أولئك القليلون، بل القليلات في كتاب القصص القصيرة لرانية الصغير، يذهبون بنا إلى أبعد مما ألفناه عن مخيمات اللاجئين. تلك الحياة المتسمة بالشظف، لكن بالصخب الطالع من كثرة تدفّق الأدرينالين في الأجسام، تُمسح بحالات أفراد جيء بهم إلى العلاج النفسي. أكثرهم إناث (13 حالة مقابل حالة واحدة لشاب) تتراوح أعمارهن بين الطفولة وسنوات ما قبل الكهولة بقليل. وجميعهنّ يكشفن عما هو أكثر داخلية وفردانية في حياة المخيّم، كأنهن جئن من طول احتجاز في قمرات ضيّقة، لا من ذاك الازدحام الفائض الكثيف. بعضهن، أو أكثرهن، أو ربما جميعهن، يشكين من العزلة، حيث لا أحد يمكن بثّه شكاواهن. ذاك أن ما صرن إليه لا تساعد اللغة الشائعة في التعبير عنه، ولا في فهمه من قِبَل سامعيه. إذ كيف ستجرؤ تلك التي اسمها «أمل» على القول إنها تعيش مع حبيبها الغائب في فنلندا من ثماني سنوات بينما هي مقيمة هنا، في المخيّم في البقاع اللبناني.
«أنا أتجنّب الجميع من حولي، لا أريد لأحد أن يراني أو يتفاعل معي»، تقول وهي على كرسي المعالجة، قبل أن تمعن في الإقرار باختلافها، بل انفصالها عمّن حولها: «أريد أن أصدّق أنني لست معهم…»، فهي هناك في فنلندا، «معه هو»؟ وفي حياتها معه، الجارية عبر الهاتف، لا شيء ينقصها، كما تقول. لديّ مطبخ أعدّ فيه الطعام، ولديّ كريم مرطّب ليديّ، كما لديّ منشر غسيل أتدلّى من فوق الشرفة لأنشر فوقه ملابسي وملابس طفليّ»، وقد أنجبتهما حقيقيين، أو شبه حقيقيين، من العالم المنفصل حيث نعيش أنا وهو.
***
هي بدايات متشابهة لكل من القصص الأربع عشرة. تصف الكاتبة – المعالِجة مريضتَها وهي تدخل، ثم تصف، بكل الاختصار الممكن، كيف جلست على الكرسي وكيف أجابت على السؤال الأول الذي هو عن اسمها. لكن، في قصّة أخرى عنوانها «الحصار»، لا إسم يتخلّل الحوار، لا إسم المريضة التي يجري اللقاء معها، ولا إسم أخيها الذي يدور حوله كلامها. من لحظة ما جلست بدت كما لو أن ما ستقوله هو كل ما لديها: «لقد سبقتُ أخي… كان أكبر مني بخمس سنوات، أصبحت أنا أكبر منه»، هذا أول ما قالته، من دون أن يكون مسبوقا بسؤال. كان قد مات وهو في الخامسة والعشرين من عمره (وهي الآن في الثامنة والعشرين). كان محاصرا في الزبداني، وقد مات من الجوع. أما هي فلم تكن تتخيّل أن هذه العبارة حقيقية ويمكن أن تنطبق على بشر ما. «كان يتّصل بنا كي يسأل عن الطعام وماذا نطبخ، «لم يستمع إلى الكلام، بل كان يحوّله إلى شيء حقيقي، إلى طبخ، «يمضغه ويتذوّقه ويبتلعه». وهو ظلّ، حتى وفاته، يعيش على الطعام الذي يطبخه في تخيّله. هو طعام افتراضي، مثلما هو افتراضي حبيب «أمل» المقيم في فنلندا.
***
أما رائد، وهو الرجل الوحيد بين نساء الكتاب، فأعجبه تقسيم البراكيّة (الخيمة، بالشرشف، إلى غرفتين، واحدة لنوم الأهل والثانية لنوم الأولاد، وهو أحدهم. كانت أخته الطفلة تبكي كي تنام إلى جانب أمّها، لكنها كانت ترضى بيد أمّها، يدها فحسب، حين تمتدّ إليها من تحت الشرشف. أما هو فكانت تعجبه فكرة الشرشف إذ كان يشعر بأنه وحده وليس وحده، متوزّعا هكذا بين الخيمة التي صارت بيته، والفيلا التي كانت مسكن العائلة في سوريا. ذاك البيت – الفيلا انهدم. لم تعد أيّ من غرفه قائمة. وحين سألته المعالجة ماذا شعر حين علم بدمار ذاك البيت، قال إنه شعر بالبرد، لأن لم يعد هناك حجارة تغطّي أجسام الساكنين فيه. انتظر إلى ما بعد خروجه من سوريا لتبدأ إصابته بالبهاق.
***
بخلاف السائد عن فظاعة الموت بالجملة تقول وطفى، التي شارفت على الخمسين، إنها تحبّ الموت الكثيف، العظيم، «الذي يحصد العشرات، بل المئات». ذك أن الموت الجماعي لا غربة فيه، ولا خوف. وهي تخاف أن تموت وحدها:
إن كانوا كثيرين هم «يتواسون ويتكّىء بعضهم على بعض إن أضلواّ الطريق بعد الموت» أما هي فتخاف في تلك الرحلة أن تكون وحدها إذ لا تعود تعرف كيف تقتفي أثر من سبقوها. ولا يعودون هم قادرين على التعرّف عليها إن طال ابتعادهم عنها، فلا ينتظرونها على الجبهة المقابلة.
«هل أنت متزوّجة؟ « سألتْها المعالِجة.. «أجل، ولديّ أربعة أبناء: ياسر في العشرين من عمره وأحمد في السابعة عشرة، وعبير في الخامسة عشرة، ويزن في الثانية عشرة»
فقط بعد انقضاء وقت على خروجها، خطر للمعالِجة الرجوع إلى ملفّها الشخصي. في الملف تبيّن أن وطفى قد خسرت أبناءها من عشر سنوات بسقوط قذيفة في حديقة المنزل.
*المذكورة أعلاه حالات قليلة مما أوردته راتية البوبو في كتيّبها الصغير عن مرضى حاورتهم. عنوان الكتاب «وشم الذاكرة» وقد صدر عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» في 123 صفحة سنة 2026.
كاتب لبناني