تونس -«القدس العربي»: بدأ المجلس الأعلى للتربية والتعليم في تونس، الإثنين، أولى جلساته، وسط انتقادات واسعة لتركيبته.
وكان الرئيس قيس سعيد أصدر أمرا يقضي بتعيين أعصاء المجلس الجديد، بعد تكليف وزير التربية السابق محمد علي البوغديري برئاسته.
وكتب البرلمانية ألفة المرواني: «هنيئا لمن تم تعيينهم بالمجلس الأعلى للتربية، لكن ما يؤسفني أني لم أجد من بينهم مختصين في علوم التربية أو علم اجتماع التربية أو علم نفس التربية أو علم نفس الطفل أو علم نفس المراهقة أو خبراء في البيداغوجيا أو في هندسة النظم أو حتى في الذكاء الاصطناعي».
وأضافت: «كنت أنتظر أسماء عديدة مثل الأستاذ مراد البهلول دكتور الدولة في علوم التربية، والخبير في المناهج وعلوم التربية والباحث المتخصص في «البيدغوجيا الفارقية» وتطبيقها في المدرسة التونسية، أو المتفقد العام الخبير في التربية الأستاذ إبراهيم بن صالح، وهو الكفاءة الوطنية في البيداغوجيا، أو الأستاذ المختص في علم النفس المعرفي عبد المجيد بن ناصر، أو الدكتور في علوم التربية مصدق الجليدي القامة العلمية في مجاله».
ووجهت وزيرة التربية السابقة سلوى العباسي انتقادات لأعضاء المجلس الجديد في سلسة تدوينات، كتبت في إحداها: «المدرسة قصة كفاح ولا يجب أن تسلم إلى الفاسدين والانتهازيين والساكتين عن تدليس الشهادات الوطنية ومن لم يقرأ في حياته كتابا عن التربية، أو إلى الأجندات الحزبية المتقنعة بمساندة المسار والرئيس، وهم سماسرة المنظمات الدولية والتوجهات الفرنكوفونية الاستئصالية التي ستهدد الهوية التربوية».
وخاطب النائب وسام الشهيدي، العباسي بقوله: «إن المسؤولية الوطنية تقتضي التعفف عن التراشق الإعلامي والتركيز على البناء لا الانشغال بتصفية حسابات شخصية مع كل تعيين جديد».
وأضاف: «للتذكير، فإن فترة توليك لوزارة التربية كانت فرصة حقيقية لك للإنجاز، لكن الرأي العام لم ير فيها قوانين إصلاحية تنصف القطاع، بل كان المشهد الأبرز في فترتك الوزارية جلوسكِ على دكة مدخل الوزارة في تصرف أقرب للاحتفال منه مسؤولية لتدبير قطاع حساس».
وتابع بقوله: «الأجدر بك اليوم هو ترك الكفاءات تعمل وتجنب استرجاع المعارك الوهمية لأغراض شخصية. فخدمة تونس لا تقاس بالتسميات، ومن يخدم وطنه بصدق يعلم أن أي موقع قد يحمل من القيمة والقدرة على التأثير والفعل ما يفوق أحيانا منصب الوزير. تونس اليوم تحتاج إلى العمل الجدي والترفع عن الخصومات القديمة».
ودونت الإعلامية والحقوقية نزيهة رجيبة: «كنت عبرت عن رجائي أن يعفي قيس سعيد التربية والتعليم من أفكاره «الجديدة»، ولكنه أبى إلا أن يزحف على هذا القطاع الحيوي المستقبلي. هذا المجلس قلعة فارغة تُضاف إلى سابقاتها لتستنزف موارد البلاد بلا فائدة».
وزيرة سابقة: مساندة مسار الرئيس لا تكفي للإشراف على التعليم
واعتبر النائب محمد علي، أن استكمال المجلس الأعلى للتربية والتعليم «ينبغي ألا يتحول إلى مناسبة للتصفيق لتركيبته، كما لا ينبغي أن يتحول نقد تركيبته إلى رفض للمؤسسة نفسها. والمطلوب هو نقاش جدي حول معايير الاختيار، وحضور الاختصاص، وطبيعة الخبرة المطلوبة، وحدود الدور الاستشاري، بالتوازي مع طرح السؤال الأكبر حول استكمال منظومة الرقابة الدستورية».
وأضاف: «كما أن الإصلاح التربوي لا يحتاج فقط إلى إرادة سياسية وكفاءات إدارية وتنوع في الاختصاصات بل إلى رؤية تربوية واضحة ومعرفة علمية متخصصة وقدرة على تحويل المعرفة إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم، فإن الدولة الدستورية بالمثل لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تستشيرها السلطة وتساعدها على اتخاذ القرار، وإنما تحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على مراقبة السلطة وتذكيرها بأن الشرعية السياسية، مهما كانت مصادرها، لا تعفيها من الخضوع للدستور». وتساءل: «هل نحن بصدد استكمال مؤسسات الدولة فقط، أم بصدد بناء مؤسسات تعكس تصوراً استشارياً معيناً للدولة والحكم؛ مؤسسات تتسع فيها الاستشارة، بينما تظل الرقابة القضائية على السلطة مؤجلة، ومؤسسات يُنظر فيها إلى الخبرة العلمية بوصفها عنصراً يمكن الاستعانة به عند الحاجة، لا مكوّناً أصيلاً في صناعة القرار؟».
وختم بقوله: «إذا كان الهدف فعلاً هو بناء دولة قادرة على إصلاح تعليمها وحماية دستورها وضمان جودة قراراتها، فإن المطلوب ليس فقط مؤسسات أكثر، وإنما مؤسسات أكثر توازناً، وأكثر تخصصاً، وأكثر استقلالاً، وأكثر قدرة على ممارسة الوظيفة التي أنشئت من أجلها، وإلى نظام ونظام يوازن بين الاستشارة والرقابة الدستورية وتقييد السلطة».
وكتب الباحث عماد السديري: «لا أعرف شخصيًا أيًّا من أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، باستثناء البوغديري، الذي سبق أن أشرف على وزارة التربية. ولا أستطيع القول إن تجربته على رأس الوزارة تركت، في تقديري، أية إنجازات أو إصلاحات تبرر أي التفاؤل بهذا الاختيار».
وأوضح بقوله: «المشكلة لا تتعلق فقط بأسماء الأشخاص وإنما أيضًا بهيكلة المجلس وبطبيعة صلاحياته ومدى قدرته الفعلية على التأثير في السياسات التربوية وصنع الإصلاح، لا مجرد تقديم الآراء أو التوصيات ذات الصبغة الاستشارية غير الملزمة».
واعتبر أن التعليم التونسي «لا يحتاج إلى هيئة جديدة تضاف إلى عشرات الهياكل الموجودة، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسة قوية ومستقلة وتمتلك رؤية واضحة وخبرة حقيقية وقدرة على فرض الإصلاحات ومتابعة تنفيذها وقياس نتائجها».