إدارة ترامب تعمل دون استراتيجية واضحة، حسب أهواء الرئيس وبواسطة مبعوثين دبلوماسيين موالين له، ولكن تنقصهم الخبرة. والنتيجة هي إطفاء الحرائق التي تشعلها الإدارة: إيران تنجح في التلاعب بواشنطن، المحادثات مع لبنان لا تمنع تفاقم الحرب، في قطاع غزة فشلت الوساطة الأمريكية أمام سياسة نتنياهو التي تعيق التقدم في نزع سلاح حماس.
في حين تكرس إدارة ترامب معظم الوقت للمحادثات المجمدة بين لبنان وإسرائيل في روما، أو محاولة إبقاء خطة النقاط الـ 15 في غزة قائمة، فليس لديها الموارد الدبلوماسية والرؤية الاستراتيجية المطلوبة لمعرفة أن هناك جبهة أخرى تتشكل أمام أنظارها، التي قد تنفجر وتدخل كل المنطقة إلى دوامة جديدة.
في هذه الأثناء، يجري المستوطنون اختبارات على الأدوات في قرية قصرة. ليس فقط المزيد من المضايقة العابرة، بل خطوة حازمة نحو الدفع قدماً بعملية ترانسفير فعلية. قصرة هي المرحلة الأولى، وإذا نجحت فستتبعها مراحل أخرى كثيرة. لم يعد هناك أمل يذكر من الجيش الإسرائيلي. صحيح أن القائد العام للمنطقة آفي بلوط وعد العائلات الفلسطينية المحاصرة بإخلاء بيوتهم من الغزاة، لكن في الواقع لم يحدث أي شيء. في أفضل الحالات يظهر الجيش عملية أجلاء صورية، وفي اسوأ الحالات يساعد الجنود الغزاة ويقيمون الصلاة معهم ويرسلون رسالة تقول بأن المستوطنين لا يتصرفون على مسؤوليتهم، بل باسم الحكومة، وربما أيضاً باسم الجيش.
إذا كنا نعتقد أن واشنطن تعرف خطر هذه المشكلة، فإن الرد الأمريكي أوضح مستوى جهل هذه الإدارة بالوضع: “السفارة الأمريكية في القدس منخرطة عميقاً في الحدث، والجيش والشرطة وصلوا بناء على طلب منا لرد الإرهابيين الإسرائيليين”، هكذا غرد السفير مايك هاكابي في الأسبوع الماضي، الذي نسي بالطبع ذكر أن “الإرهابيين الإسرائيليين” عادوا على الفور بعد الإجلاء بقوات معززة. هاكابي لا يظهر أي اهتمام بالضفة الغربية إلا عندما يكون هناك مواطنون أمريكيون بين الضحايا الفلسطينيين أو عندما يتم إحراق كنيسة.
بما أن هاكابي هو رجل ترامب الميداني، فلا حاجة إلى القلق. من المؤكد أن الإدارة لن تتحرك بالفعل. هاكابي ليس أقل تمثيلاً للمستوطنين لدى الولايات المتحدة من كونه السفير الأمريكي في إسرائيل، ويمكننا الثقة بأن الصورة التي يقدمها لترامب لا تمثل إلا جزءاً صغيراً من المشكلة المتفاقمة في قصرة وفي المنطقة “ج”، التي قد تمتد منها إلى كل الضفة الغربية.
لقد أدرك نتنياهو أن الحروب الدائمة تساعده في الحفاظ على حكمه، لذلك سيواصل تأجيج الاضطرابات في لبنان وغزة، بالطبع بمساعدة حزب الله وحماس. لذلك، هو يهتم أيضاً بإشعال الضفة الغربية، وإذا أمكن عودة جبهة إيران.
يدرك المستوطنون، الذين يقتحمون قصرة وجالود، وفي القريب المزيد من القرى، أن الإدانات الضعيفة التي يصدرها أعضاء الحكومة وقادة الجيش، إضافة إلى عمليات الإخلاء التي يتم إجراؤها بشكل صوري، ليست سوى كلام فارغ.
يدركون أن قيادتهم السياسية برئاسة نتنياهو، لها مصلحة في استمرار أعمال الشغب والانتهاكات وبث العنف والفوضى والطرد، على أمل أن يكون هناك من يرد في الطرف الثاني، ما سيؤدي إلى اندلاع موجة عنف دموية أخرى.
الفرق الأساسي بين غزة ولبنان والضفة الغربية هو أن الضفة الغربية ما زال يمكن احتواء الانفجار فيها. ولكن هذا لن يحدث إذا واصل ترامب صمته، وإذا استمر مبعوثوه في التركيز على قطاع غزة ولبنان وتجاهل ما يحدث في الضفة الغربية، وإذا استمر هاكابي في كونه مبعوث الإدارة الأمريكية في المنطقة، وهو الإنجيلي اليميني المتطرف الذي يعتبر المستوطنين رسل الله، ومن المؤكد أنه، مثلهم، يريد إشعال المنطقة في الطريق إلى “هار مجدون” وإلى الخلاص الذي سيأتي في أعقاب ذلك.
نداف تمير
هآرتس 19/8/2026