الدوحة ـ”القدس العربي”: تواجه اقتصادات دول الخليج اختبارًا ماليًا واقتصاديًا استثنائيًا مع استمرار تداعيات الحرب الإيرانية وتعطل جزء من حركة صادرات النفط عبر مضيق هرمز، الأمر الذي يفرض ضغوطًا متزايدة على الإيرادات النفطية التي شكلت لعقود أحد أهم مصادر التدفقات بالعملات الأجنبية.
وفي ظل هذه التطورات، تبرز الاستثمارات الخليجية الخارجية وصناديق الثروة السيادية باعتبارها أحد أهم خطوط الدفاع المالي، لما تمتلكه دول مجلس التعاون من أصول ضخمة موزعة على الأسواق العالمية، يمكن أن توفر عوائد وتدفقات نقدية بالعملات الأجنبية وتمنح الحكومات مساحة أوسع لامتصاص الصدمات.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن صناديق الثروة السيادية الخليجية تدير تريليونات الدولارات من الأصول، تراكمت على مدى عقود من فوائض النفط والغاز، واستثمرت في الأسهم والسندات والعقارات والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا وغيرها من القطاعات.
دعم الاقتصاد الخليجي
وقال الخبير الاقتصادي جابر المنصوري إن الاستثمارات الخليجية الخارجية تمثل في الظروف الحالية “صمام أمان مالي” مهمًا، خصوصًا مع تعرض صادرات النفط والغاز لضغوط نتيجة اضطراب حركة الملاحة، موضحا أن تراكم الأصول الخارجية يمنح دول المنطقة قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات الطارئة.
وأضاف المنصوري في تصريح خاص لـ “القدس العربي” أن أهمية هذه الاستثمارات لا ترتبط فقط بإمكانية تسييل جزء من الأصول عند الضرورة، وإنما أيضا بالعوائد التي تحققها المحافظ الاستثمارية من توزيعات الأرباح والفوائد والعوائد التشغيلية، والتي يمكن أن توفر تدفقات بالعملات الأجنبية وتدعم المراكز المالية للدول الخليجية.
ويرى أن قوة المراكز المالية الخليجية تجعل المنطقة أكثر قدرة على مواجهة صدمة توقف أو تراجع الصادرات النفطية مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية الجارية، مشيرا إلى أن امتلاك أصول خارجية ضخمة يمنح الحكومات خيارات متعددة لتمويل احتياجاتها والحفاظ على الإنفاق والاستثمار.
ويؤكد المنصوري أن المرحلة الحالية قد تدفع الصناديق السيادية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وزيادة التركيز على الأصول التي توفر تدفقات نقدية مستقرة، إلى جانب القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، مشددًا على أن الثروة الخليجية لم تعد محصورة في النفط والغاز، وإنما تحولت إلى ثروة مالية واستثمارية عالمية.
تنويع مصادر الدخل
ومن جانبه حذر الخبير الاقتصادي سعيد الهاجري من التعامل مع الاستثمارات الخارجية باعتبارها بديلا كاملا للإيرادات النفطية، موضحا أن طبيعة التدفقات تختلف بين المصدرين، فالصادرات النفطية توفر إيرادات دورية، بينما ترتبط عوائد الاستثمارات بأداء الأسواق وتوزيعات الأرباح، في حين أن بيع الأصول للحصول على السيولة يظل قرارًا استثنائيًا يجب استخدامه بحذر.
ويقول الهاجري في تصريحات خاصة لـ ” القدس العربي” إن المحافظ الاستثمارية الضخمة تمنح دول الخليج مرونة مالية كبيرة لامتصاص جزء من تداعيات أي انخفاض مؤقت في الإيرادات النفطية، لكن استمرار الأزمة لفترة طويلة يستدعي تسريع خطط تنويع مصادر الدخل، بدل الاعتماد على تسييل الأصول الخارجية.
وأضاف أن التطورات الحالية تمنح دفعة جديدة لقطاعات الاقتصاد غير النفطي، خصوصًا الصناعة والسياحة والخدمات المالية والنقل واللوجستيات والتكنولوجيا، باعتبارها قطاعات قادرة على توليد إيرادات مستدامة وتعزيز تدفقات العملات الأجنبية.
وأكد الهاجري أن القوة الحقيقية للاقتصادات الخليجية تكمن في الجمع بين الثروة النفطية والثروة الاستثمارية والاقتصاد المتنوع، موضحا أن الأصول الخارجية توفر مظلة حماية خلال الأزمات، بينما يمثل الاقتصاد غير النفطي الركيزة الأساسية لاستدامة الإيرادات على المدى الطويل.
أصول واستثمارات عالمية
وتكشف الأزمة الحالية عن تحول مهم في طبيعة القوة المالية الخليجية، فالثروة التي تراكمت خلال عقود النفط لم تعد موجودة فقط في الاحتياطيات النقدية، وإنما تحولت إلى شبكة واسعة من الأصول والاستثمارات العالمية التي يمكن أن توفر عوائد وتدفقات مالية حتى في فترات تراجع الإيرادات النفطية.
كما أن امتلاك أصول خارجية ضخمة يمنح دول الخليج قدرة على الاقتراض بضمان بعض الأصول، وإدارة السيولة بكفاءة، والحفاظ على الإنفاق والاستثمارات المحلية، دون الاضطرار إلى اتخاذ قرارات سريعة ببيع أصول استراتيجية في ظروف سوقية غير مواتية.
لكن الخبراء يحذرون في الوقت نفسه من أن الاعتماد المفرط على تسييل الأصول قد يؤدي إلى استنزاف جزء من الثروة السيادية، خصوصًا إذا طال أمد الأزمة أو تزامن بيع الأصول مع انخفاضات حادة في الأسواق العالمية. ولذلك تبقى الإدارة المتوازنة للثروة السيادية والحفاظ على مستويات كافية من السيولة والاحتياطيات عنصرا أساسيا في مواجهة الصدمات.
وفي المحصلة، قد تدفع اضطرابات صادرات النفط دول الخليج إلى تسريع التحول من نموذج يعتمد بصورة كبيرة على تدفقات الطاقة إلى نموذج أكثر تنوعا يجمع بين الإيرادات النفطية وعوائد الاستثمارات الخارجية ونمو القطاعات غير النفطية.
وتؤكد التطورات أن الاستثمارات الخليجية الخارجية لم تعد مجرد وسيلة لتعظيم الثروة، وإنما أصبحت أداة استراتيجية لحماية الاستقرار المالي وتأمين السيولة في أوقات الأزمات، بما يمنح اقتصادات المنطقة مساحة أوسع لعبور مرحلة اضطراب أسواق الطاقة والحفاظ على قدرتها المالية إلى حين عودة حركة الصادرات إلى مستوياتها الطبيعية.