، وبادر إلى تأسيس «الحركة العربية للتغيير»، وأعلنت قرارها بالمشاركة في انتخابات الكنيست في ذاك العام، بل أعلنت هوية مرشحيها، بيد أنها تنازلت بطلب من الراحل ياسر عرفات، فاستجابت له حرصاً على عدم حرق أصوات عربية في جولة انتخابية مهمة وحساسة بين مرشح «العمل» شيمون بيريز، الذي ورث رابين بعد اغتياله عام 1995، وبين مرشح «الليكود» نتنياهو.
منذ عام 1999 خاضت «العربية للتغيير» الجولات الانتخابية المتتالية ضمن قوائم تحالفية، تارة مع «التجمع»، وتارة مع «الجبهة»، وتارة ضمن «الموحدة» أو ضمن «المشتركة»، كما هو حاصل اليوم، ولم تخض الانتخابات مستقلة.
تتبنى «العربية للتغيير» رؤية سياسية مشابهة جداً لـ»الموحدة» و»الجبهة»، وتتسم بتوجهاتها البراغماتية، وتختلف عن بقية الفعاليات السياسية العربية البرلمانية في أنها لم تغيّر رئيسها، الدكتور الطيبي، صاحب التجربة الواسعة في العمل السياسي، منذ قامت.