توثيق لسيرة مسرحي مغربي بقلم كاتبة جزائرية



عبد العزيز بنعبو

الرباط ـ «القدس العربي» :  في تدوينة تعود إلى سنة 2022، تساءلت صفحة على «فيسبوك» تدعى «وجدة مدينة الألفية»: «أما آن الوقت أن يكرم ويحتفى بالأستاذ محمد بنجدي؟» وقبل السؤال، سردت الصفحة بعض ملامح حضور هذا الفنان المغربي، وقالت إنه «أعطى الشيء الكثير لمدينة وجدة والمنطقة الشرقية»، من خلال المساهمة في تأليف وإخراج عدة مسرحيات باللغة الفرنسية، وإشرافه على تنظيم عدة مهرجانات دولية في السنوات الماضية، وأبرزت أنه «تحدى الإعاقة ونقش اسمه في الحقبة الذهبية للمسرح في مدينة وجدة».
حديث التكريم على الخشبة سبقه تكريم واحتفاء بهذا الفنان المغربي عبر الكلمة، فقبل تلك التدوينة بسنتين، وتحديدا في عام 2020، صدر عن «دار يوتوبيا للنشر والتوزيع»، وبدعم من وكالة تنمية جهة الشرق، كتاب «كان حليبا أسودَ» للكاتبة والصحافية الجزائرية أميرة لزيار، التي غاصت في تفاصيل السيرة الذاتية لمحمد بنجدي، ووثقت لمساره الإنساني والإبداعي، على اعتبار أنه أحد الوجوه البارزة في الحركة المسرحية في الجهة الشرقية، وابن مدينة جرادة، هذه الحاضرة المعروفة بالمناجم والتي تقع جنوب مدينة وجدة.
«كان حليبا أسودَ» جاء بنفس قريب من الرواية، وانكبت الكاتبة والإعلامية الجزائرية فيه على تفاصيل حياة الفنان المغربي الذي عاش حياته في تحدٍ دائم، خاصة أنه أصيب بإعاقة حركية جراء مرض عضلي حاد ألمّ به في صغره، ولم ينعم بالسير على رجليه سوى ثلاث سنوات. وتمكنت أميرة لزيار من أن تجعل من الكتاب شهادة أدبية وإنسانية عن تجربة استثنائية جمعت بين معاناة المرض وقوة الإرادة والإبداع المسرحي.
الكتاب الذي يوثّق حياة فنان مغربي بقلم جزائري، ليس الأول من نوعه، فهو حلقة من مؤلفات كتب فيها المغاربة والجزائريون عن بعضهم بعضا، فالمشهد الأدبي والفكري في المغرب والجزائر غني بنماذج متقاطعة، حيث كتب العديد من المثقفين والأدباء والإعلاميين في كلا البلدين عن قضايا شخصيات، أو كتبوا سيرا، أو أعدّوا دراسات نقدية ومداخلات عن تجارب إبداعية من البلد الجار، بحكم التداخل اللغوي والجغرافي والوجداني.
وفي كتابها اختصرت الكاتبة أميرة لزيار مسافة البحث عن بداية فكرة المؤلف، حيث سردت على ظهر الغلاف بعض التفاصيل، بداية بأول لقاء بالفنان الذي كان في مدينة وجدة سنة 2017، خلال تغطيتها لمهرجان «كوميدراما الدولي» بوصفها مراسلة ثقافية لصحيفة جزائرية، وعبّرت عن تأثرها بالروابط الإنسانية والثقافية العميقة التي تجمع بين الشعبين المغربي والجزائري في مدينة وجدة. وتقول الكاتبة إنها قررت تدوين سيرة بنجدي بعد استماعها لشذرات من حياته، واتفقا على استكمال التوثيق بعد ثلاث سنوات. لذلك استأنفت التواصل معه أثناء الإغلاق الشامل بسبب جائحة كورونا وهو مقيم لدى ابنه، ليروي لها تفاصيل مساره الحافل.
وبين الإهداء والمقدمة، وصولا إلى شهادات لأسماء ثقافية بارزة في حق محمد بنجدي، تضمّن الكتاب بين دفتيه فصولا اختارت أميرة لزيار عناوين مركزة لها، مثل: «إلى المدرسة»، «تعال نمثل»، «حمام الدار»، «رحلة اكتشاف»، «باريس… المدينة الملهمة»، «حجرة عثرة»، و»اكتشاف البلد الجار» وغيرها من أشرعة أبحرت بها الكاتبة في بحر الاحتفاء بالفنان المغربي من خلال سفينة كتابها.
الأكيد أن قراءة سيرة «كان حليبا أسود» ممتعة وشيقة أدبيا، لكنها متعبة عاطفيا ـ والتعب هنا بمعناه الدلالي الجميل وليس الإنهاك ـ لأن الكتاب يتقاطع فيه الجسد والإبداع، والمهمش والمحيط، والألم والجمال. فهو ليس مجرد تجميع لمحطات حياة، بل هو مكاشفة إنسانية وفنية تفكك تجربة استثنائية لصانع مسرح تحدى قسوة الجسد وجغرافيا الهامش.
منذ الغلاف يعلن الكتاب عن نفسه، ليس عبر اللوحة البورتريه الخاصة بالفنان بنجدي فقط، بل بالعنوان الصادم، إن صح التعبير، فلا يجتمع الحليب مع السواد مطلقا، لكنه كان دلالة على أن صاحب السيرة جمع في حياته بين الأضداد: «الحليب» ببياضه الناصع الذي يرمز إلى الطفولة ببراءتها وخطواتها الأولى وصفائها الإنساني، بينما يظلل «الأسود» ما تبقى من حياته عبر قسوة المرض (الإعاقة الحركية) ووجع العيش في الهامش. ويحضر الجسد في هذه السيرة ليس كمعطى مسلّم به، بل بوصفه تحديا مستمرا، لأن الفنان مسرحي يحتاج الحركة والصوت والأداء الجسدي كأدوات أساسية للتعبير، لكن بالنسبة لبنجدي، كان الجسد عائقا. من هنا يبدو أن الكاتبة تمكنت من تحويل الرؤية في كتابها إلى قوة العزيمة، وكيف أعاد بنجدي تعريف «الجسد المسرحي»، فلم يشكل الكرسي المتحرك عائقا، بل أعطاه متنفسا مختلفا.
القارئ العابر للكتاب يلاحظ بجلاء أن أميرة لزيار، أثناء كتابتها لسيرة محمد بنجدي، اعتمدت التوثيق الصحافي والبوح الوجداني، ولم تسقط في فخ الشفقة العاطفية بسبب إعاقة الفنان، بل كتبت من منطلق الكبرياء الفني الذي يستحقه المحتفى به. ومن ثم، يتجاوز كتاب «كان حليبا أسود» مجرد كونه سيرة ذاتية لفاعل مسرحي، بل يتحول إلى لحظة احتفاء بإرادة الحياة والفن والإبداع والبحث عن المعنى، من خلال توثيق يؤرخ لجزء من ذاكرة المسرح المغربي في الجهة الشرقية، والذي يذكرنا بأن المسرح ليس مجرد خشبة للأداء، بل هو الحياة والأفق والحلم أيضا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *