القاهرة ـ « القدس العربي»: لا يغطي الحد الأدنى للأجر الحكومي في مصر البالغ 8 آلاف جنيه شهريًا، سوى نحو 25٪ من تكلفة المعيشة المقدرة لأسرة مكونة من 4 أفراد، حيث تبلغ الفجوة بين دخل عائل واحد عند الحد الأدنى وتكلفة سلة الاحتياجات الأساسية نحو 24 ألفًا و51 جنيهًا شهريًا، حسب دراسة أعدها «بيت الخبرة البرلمانية» لحزب العدل.
الدراسة التي حملت عنوان «كم ينفق المواطن المصري في يومه؟ ـ 2026» كشفت عن فجوة واسعة بين تكلفة المعيشة الفعلية ومستويات الدخول.
وترصد الدراسة كيف أعادت موجات ارتفاع الأسعار تشكيل سلوك الأسرة المصرية، فلم يعد السؤال في كثير من الأحيان هو «ما الأفضل؟» وإنما «ما الذي تستطيع الميزانية تحمله؟» مع انتقال الأسر إلى بدائل أقل تكلفة، وتراجع هامش الادخار والإنفاق على البنود الأكثر مرونة.
وتشير إلى أن البيئة الاقتصادية التي تتحرك فيها الأسرة تتسم باستمرار الضغوط التضخمية، مع وصول التضخم السنوي الحضري إلى 14.3٪ مقابل 12.2٪ في يونيو/ حزيران 2026.
الغذاء
وحسب الدراسة، يمثل الغذاء أكبر بند في ميزانية الأسرة، حيث تبلغ تكلفة السلة الغذائية للفرد، باستثناء الخبز المدعم، نحو 1855 جنيهًا شهريًا، أي ما يقارب 7420 جنيهًا للأسرة، وتشمل الأرز والمكرونة والفول والبقوليات والسكر والشاي واللبن والجبن والزيت والدجاج والبيض واللحوم المجمدة والأسماك والخضراوات والفاكهة والتوابل وغيرها.
وتكشف عن تغير واضح في مصادر الغذاء تحت ضغط الأسعار؛ إذ بلغ سعر اللحم البقري الطازج نحو 447 جنيهًا للكيلوغرام مقابل نحو 296 جنيهًا للحوم المجمدة المستوردة، كما بلغ سعر الجبن الرومي نحو 296 جنيهًا للكيلوغرام مقابل نحو 98 جنيهًا للجبن القريش.
الخبز المدعّم
وخصصت الدراسة محورًا مستقلًا للخبز المدعم، باعتباره أحد أهم أدوات الحماية من الهشاشة الغذائية، وتكشف البيانات عن انخفاض وزن الرغيف من 130 غرامًا في 2014 إلى 70 غرامًا في 2026، بنسبة تراجع تقارب 46٪، في حين ارتفع سعره من 5 قروش إلى 150 قرشًا، أي 30 ضعفًا.
وعند حساب تكلفة الغرام الواحد، ارتفع السعر من 0.038 قرش إلى 2.143 قرش، بزيادة تراكمية تجاوزت 5500٪ خلال 12 عامًا.
وحسب الدراسة، تحصل الأسرة المكونة من أربعة أفراد على نحو 600 رغيف شهريًا بتكلفة تقارب 900 جنيه، بما يعادل 225 جنيهًا للفرد، وبإضافة الخبز إلى السلة الغذائية، ترتفع تكلفة الغذاء للفرد من 1855 إلى نحو 2080 جنيهًا شهريًا، وتصبح تكلفة الغذاء للأسرة نحو 8320 جنيهًا شهريًا.
الوقود
لا تعتبر الدراسة الوقود مجرد بند مباشر في ميزانية الأسرة، وإنما أحد المحركات الأساسية لأسعار السلع والخدمات، إذ تنتقل الزيادات في البنزين والسولار والبوتاغاز إلى تكلفة النقل والإنتاج والتوزيع.
ووفق الدراسة، خلال الفترة من مارس/ آذار 2024 إلى مارس/ آذار 2026، ارتفع سعر بنزين 80 من 11 إلى 20.75 جنيه للتر بزيادة 89٪، وبنزين 92 من 12.50 إلى 22.25 جنيه بزيادة 78٪، وبنزين 95 من 13.50 إلى 24 جنيهًا بزيادة 78٪.
أما السولار فارتفع من 10 إلى 20.50 جنيه للتر، بزيادة بلغت 105٪، بينما قفز سعر غاز السيارات من 3.75 إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب، بزيادة 247٪، وهي أعلى نسبة زيادة في الجدول، وإن كانت أضيق تأثيرًا من السولار بسبب محدودية نطاق استخدامه. كما ارتفع سعر أسطوانة البوتاغاز المنزلية من 150 إلى 275 جنيهًا بزيادة 83٪.
وتقدر الدراسة تكلفة أسطوانة بوتاغاز واحدة شهريًا للأسرة غير المتصلة بالغاز الطبيعي بنحو 275 جنيهًا، بينما تنتقل الزيادة في سعر البوتاغاز التجاري بصورة غير مباشرة إلى أسعار المطاعم والمخابز والمنتجات الغذائية.
السكن
يأتي السكن في المرتبة الثانية بعد الغذاء، بتكلفة تقديرية تبلغ 6 آلاف جنيه شهريًا للأسرة، بما يمثل 18.7٪ من إجمالي الإنفاق. وتشير الدراسة إلى أن السكن من أقل البنود مرونة؛ فبخلاف بعض السلع الغذائية التي يمكن استبدالها أو تقليل كمياتها، لا تستطيع الأسرة بسهولة خفض قيمة الإيجار أو التخلي عن المسكن، كما أن الانتقال إلى منطقة أقل تكلفة قد يؤدي إلى ارتفاع نفقات النقل.
النقل
وتقدر الدراسة تكلفة النقل للأسرة بنحو 3640 جنيهًا شهريًا، بما يعادل 910 جنيهات للفرد أو نحو 30.3 جنيه يوميًا، وتمثل 11.4٪ من إجمالي الإنفاق. ولا تعتبر الدراسة النقل إنفاقًا ترفيهيًا أو اختياريًا، وإنما تكلفة أساسية للوصول إلى العمل والتعليم والخدمات.
يبلغ 8 آلاف جنيه شهرياً… تغيّر في مصادر الغذاء تحت ضغط الأسعار
وترتبط هذه النفقات بصورة مباشرة بارتفاع أسعار الوقود، خاصة السولار الذي يدخل في تشغيل وسائل النقل الجماعي ونقل البضائع، بما يجعل الزيادة في أسعار الوقود تنتقل إلى الأسرة حتى لو لم تكن تمتلك سيارة خاصة.
وتقدر الدراسة فاتورة المرافق، التي تشمل الكهرباء والمياه والغاز، بنحو 1250 جنيهًا شهريًا للأسرة، أي نحو 313 جنيهًا للفرد، وتمثل 3.9٪ من إجمالي الميزانية.
أما الاتصالات والإنترنت فتبلغ نحو 641 جنيهًا شهريًا للأسرة، موزعة بين 376 جنيهًا للإنترنت الأرضي، و100 جنيه لباقة العائل، و65 جنيهًا للزوجة، و100 جنيه لشحن الأبناء.
وتلفت الدراسة إلى أن الإنترنت تحول من خدمة إضافية إلى مكون أساسي من تكلفة المعيشة، بعدما أصبح ضروريًا للتعليم والعمل والحصول على الخدمات، ما يعني أن إلغاء الخدمة لم يعد خيارًا سهلًا بالنسبة للأسرة.
الصحة
تقدر الدراسة متوسط الإنفاق الصحي للأسرة بنحو 2200 جنيه شهريًا، بما يعادل 550 جنيهًا للفرد، وتشمل 500 جنيه للكشوف الطبية، و1000 جنيه للأدوية المزمنة والطارئة، و500 جنيه للتحاليل والأشعة، و200 جنيه للتأمين الصحي الخاص أو التكميلي. وتستحوذ الأدوية وحدها على نحو 45٪ من الإنفاق الصحي في النموذج المستخدم.
وتشير الدراسة إلى أن هذا الرقم لا يمثل أقصى ما قد تتحمله الأسرة في حالة المرض المزمن أو العمليات الجراحية، وإنما متوسط الإنفاق في الظروف العادية، بينما يمكن أن تتضاعف التكلفة بصورة كبيرة عند التعرض لمرض طويل الأمد.
التعليم
يكشف بند التعليم عن واحدة من أبرز صور انتقال تكلفة الخدمات من الدولة إلى الأسرة. وتقدر الدراسة متوسط تكلفة تعليم طفلين في التعليم الحكومي بنحو 5200 جنيه شهريًا، تشمل: 3200 جنيه للدروس الخصوصية، 800 جنيه للمنصات التعليمية، 300 جنيه للكتب والمذكرات و200 جنيه للأدوات المدرسية، 100 جنيه كنصيب شهري من مستلزمات بداية العام، و600 جنيه للأنشطة والرحلات.
وتستحوذ الدروس الخصوصية وحدها على نحو 62٪ من إجمالي الإنفاق التعليمي في النموذج.
ولا تقف الضغوط عند المتوسط الشهري، ففي شهر بداية العام الدراسي، ومع شراء الكتب والأدوات، ترتفع التكلفة إلى ما بين 7 آلاف و7400 جنيه، أي ما يعادل نحو 87.5٪ إلى 92.5٪ من الحد الأدنى للأجر الحكومي البالغ 8 آلاف جنيه.
وتؤكد الدراسة أن هذا التقدير لا يشمل المصروفات الدراسية الرسمية ولا الزي المدرسي ولا الحقائب، ما يعني أن العبء الفعلي قد يكون أعلى.
الملابس والعناية الشخصية
تقدر الدراسة إنفاق الأسرة على الملابس والأحذية والمنظفات والنظافة الشخصية ومستحضرات التجميل والحلاقة بنحو 2400 جنيه شهريًا، بواقع 600 جنيه للفرد.
ويشمل الرقم نحو 900 جنيه شهريًا للملابس والأحذية بعد توزيع الإنفاق السنوي، و500 جنيه للمنظفات، و500 جنيه للنظافة الشخصية، و500 جنيه لمستحضرات التجميل والحلاقة والعناية الأساسية.
وتشير الدراسة إلى أن هذا البند من أول البنود التي تضغط الأسرة عليها عند تراجع الدخل، من خلال تأجيل شراء الملابس وتقليل الكميات واللجوء إلى بدائل أرخص، لكنه لا يختفي لأن النظافة والملبس احتياجات أساسية.
الترفيه والمناسبات والطوارئ
تقدر الدراسة الإنفاق الاجتماعي والترفيهي والمتفرقات بنحو 2400 جنيه شهريًا للأسرة، وتشمل 300 جنيه للاشتراكات الترفيهية، و1000 جنيه للنزهات العائلية، و300 جنيه للهدايا والمناسبات، و300 جنيه للصدقات والزكاة، و500 جنيه للمصروفات المتفرقة والطوارئ.
وتؤكد الدراسة أن هذا الرقم لا يعكس نمطًا استهلاكيًا مرتفعًا، إذ لا يتضمن رحلات سياحية أو اشتراكات متعددة أو تناولًا منتظمًا للطعام خارج المنزل. ومع الملابس والعناية الشخصية، يصل مجموع البندين إلى 4800 جنيه شهريًا، أي نحو 15٪ من ميزانية الأسرة، وهو الجزء الأكثر قابلية للضغط عندما تعجز الدخول عن تغطية الالتزامات الأساسية.
تجمع الدراسة البنود العشرة لتصل إلى إجمالي 32 ألفًا و51 جنيهًا شهريًا للأسرة، و8013 جنيهًا للفرد شهريًا، بما يعادل 267.1 جنيه يوميًا للفرد. وتشير الدراسة إلى أن البنود الأربعة الأكبر، وهي الغذاء والسكن والتعليم والنقل، تستحوذ وحدها على نحو 69.5٪ من إجمالي الإنفاق، أي 22 ألفًا و260 جنيهًا شهريًا. ومع إضافة الخبز المدعم، ترتفع حصة الاحتياجات الأساسية الخمسة إلى 72.3٪ من ميزانية الأسرة.