كم من قصرة تكفي الصهاينة!


حين تدخل دولة الاحتلال الإسرائيلي في مواسم انتخابية، وعلى نحو خاصّ حين يبدو المشهد متشابك العناصر مختلط التكتلات خاضعاً لتجاذبات سياسية وعسكرية وأمنية داخلية وإقليمية ودولية معقدة؛ فإنّ السلوك الصهيوني يكتسب، في سياقات التصارع، صفات جنونية شتى، عنصرية عصابية تارة وإرهابية إجرامية تارة أخرى، سوريالية في كلّ حال.
المثال الأول من بنيامين نتنياهو، كبيرهم الذي ينوّع أفانين الخلط والاختلاط، سواء عن طريق التزام الصمت المطبق (كما يفعل حيال الضغوطات للتعليق، ولو ببنت شفة، على إرهاب المستوطنين في بلدة قصرة جنوب نابلس)؛ أو يذهب، حين ينطق، إلى أقصى العنصرية (كما في إطلاق صفة «الجمهورية الإسلامية» على بريطانيا). وبين هذه وتلك، يواصل في سراديب معتمة حياكة الدسائس/ الصفقات بين قيادات حزبه الليكود، والحلفاء في اليمين القومي والديني المتطرف، أو هذا وذاك من وزرائه الأقرب إلى بيادق تتقافز على صفيح الانتخابات المقبلة الساخن.
المثال الثاني من وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي لم يجد بيان دعاية انتخابية أفضل من إعلان العزم على تكليف الجيش بإعداد خطة تهدف إلى «نقل كل صلاحيات حفظ النظام»، المتصلة بالمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، إلى شرطة الاحتلال بدل الجيش. وهذه مبادرة لا ترمي الكرة في ملعب وزير الأمن القومي العنصري المتطرف إيتمار بن غفير فقط، بل تستكمل تشييع اتفاقيات أوسلو إلى سلال المهملات، وتتابع تدابير ضمّ الضفة الغربية إلى الكيان الصهيوني.
من جانبه، وفي مثال ثالث، لن يقبل بن غفير الهدية إلا مشروطة، إذا لم تكن مسمومة أصلاً، بموافقة رئيس أركان جيش الاحتلال، ورضوخ قائد المنطقة الوسطى تحديداً؛ على مناقلة للصلاحيات سوف تخالف النطاق العملياتي من جهة أولى، وقد تسفر سريعاً عن توريط أوسع للجيش في حال اتساع عنف المستوطنين، وتطوّره إلى اشتباكات إسرائيلية ـ إسرائيلية. هذا بافتراض أن بن غفير لا يملك، من جانبه، بيان دعاية انتخابية أبعد أثراً في نفوس أنصاره ومحازبيه من مجرد إشراف على صلاحيات شبه ملغومة.
المثال الرابع لا يبادر إليه سياسي إسرائيلي يخوض في مستنقعات الانتخابات العكرة، ولكنه ليس أقلّ صهيونية من نتنياهو وكاتس وبن غفير، ويحدث أنه يسعى إلى المزاودة عليهم بين حين وآخر: مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة لدى دولة الاحتلال، الذي تغنى ذات يوم بحلم «إسرائيل الكبرى» الممتدة من النيل إلى الفرات، والذي لا يذكر الضفة الغربية إلا تحت مسمى «يهودا والسامرة». اليوم، في التعليق على حصار قصرة، لا يتردد في استخدام نعوت مثل «إرهابيين إسرائيليين»، «أفعالهم جنائية»، وسلوكهم «بلطجة»؛ ليس لأنّ بعض الفلسطينيين المحاصَرين يحمل الجنسية الأمريكية، أو لأنّ بعض العائلات مسيحية وقد تثير احتجاج التيارات الإنجيلية من حول سيده دونالد ترامب، فحسب؛ بل لأنه، طائعاً متبرعاً، ينوب عن نتنياهو في امتصاص حرج البيت الأبيض حيال صمت نتنياهو المطبق.
وعلى سيرة الانتخابات الإسرائيلية، من حيث الجنون أسوة بالفنون، كانت ليا رابين، أرملة إسحق رابين القتيل برصاص متطرف إسرائيلي، قد اتخذت قرار مغادرة دولة الاحتلال، أو «هذا البلد المجنون» كما عبّرت؛ صبيحة تقدّم نتنياهو على شمعون بيريس في انتخابات 1996. ولم تكن مفارقة أن الروائي الإسرائيلي دافيد غروسمان، دون سواه، سارع إلى تخطئتها، فتساءل: «سوف تمكث ليا، وسنمكث جميعاً، إذْ ليس لنا من وطن آخر، ولأنّ إسرائيل بحاجة إلينا في هذا الزمن»؛ هو، ذاته، الذي أقرّ بأنّ هذه «الدولة» باتت «وحشية ضاجّة صاخبة، أكثر نزوعاً نحو التديّن والأصولية والطائفية والعنصرية».
فكم من قصرة، والحال هذه، تشبع غليل الصهاينة، قبيل الانتخابات أو في كلّ موسم توحش وهمجية وتعطش إلى الدماء؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *