الجزائر- “القدس العربي”: رفض القضاء الإسباني الإفراج المؤقت عن رجل الأعمال الجزائري أيوب عيسيو، وأبقى عليه رهن الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال النظر في طلب تسليمه إلى الجزائر، في تطور جديد يكشف تعقيدات ملف أحد أبرز رجال الأعمال الذين ارتبط اسمهم بمرحلة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
وقرر قاضي التحقيق بالمحكمة الوطنية الإسبانية، سانتياغو بيدراز، الإبقاء على عيسيو في مركز “بريانز 1” بالسجون الكتالونية، معتبرا أن هناك خطرا مرتفعا لإمكانية فراره قبل استكمال إجراءات دراسة ملف التسليم الذي تقدمت به السلطات الجزائرية، وفق ما نقلته صحيفة ذي أوبجكتيف.
وأكد محامي رجل الأعمال في إسبانيا، سيزار أغويري، أن هيئة الدفاع طعنت في القرار، واقترحت تقديم ضمانات مالية مقابل الإفراج عنه بصورة مشروطة.
وكان عيسيو قد أوقف يوم 25 يوليو الماضي فور وصوله إلى مطار برشلونة إل برات، بناء على مذكرة توقيف دولية صادرة عن السلطات الجزائرية. ومنذ ذلك الحين، انتقل الملف إلى المحكمة الوطنية في مدريد، باعتبارها الجهة المختصة بالنظر في طلبات التسليم المرتبطة بالقضايا الدولية.
وبحسب المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام إسبانية، فإن القضاء الإسباني أمامه مهلة قانونية لدراسة الوثائق التي أرسلتها السلطات الجزائرية والبت في مدى استيفاء طلب التسليم للشروط القانونية. وتشمل العملية أيضا دراسة دفوع هيئة الدفاع، قبل اتخاذ القرار بشأن قبول طلب الجزائر أو رفضه.
ويأتي توقيف عيسيو في سياق تعاون قضائي متزايد بين الجزائر وإسبانيا، خصوصا في ملفات استرجاع الأموال والممتلكات المرتبطة بقضايا الفساد. وكانت الجزائر قد استعادت خلال العام الماضي فندقا كان مملوكا لرجل الأعمال علي حداد في برشلونة، في خطوة عكست أهمية التعاون بين البلدين في تتبع الأصول الموجودة في الخارج.
كما اكتسب هذا التعاون أهمية إضافية في ظل التحسن الذي طرأ على العلاقات الجزائرية الإسبانية خلال الفترة الأخيرة، بعد مرحلة من التوتر السياسي والدبلوماسي.
وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قد زار الجزائر قبل أسابيع، فيما ركزت المباحثات الرسمية بين الجانبين، ضمن ملفات أخرى، على التعاون القضائي واسترجاع الأموال والأصول محل المتابعات القضائية.
غير أن قضية عيسيو تحمل بعدا آخر، إذ تنظر إليها هيئة دفاعه ومقربون منه من زاوية مختلفة، معتبرين أن طلب تسليمه يحمل أبعادا سياسية. ويستند هذا الطرح، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسبانية، إلى طبيعة نشاط عيسيو الإعلامي في السنوات الأخيرة ومواقفه المعارضة للسلطات الجزائرية، خصوصا من خلال منصات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي يديرها من الخارج.
وكان عيسيو، قبل مغادرته الجزائر، من الأسماء المعروفة في عالم الأعمال والإعلام. فقد بدأ نشاطه التجاري مطلع الألفية، قبل أن يوسع استثماراته تدريجيا لتشمل قطاعات متعددة، بينها العقار والاستيراد والفلاحة والصناعة وإنتاج الحليب ومواد البناء والحديد.
وفي سنة 2012، دخل مجال الإعلام من خلال تأسيس قناة “الجزائرية”، التي تحولت إلى أحد أبرز استثماراته في ذلك المجال. وأصبح اسم عيسيو مرتبطا، خلال سنوات قليلة، بمجموعة من الشركات والمشاريع في قطاعات مختلفة، في وقت كان فيه النشاط الاقتصادي في الجزائر يعتمد بشكل واسع على المشاريع والاستثمارات المرتبطة بالقطاعين العام والخاص.
وتناولت تحقيقات صحافية سابقة توسع شبكة أعماله والعلاقات التي نسجها داخل عدد من الإدارات والهيئات، كما امتدت استثماراته إلى الخارج. ومن بين الأصول التي ارتبطت باسمه فندق في باريس اقتناه سنة 2014 قبل أن يتم بيعه لاحقا، إلى جانب شركات وممتلكات في دول أخرى.
لكن مسار عيسيو تغير بشكل كبير بعد انطلاق الحراك الشعبي في فبراير 2019، حين فتحت السلطات القضائية الجزائرية سلسلة تحقيقات واسعة استهدفت عددا من رجال الأعمال الذين برزوا خلال السنوات الأخيرة من حكم بوتفليقة. وكان عيسيو من بين الأسماء التي شملتها هذه التحقيقات، لتتوسع المتابعات لاحقا إلى ممتلكاته وشركاته وتحويلاته المالية إلى الخارج.
ويستند طلب التسليم الذي تقدمت به الجزائر إلى ملف جنائي ثقيل ينظر فيه القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي أمحمد. ووفقا للمعطيات الواردة في الملف، يواجه عيسيو اتهامات تتعلق بمخالفات مالية وتجارية، من بينها خرق التشريع الخاص بحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج، والتحويل غير المشروع للعملة، وتبييض الأموال وإخفاء عائدات مرتبطة بالفساد.
كما تشمل المتابعات تهم النصب التجاري، وإصدار شيكات دون رصيد، ومخالفات مرتبطة بنشاط الترقية العقارية. وتحدثت التحقيقات أيضا عن تحويلات وأصول وشركات كانت محل تدقيق من طرف السلطات القضائية الجزائرية.
وبحسب المعطيات المنشورة حول الملف، قدرت قيمة الممتلكات التي شملتها التحقيقات بعشرات المليارات من الدينارات، وتشمل شركات وعقارات وأراضي صناعية وفلاحية ومشاريع سكنية ومصانع ومستودعات ومكاتب. كما تناولت التحقيقات قروضا مصرفية حصلت عليها شركات مرتبطة بنشاط عيسيو، في وقت باشرت فيه بعض المؤسسات المالية إجراءات لاسترجاع مستحقاتها. وشملت أيضا شكاوى تقدم بها مكتتبون في مشاريع سكنية.
وأصدرت العدالة الجزائرية، خلال السنوات الماضية، عدة أحكام غيابية بحق عيسيو في ملفات مختلفة، بالتزامن مع إصدار مذكرات توقيف دولية بهدف توقيفه وتسليمه إلى الجزائر. وكان آخر الأحكام البارزة صدور حكم في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2025 عن القطب المتخصص بمحكمة سيدي أمحمد، قضى بسجنه غيابيا لمدة 20 سنة، قبل أن تؤكد محكمة الجزائر الحكم في مارس 2026.
وترافق الحكم مع غرامات مالية ثقيلة وقرارات تقضي بمصادرة ممتلكاته وأصوله الموجودة في الجزائر، فضلا عن الإبقاء على مذكرات التوقيف الدولية الصادرة بحقه. كما طالت الأحكام عددا من أفراد محيطه العائلي والمهني، الذين صدرت بحق بعضهم أحكام بالحبس النافذ في القضايا نفسها أو قضايا مرتبطة بها.
وكان عيسيو يقيم قبل توقيفه في فرنسا، حيث تقدم بطلب للجوء لم يكن قد حسم بعد، قبل أن يسافر إلى برشلونة، حيث جرى توقيفه بموجب المذكرة الدولية الجزائرية. وسيكون القرار الإسباني المنتظر اختبارا جديدا لمسار التعاون القضائي بين الجزائر وإسبانيا، خصوصا في الملفات المتعلقة بتسليم المطلوبين وتتبع الأصول واسترجاع الأموال محل الأحكام القضائية.