لجان تحقيق حكومية وغضب حقوقي 


دمشق – “القدس العربي”: شكلت صور انتشرت على صفحات فيسبوك في سوريا، لكل من الشابين محمد غميرة وعبد السلام عكو، صدمة للشارع السوري، حيث خرج الأول من مخفر مدينة الحفة في ريف اللاذقية بعد أيام على توقيفه، والثاني بعد عام من حبسه في السجن المركزي في حماة، وكلاهما بحالة صحية صعبة، بعد أن تعرضا للتعذيب.

وأخذت قضية الشاب غميرة اهتماماً وانتشاراً واسعَين، وتحدث ناشطون عن أنه نقل من مكان توقيفه في مدينة الحفة إلى العناية المشددة في مستشفى تشرين الجامعي، بعد تدهور حالته الصحية إثر تعرضه للضرب خلال احتجازه، وخصوصاً أنه يعاني من مرض الناعور في الدم.

ووسط مطالبات بفتح تحقيق رسمي، ومحاسبة المسؤولين وفصلهم من سلك وزارة الداخلية، أصدر قائد الأمن الداخلي في اللاذقية، العميد عبد العزيز هلال الأحمد، بياناً أكد فيه متابعة قضية غميرة وظروف توقيفه في قسم شرطة الحفة على خلفية ادعاء بارتكابه واقعة سرقة، وأعلن عن تشكيل لجنة مختصة لمتابعة القضية وفتح تحقيق للوقوف على كامل ملابساتها.

أخذت قضية الشاب غميرة اهتماماً وانتشاراً واسعَين، وتحدث ناشطون عن أنه نقل من مكان توقيفه في مدينة الحفة إلى العناية المشددة في مستشفى تشرين الجامعي

وحسب البيان الذي انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي، السبت، أكد الأحمد أن حقوق الموقوفين وسلامتهم وكرامتهم مسؤولية لا تهاون فيها، وأن نتائج التحقيق ستتابع وفق الأصول، وسيتخذ الإجراء القانوني المناسب بحق كل من يثبت ارتكابه أي مخالفة أو تجاوز.

والسبت، تفقد معاون قائد الأمن الداخلي للشؤون الشرطية برفقة رئيس فرع القضايا المسلكية ورئيس فرع الخدمات الطبية في اللاذقية، غميرة في المستشفى، للاطمئنان على حالته ومتابعة علاجه من مرض الناعور، وتكفلت الجهات المعنية بتأمين الأدوية النوعية الخاصة بحالته. وبحسب بيان رسمي، قام الوفد ذاته بزيارة عائلة غميرة، للتأكيد على متابعة القضية بشكل شامل، مع تواصل التحقيقات وفق مجراها القانوني للوقوف على جميع ملابساتها.

وقبل ذلك، أدى محافظ اللاذقية، أحمد مصطفى، صلاة الجمعة في مدينة الحفة، برفقة مدراء المناطق، وأعقبها لقاء مع عدد من الأهالي للاستماع إلى شكاواهم واحتياجاتهم، والوقوف على أبرز القضايا الخدمية التي تهم المنطقة وسكانها، بحسب الصفحة الرسمية لمحافظة اللاذقية على فيسبوك.

وقال المحامي فراس عابدين، عبر صفحته، إن المحافظة استمع من الأهالي مطولاً عن قصة غميرة وعن باقي احتياجات المدينة، ووعد بمحاسبة المتورطين بقضية غميرة، وأن تأخذ العدالة مجراها بعد اكتمال التحقيقات.

استياء النشطاء

وانتقد نشطاء حقوقيون حالات التعذيب المتكررة في مراكز التوقيف والاحتجاز وآليات التعاطي معها، وقال المدير التنفيذي والمؤسس للمركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله، إن تكرار إعلانات التحقيق لم يعد مقنعاً من دون نتائج ومحاسبة، معتبراً الإعلان مرات عن فتح تحقيقات بالتجاوزات “هي ضحك على الناس، حيث مرت سنة ونصف السنة، والداخلية تعلن عن تحقيقات بحالات قتل تحت التعذيب، من دون أن نشاهد إلى اليوم أحداً يحاكم”.

كما اعتبر المحامي والناشط الحقوق، ميشال شماس، أن التعذيب محظور، والاحتجاز خارج الأطر القانونية محظور، مؤكداً أن هناك قوانين وتعليمات تنظم عمل أجهزة الأمن والشرطة وتحدد صلاحياتها وواجباتها، والمشكلة ليست دائماً في غياب النصوص، وإنما في عدم الالتزام بها وعدم محاسبة من يخالفها.

ترسيخ ثقافة الشكوى

عضو نقابة المحامين المركزية سليمان القرفان شدد على رفض كل حالات التعذيب التي تشهدها بعض مراكز التوقيف، لكنه أوضح أن وزير الداخلية، أنس الخطاب، هو أكثر من يصر على الالتزام بهذا المنهج.

وفي تصريح خاص لـ”القدس العربي”، لخص القرفان الوضع في وزارة الداخلية، وقال إنه وخلال لقاء له مع ضباط من الأمن الجنائي بين هؤلاء أنهم كانوا يضطرون لاستخدام العنف في عمليات الاستجواب للحصول على المعلومات، لكنهم باتوا يلتزمون بتعاميم وزير الداخلية التي تقول إن من يمارس التعذيب وحتى إن كان بسيطاً، فذلك سيؤدي إلى تسريحه لأن التعذيب والضرب ممنوع تحت أي مسمى كان.

ونقل القرفان عن خطاب قوله لضباطه إن المحقق الناجح يستطيع أن يأخذ ما يريد من المتهمين دون اللجوء إلى الضرب، مشيراً إلى أن ما يحصل حتى اليوم ينم عن تصرفات فردية من عناصر جهلة ولا يمكن تعميمها، مشيراً إلى أنه وبحسب ما لمسه في مراكز الشرطة فإن العناصر بالمجمل في أجمل ما يكون، إن بخدمة المرضى أو عدم تعنيف كل الموقوفين.

وأوضح أن أغلب أقسام الشرطة أو المراكز الأمنية اعتمدت على عناصر سابقين ممن كانوا يخدمون في عهد النظام السابق، وانشقوا عنه، ولكن هؤلاء تربوا على ثقافة ممارسة العنف والإهانة والضرب، ومن غير الممكن استبدال هذه الثقافة بين ليلة وضحاها.

وقال إن الأمر يمتد من العنف إلى الرشاوى والفساد، والدولة تحارب مثل هذه التصرفات، وتم رفع الرواتب من نحو ما يعادل 20 دولاراً إلى نحو 450 دولاراً، لإيقافها، لكن من تربى على ثقافة الرشوة تشعر أنه غير قادر على الحياة من دونها، وخصوصاً في مراكز الشرطة.

وأكد أن محاربة مثل هذه الظواهر يتجسد في ترسيخ ثقافة الشكوى، ونطالب من المحامين أن ينسقوا مع النقابة في حال تعرضهم للابتزاز أو لتعطيل أعمالهم لإيصال الصوت عالياً، مشيراً إلى أن الأمر لا يتوقف عند هذه النقطة، وإنما يتم العمل للتشدد في القوانين الناظمة لعمل موظفي الخدمة العامة وخصوصاً ما يتعلق بقانون العقوبات السوري، ومن المؤكد أن قوانين جديدة تتعلق بالأمر ستصدر لاحقاً من مجلس الشعب.

أكد القرفان على أهمية ثقافة الشكوى، باعتبار أن وزير الداخلية متعاون

وأكد القرفان على أهمية ثقافة الشكوى، باعتبار أن وزير الداخلية متعاون، وبحسب معلوماته فإنه وبعد تقديم مواطن لشكوى ضد عنصر أمن قام بضربه بعد توقيفه في بلدة سعسع بريف مدينة دمشق الجنوبي، تم توقيف العنصر وكف يده، وحالياً هو من بات يترجى المواطن للتخلي عن شكواه ليعود إلى عمله.

وذكر القرفان أن رئيس أحد المخافر الهامة بدمشق قام باحتجاز مواطنتين لأربع وعشرين ساعة، لكن السيدتين رفعتا عليه دعوى حجز حرية، فتم توقيفه مدة 40 يوماً ثم تحول للقضاء العسكري وتم طرده من السلك.

وشدد على أن موضوع الضرب والتعذيب مرفوض جملة وتفصيلاً مهما كان الجرم، وقال: “نريد أن نتخلص من ثقافة العنف وإرهاب السجناء الموروثة من فروع الأجهزة الأمنية للنظام السابق، وترسيخ مفهوم العدالة والالتزام بالقانون وهو ما نعمل عليه ونستشعره من خلال تواصل نقابة المحامين مع وزارتي الداخلية والعدل”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *