بوادر خلاف بين المحامين حول استمرار الإضراب وتصعيد حقوقي لحماية المتقاضين


الرباط- «القدس العربي»: يواجه قطاع العدالة في المغرب أزمة متصاعدة ومستمرة على وقع استمرار الخلافات الحادة بين الحكومة وهيئات المحامين بشأن مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23، وهي الأزمة التي تلقي بظلال ثقيلة على مصالح المتقاضين وسير المساطر القضائية.
وفي خطوة تعكس تأزم الوضع، قرر مكتب «جمعية هيئات المحامين» تمديد قرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، إلى جانب تمديد تعليق العمل بنظام المساعدة القضائية تعيينًا وأداءً، وأكدت الجمعية أن هذه المعركة تتجاوز المطالب الفئوية لتلامس جوهر استقلالية مهنة المحاماة وحصانتها باعتبارها ضمانة أساسية لحقوق المواطنين ومقومًا رئيسيًا من مقومات منظومة العدالة.
في المقابل، أعلن عدد من المحامين المغاربة، خاصة الشباب، أنهم يعتزمون العودة إلى العمل بعد انتهاء «العطلة القضائية» الحالية التي تمتد حتى نهاية آب/أغسطس، وعللوا بذلك بالحفاظ على مصالح المتقاضين، فضلاً عن الانعكاسات المادية عليهم جراء التوقف عن ممارسة مهامهم.
واعتبر مكتب «جمعية هيئات المحامين» في بيان اطلعت عليه «القدس العربي» أن طريقة إحالة مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة على «المحكمة الدستورية» شابها «إخلال شكلي غير مفهوم»، معربًا عن أسفه لما وصفه بالتعامل باستخفاف مع قانون واكبه جدل كبير بين المهنيين.
وأشار إلى وجود تناقض بين مضمون قرار المحكمة الدستورية والمراسلات الموجهة إلى رئيسي مجلسي النواب والمستشارين لتقديم ملاحظاتهما بشأن النص الذي توصلت به المحكمة، معتبرًا أن إحالة القانون على المحكمة الدستورية جعلته «مشوبا بشبهة عدم الدستورية»، قبل أن يأتي قرار المحكمة ليؤكد أن هذه الشبهة قائمة من زاوية إجرائية، وهو ما يزيد، بحسب الجمعية، من ثقل القضية على المستوى المؤسسي.
وشدد المحامون على أن الإشكال الرئيسي في مشروع قانون المهنة لا يتعلق فقط بدستورية مقتضياته، وإنما بـ»منهجية» إعداده وغياب تشاركية حقيقية، فضلًا عن عدم وفاء الحكومة بالتزاماتها، معتبرين أن المشروع يتضمن تدخلًا في التنظيم الذاتي للمهنة ويمس استقلالية المحامي وحصانته.
وحمّل المكتب الحكومة مسؤولية إيجاد حل للوضع المتأزم الذي يعيشه قطاع المحاماة، محذرًا من انعكاساته على المواطنين وعلى صورة البلاد، ومؤكدًا أن معركة المحامين، وفق تعبيره، ليست دفاعًا عن مصالح فئوية أو امتيازات، وإنما دفاع عن مكانة المحاماة واستقلاليتها ضمن منظومة العدالة.
على الصعيد المدني، دخلت جمعيات حماية المستهلك على خط الأزمة، حيث وجهت «الجامعة المغربية لحقوق المستهلك» رسالة مفتوحة إلى وزير العدل، معربةً عن قلقها الشديد إزاء وضعية مستهلكي الخدمات المهنية في ظل تداعيات قرار المحكمة الدستورية.
وأشارت المراسلة إلى أن الامتناع عن تقديم الخدمات المهنية أدى إلى وضعية هشاشة غير مسبوقة تعاني منها فئات عريضة من المعتقلين والمتقاضين المحرومين من النفاذ إلى العدالة، معتبرة أن تحويل المستهلك إلى أداة ضغط يتعارض مع القواعد الأخلاقية والقانونية.
وطرحت الجامعة خمسة مطالب أساسية تتضمن السماح لمستهلكي خدمة المؤازرة بالدفاع عن أنفسهم أو تعيين من يمثلهم تطبيقًا لضمانات المحاكمة العادلة، ومراسلة نقباء الهيئات لحثّ المحامين على تقديم خدمات المساعدة القضائية، وضمان تمثيلية مستهلكي الخدمات في الحوار المهني لضمان التوازن والعدالة بين الفرقاء، وحماية حقوق المستهلكين ونأيهم عن الصراعات المهنية، إضافة إلى تطبيق النصوص القانونية ذات الصلة بالامتناع عن تقديم الخدمة وفق القانون 31.08 أو القانون المنظم للمهنة.
وكانت المحكمة الدستورية صرحت، الثلاثاء 11 آب/أغسطس الجاري، بتعذّر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها، مع أمر بتبليغ نسخة من قرارها هذا إلى كل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وبنشره في الجريدة الرسمية.
وفي تطور لافت للملف، تتجه مجموعة من المحامين، خصوصًا من فئة الشباب، إلى استئناف ممارسة مهامهم المهنية مباشرة بعد انتهاء «العطلة القضائية»، انسجامًا مع تصاعد الدعوات داخل الجسم المهني إلى العودة للعمل، رغم قرار «جمعية هيئات المحامين» مواصلة التوقف الشامل والتصعيد ضد القانون الجديد المنظم للمهنة.
وأفادت صحيفة «العمق» الإلكترونية بأن عددًا من المحامين الشباب أصبحوا يميلون إلى العودة إلى قاعات المحاكم ابتداء من فاتح أيلول/سبتمبر المقبل، بعدما أضحى استمرار التوقف يفرض عليهم كلفة مادية ومهنية متزايدة، في ظل تراجع الدخل المالي وتراكم الالتزامات وصعوبة الحفاظ على توازن مكاتبهم واستقرارهم المعيشي.
وأعلنت فاطمة الزهراء الإبراهيمي، المحامية في هيئة الدار البيضاء، أنها غير معنية بقرار «استمرار التوقف الشامل عن ممارسة مهام الدفاع بما في ذلك حضور الجلسات والإجراءات أمام المحاكم»، واعتبرت نفسها غير ملزمة به. وكتبت تدوينة على «الفيسبوك» أوضحت فيها أن «المسألة لم تعد تتعلق بمشروع قانون في طور الإعداد أو المناقشة؛ وإنما بنص استكمل مساره التشريعي وأصبح في وضع قانوني لا يمكن التعامل معه بمنطق مشاريع القوانين التي ما تزال مفتوحة على السحب أو التعديل أو إعادة النقاش من نقطة الصفر».
وتابعت المحامية قائلة: «بعيدًا عن أي اصطفاف أو خلاف فإنني سأحتكم إلى القانون والدستور، وإلى ضميري المهني والقسم الذي أدّيته يوم حملت رسالة المحاماة. كما أنني لا أستطيع أن أظلّ غائبة عن ملفات ائتمنني عليها موكّلون وثقوا بي، ولا أن أقبل بأن يكون استمرار التوقف سببًا في حرمان معتقل أو متقاضٍ من حقه في الدفاع أو في زيادة تراكم الملفات وتأخير الفصل فيها».
وأضافت: «لقد طال التوقف بما يكفي، وثلاثة أشهر من الابتعاد عن ساحات العدالة ليست مدة هينة، ولا يمكن أن نستمر في تحمل تبعاتها على حساب المتقاضين وحقوقهم وحرياتهم».
وختمت الإبراهيمي تدوينتها بالقول: «أعلن بصفة شخصية، وبكل تحفظ، أنني سأستأنف ممارسة مهامي المهنية، وسأعود إلى مكتبي وإلى قاعات المحاكم، لأباشر الدفاع عن موكليّ، وأؤدي رسالتي كما يمليها عليّ القانون والضمير المهني. سأعود إلى رحاب المحاكم، لا تحدّيًا لأحد، ولا اصطفافًا ضد أحد، وإنما وفاءً للقسم، واحترامًا لثقة الموكّلين، وانتصارًا لحق الدفاع، ومساهمةً في تحقيق العدالة، واستدراكًا لما فات خلال الأشهر الثلاثة الماضية».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *