تغريد عبد العال… الكتابة جسر بين المخيم والعالم



رانيا سعد الله

مخيم مار الياس – «القدس العربي»: في حياة الكاتبة والشاعرة الفلسطينية تغريد عبد العال، لم تكن الكتابة مجرد هواية أو وسيلة للتعبير، بل كانت رحلة طويلة لاكتشاف الذات، ومقاومة الواقع، وصناعة أفق جديد يتجاوز حدود المكان.
ابنة قرية الغابسية الفلسطينية المهجرة، والمولودة في مخيم نهر البارد شمال لبنان، تحمل في تجربتها الإنسانية والثقافية مزيجاً من الذاكرة الفلسطينية، وتجربة اللجوء، والإيمان العميق أن الثقافة قادرة على فتح النوافذ حتى في أكثر الأمكنة ضيقاً.
نشأت تغريد في بيئة يغلب عليها الروتين والقيود التي تفرضها حياة المخيم، إلا أن فضولها الفكري ورغبتها الدائمة في البحث عن آفاق أوسع جعلاها تنظر إلى الحياة بطريقة مختلفة.
عملت لفترة معلمة لمادة الأحياء في إحدى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، لكنها لم تتعامل مع التعليم بوصفه تلقيناً للمعلومات، بل باعتباره مساحة لتحرير الفكر وإطلاق الخيال.
تقول إن قراءاتها في مجال التربية، ولا سيما لفكر المربي البرازيلي باولو فريري، أحدثت تحولاً عميقاً في رؤيتها للعملية التعليمية.
فقد آمنت أن التعليم والثقافة يسيران في أفق واحد، وأن المدرسة لا ينبغي أن تكون مؤسسة قائمة على الخوف والطاعة، بل فضاءً يزرع الأسئلة ويمنح الأطفال القدرة على التفكير والنقد والحلم.
داخل الصفوف الدراسية، كانت تحاول أن تزرع في طلابها فكرة بسيطة لكنها عميقة؛ أن الجدران التي تحيط بهم ليست نهاية العالم، وأن هناك عوالم أخرى يمكن الوصول إليها بالعلم والخيال والإرادة.
كانت تؤمن أن الطفل الذي يتعلم كيف يحلم، يستطيع أن يتجاوز الحدود التي فرضتها عليه الظروف.
هذه القناعة لم تغيّر أسلوبها في التدريس فحسب، بل دفعتها أيضاً إلى إعادة النظر في مسارها المهني، لتقرر مغادرة عملها الأول بحثاً عن مساحة أوسع تستطيع من خلالها تحقيق رؤيتها الثقافية والإنسانية.
بدأت علاقتها مع الكتابة في سن السادسة عشرة، حيث كتبت القصائد والقصص القصيرة، قبل أن تأتي تجربة الرسم في مرحلة لاحقة.
وفي حديث مع «القدس العربي» تصف تغريد الرسم أنه امتداد طبيعي للكتابة، وكأن الكلمات حين تضيق عن احتواء الفكرة، تكملها الألوان والخطوط. بالنسبة إليها، لا يوجد فصل بين الفنون، فجميعها تنبع من المصدر ذاته؛ التجربة الإنسانية والخيال. ورغم أنها كتبت للكبار، فإن الكتابة للأطفال احتلت مكانة خاصة في تجربتها، وتعدّها من أصعب أشكال الكتابة الأدبية. فالكاتب، برأيها، يحتاج إلى مهارة كبيرة وخيال واسع ليتمكن من رؤية العالم بعيني طفل، أو أن يوقظ الطفل الذي ما زال يسكن داخله.
وهي ترى أن معظم الأفكار التي تكتبها للكبار يمكن أن تُقدَّم للأطفال أيضاً، لكن بلغة مختلفة تحترم ذكاءهم وبراءتهم، وتمنحهم فرصة لاكتشاف العالم بأنفسهم.
وترى تغريد أن الكتابة ليست فعلًا لغويًا فحسب، بل تجربة حياة كاملة.
فهي تؤكد أن كل نص يولد من أعماق التجارب الإنسانية، وأن الكتابة غيّرتها على المستوى الشخصي، وجعلتها إنسانة مختلفة عمّا كانت عليه. كما ساعدتها على تحويل كثير من أحلامها إلى واقع، ومنحتها طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء، حتى باتت تقرأ التفاصيل الصغيرة في الحياة كما لو كانت نصوصًا مفتوحة تحمل معانيها الخاصة.
واليوم، من خلال عملها في أكاديمية دار الثقافة، وجدت مساحة جديدة للحوار والانفتاح على تجارب ثقافية متنوعة.
فقد أتاح لها العمل الالتقاء بكتاب ومثقفين من جنسيات وخلفيات مختلفة، وهو ما أسهم في توسيع معارفها وإثراء تجربتها الفكرية. وتؤمن بأن الحوار الثقافي عملية تبادلية؛ فهي تتعلم من الآخرين بقدر ما تقدم لهم من تجربتها الخاصة. وتحمل هذه اللقاءات بعداً إنسانياً يتجاوز الثقافة نفسها، إذ يزور كثير من الضيوف المخيم للمرة الأولى، بينما كان آخرون يعرفونه فقط من خلال الأخبار والصور.
ومن خلال هذه الزيارات، تحاول تغريد أن تقدم صورة مختلفة عن المخيم، بوصفه مكاناً للحياة والإبداع، لا مجرد مساحة تختصرها معاناة اللجوء.
بالنسبة إليها، يستطيع المخيم أن يكون جسراً ثقافياً يربط الداخل بالخارج، ويكسر الصور النمطية التي كثيرًا ما تحيط به.
في تجربة تغريد عبد العال، تتجاوز الكتابة حدود الورق، وتصبح فعلًا من أفعال المقاومة الثقافية، وبناء الإنسان، وصناعة الأمل. إنها تؤمن أن الكلمة قادرة على تغيير الفرد، وأن الفرد القادر على الحلم يستطيع بدوره أن يغيّر مجتمعه. لذلك تواصل الكتابة، والتعليم، والحوار، وهي تحمل يقينًا راسخاً أن الثقافة ليست ترفاً، بل واحدة من أهم أدوات الحرية.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *