شكّل فوز زهران ممداني عمدة لمدينة نيويورك-أول عمدة مهاجر مسلم- ضربة صادمة وجرس إنذار مدوٍ لمؤسسة والقيادات التقليدية للحزب الديمقراطي. وخاصة بهزيمته أندرو كومو سليل عائلة كومو السياسية- هو نفسه كان حاكم ولاية نيويورك على فترتين. ووالده ماريو كان حاكم ولاية نيويورك. كما أثبت فوز ممداني أن المال السياسي ونفوذ وتمويل اللوبيات الكبيرة التي تمول حملات النواب وأعضاء مجلس الشيوخ والمرشحين الذين يدافعون عن مصالحها على حساب الناخب البسيط-وخاصة اللوبي الأكثر نفوذا وتأثيرا وتدخلاً في قضايا منطقتنا والحامي والمدافع عن إسرائيل «إيباك» الصهيوني والداعم بقوة لإسرائيل بتبرعاته السخية لمعظم أعضاء مجلس النواب والشيوخ من الحزبين، يمكن هزيمته- إذا توفر الخطاب الذي يمس مطالب وحاجات الناخب بخفض الأسعار وتحسين مستوى الخدمات من التعليم والرعاية الصحية ومكافحة الجريمة ورفض دعم وتمويل حروب الخارج- وخاصة انتقاداته لجرائم حرب إبادة إسرائيل بحق الفلسطينيين في غزة والمنطقة بأموال دافعي الضرائب. بعد صحوة شباب الجامعات وخروجهم بمظاهرات صاخبة احتجاجا ورفضاً لقتل الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء في غزة- والحرب على إيران اليوم- بتمويل دافعي الضرائب الأمريكيين. وخاصة بعد تحريض نتنياهو لشن الحرب.
وشعر الأمريكيون بما فيهم قاعدة ترامب «ماغا» بالإحباط والاستياء لانقلاب ترامب على وعوده الانتخابية «لاحروب» جديدة- والتعهد بخفض أسعار كلفة المعيشة. بينما الواقع عكس ذلك. بسبب تداعيات رفع ترامب الرسوم والتعريفات الجمركية- ومضاعفة الأسعار على الناخبين الأمريكيين. وخاصة حرب إيران المتعثرة مخالفا وعوده بعدم خوضها. ما تسبب بارتفاع أسعار النفط والوقود والسلع والمواد الغذائية لمستويات مكلفة ومرهقة، رفعت المعاناة وكلفة المعيشة. لذلك نشهد اليوم حالة غضب عارم- وانتقادات لترامب لتخليه عن تعهداته الانتخابية- وانشقاقات داخل الحزب الجمهوري نفسه وداخل قاعدته الشعبية التي أوصلته إلى البيت الأبيض مرتين!ما قاد لانهيار شعبيته!
شكل فوز ممداني التقدمي الاشتراكي بمنصب عمدة نيويورك كبرى مدن العالم الغربي والأمريكيتين وما قدمه من إنجازات بتحسين مستوى معيشة وتوفير خدمات ورعاية طبية وحضانات للأطفال-وخفض الإيجارات بتمويل بلدية نيويورك-لنموذج ناجح انتشر في عدة ولايات. أدت لنجاح مرشحين بمناصب فيدرالية وعلى مستوى الولايات. ما يعزز مكانة وحضور وانتشار حركة التقدميين لتصبح أكثر تنظيما وحضورا وانتشاراً بانضمام حركة «الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون»!!
فوز الديمقراطيين بالأغلبية في انتخابات التجديد النصفي سيكون بمثابة النهاية الفعلية لرئاسة دونالد ترامب
من نتائجها فوز الطبيب عبدالرحمن السيد(عبدول)-ابن مهاجرين مصريين ولد وعاش وارتاد الجامعات الأمريكية ليصبح طبيب أوبئة ومسؤولا في ولاية مشيغان المتأرجحة والمهمة لترجيح كفة فرص فوز الديمقراطيين بموجة زرقاء وانتزاع الأغلبية الضئيلة من هيمنة ترامب والحزب الجمهوري. عبدول من خارج مؤسسة النظام الحزبي الديمقراطي. ومعادٍ للمال السياسي وأصحاب المصالح الذين لم يتمكنوا من هزيمته برغم إنفاقهم حوالي 70 مليون دولار-حوالي نصفها من اللوبي إيباك الأمريكي-الإسرائيلي لهزيمته لتجرئه على انتقاد إسرائيل وحرب الإبادة على غزة ورفض تمويل من يرتكب إبادة- ويقول إن أموال الضرائب يجب أن تبقى في ميشيغان وأمريكا وليس لدولة خارجية- وقلب المعادلة: أموالنا تبقى في ولايتنا- وأمريكا أولا. وبذلك تتقاطع أولويات وأهداف وطرح عبدالرحمن السيد الذي حقق انتصارا تاريخيا صادما مع أجندة ومواقف حركة «ماغا»- اليمينية التي تؤمن وتطالب ببقاء الأولوية لأمريكا وليس لإسرائيل. ووصل الأمر بقياداتها للانشقاق واتهام الرئيس ترامب بالتخلي عن مبادئ وأهداف حركة ماغا وأمريكا أولاً.
لا يعني هذا أن السيد يمكنه تغيير واقع ووضع السياسة الخارجية الأمريكية تجاه قضايانا وأزماتنا، التي هي نتاج صنع حسابات وأخطاء الإدارات الأمريكية (الجمهوريين والديمقراطيين)-خاصة القضية الفلسطينية وأمن الخليج والحرب على إيران. ولا يعني أن الولايات المتحدة ستغير سياساتها بسرعة والتي بقيت ثابتة لعقود.
ووصف الرئيس ترامب السيد بأنه مسلم وشيوعي فاشل- كاره لليهود وإسرائيل وفي قلبه كراهية. وهو المدعوم من التيار التقدمي الديمقراطي-بقيادة السناتور المستقل بيرني ساندرز-والسناتور إليزابيث وراين ورشيدة طليب وإلهان عمر والكسندرا كورتيز .
وفاز الاشتراكيون الأمريكيون (DSA) بسبعة مقاعد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي على مستوى الولايات المتحدة. ويرتفع العدد إلى 35 مقعدا على مختلف مستويات الولايات وعلى المستوى الفيدرالي ككل.. وستُجرى انتخابات تمهيدية مهمة الثلاثاء القادم في ولايتي مانسيوتا وويسكونسن.
ولكن لا تعني تلك التطورات تخلي الولايات المتحدة عن إسرائيل، وتوقف الحرب على إيران. كما لا يملك الجناح التقدمي-الاشتراكي الأغلبية داخل الحزب الديمقراطي حتى اليوم. ولا يقررون السياسة الخارجية والدفاعية اليوم. لكن في المقابل- باتت الجماعة مؤثرة ويزداد مؤيدوها والمنتمون لها ويزداد عددهم في الكونغرس. وبالتالي يزداد نفوذهم وتأثيرهم داخل الحزب الديمقراطي. وفي حالة فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي في انتخابات الكونغرس في نوفمبر المقبل وانتزاع الأغلبية الضئيلة من حزب ترامب الجمهوري، سيفرضون حصاراً على ترامب ويعرقلون أجندته في الكونغرس المقبل في يناير 2027. بفتح لجان تحقيق واستدعاء كبار المسؤولين والوزراء في إدارة ترامب للإدلاء بشهاداتهم تحت القسم أمام لجان الكونغرس.
سيوضع ترامب والمسؤولون تحت مجهر التحقيق بقراراته وتكسبه وعائلته بمخالفاته للدستور والقانون. وسيتعرض للإحراج وسجن قيادات إدارته. ولا يُستبعد تحريك الأدوات الدستورية لمحاكمة ترامب ومحاولة عزله. لذلك تعيش قيادات الحزب الجمهوري اليوم حالة هلع غير مسبوقة. حذر رئيس مجلس النواب مايك جونسون مؤخراً: «فوز الديمقراطيين بالأغلبية في انتخابات التجديد النصفي سيكون بمثابة النهاية الفعلية لرئاسة دونالد ترامب». سننتظر ونراقب!!
أستاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت