مهرجان الحمامات الدولي في تونس في دورته الستين… ذاكرة تعيش على ضفاف المتوسط


تونس ـ «القدس العربي»:في الحمامات التونسية، لا ينفصل الفن عن المكان. فهذه المدينة الساحلية التي تستلقي على ضفاف المتوسط، وتفتح خليجها الأزرق أمام البحر، تستقبل صيفها كل عام بإيقاع خاص، سياح يتوافدون من مختلف أنحاء العالم، وشوارع تعج بالحركة، ونسائم بحرية تخفف حرارة ليالي الصيف، ورائحة الياسمين التي التصقت باسم المدينة حتى غدت واحدة من علاماتها المميزة.
وفي قلب هذا المشهد، يطل المركز الثقافي الدولي بالحمامات، ذلك الفضاء التاريخي الذي اختار له الفن موقعا بين البحر والسماء. ومن مدرجات مسرحه، حيث لا يفصل الجمهور عن شاطئ المتوسط سوى مسافة قصيرة، تمتد السهرات الصيفية في فضاء مفتوح على البحر، فيما تبدو نجوم السماء ليلا وكأنها جزء من المشهد. هناك، وفي هذا المسرح الذي أصبح أحد أبرز الفضاءات الثقافية في تونس، تتقاطع ذاكرة المكان مع ذاكرة الفن، ويكتسب كل عرض شيئا من خصوصية المدينة.
في هذه الأجواء الصيفية المنعشة، ووسط المنتجعات السياحية الممتدة على مرمى البصر تنعقد الدورة الستون لمهرجان الحمامات الدولي تحت شعار «ذاكرة تعيش»، من 11 تموز/يوليو إلى 13 آب/أغسطس 2026، ببرنامج يضم نحو 32 عرضا في الموسيقى والمسرح والرقص، بمشاركة فنانين من 12 دولة. ولا تكتفي الدورة باستعادة أسماء وتجارب رسخت حضورها في الذاكرة الفنية، بل تفتح أيضا المجال أمام تجارب جديدة، بما يجعل الشعار أقرب إلى تصور فني يقوم على الحوار بين الماضي والحاضر أكثر من كونه مجرد عنوان احتفالي.
من تونس ولبنان وفلسطين ومالي وتركيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وكوبا والولايات المتحدة وغيرها، تتعدد اللغات والتجارب والأساليب على ركح الحمامات. فيما يظل المكان نفسه نقطة التقاء بين جمهور تونسي وضيوف من بلدان مختلفة.

ذاكرة موسيقية تتجدد

كان حضور الفنان اللبناني مارسيل خليفة من أبرز المحطات التي جسدت شعار الدورة. فهذا الفنان صاحب المسيرة التي تمتد لأكثر من خمسة عقود، عاد إلى مدارج الحمامات أمام جمهور غصت به المدرجات، ليقدم عرضا لم يكن مجرد استعادة لأغان ارتبطت بمرحلة زمنية معينة، وإنما كان عرضه لقاء بين أجيال مختلفة.
بدأ العرض بـ«يا طير الحمام»، ثم توالت أعمال مثل «أحن إلى خبز أمي» و«ريتا» و«منتصب القامة أمشي» و«انتظرها»، قبل أن تختتم السهرة بـ«يا بحرية». وفي أكثر من محطة، تحول الجمهور إلى شريك في الأداء، وردد الأغاني التي أصبحت جزءا من الذاكرة الموسيقية العربية.
ولم يكن حضور الجيل الجديد غائبا عن السهرة. فقد شارك ساري خليفة، نجل الفنان، بالعزف على التشيللو في مقطوعة «صلاة»، كما شهد ختام الحفل مشاركة عازفين شبان تونسيين سبق أن استضافوا مارسيل خليفة في إقامة فنية ضمن مهرجان «نجع الفن» سنة 2025 بمدينة دوز الصحراوية بالجنوب التونسي. وتحول هذا اللقاء إلى صورة واضحة عن انتقال التجربة من جيل إلى آخر، وعن قدرة الموسيقى على تجديد نفسها من خلال الحوار بين الخبرة والشباب.
وفي الندوة الصحافية التي تلت العرض، قدم مارسيل خليفة تصورا للفن الملتزم يتجاوز الخطاب السياسي المباشر، مؤكدا أن الأغنية بالنسبة إليه تعبير عن الوجدان الداخلي. كما تحدث عن الخسارات التي عرفها الوسط الثقافي اللبناني برحيل أسماء مثل زياد الرحباني وأحمد قعبور، وتحدث أيضا بألم عن رحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش منذ سنوات، وعرج على المأساة التي يعيشها لبنان، لكنه ربط الفن في المقابل بالأمل والانتصار للحياة.
وكشف الفنان عن عمل جديد مستوحى من «الجدارية» لمحمود درويش، استغرق إنجازه أكثر من عامين، ويجمع بين الأوركسترا والكورال والمسرح والرقص التعبيري، مع استخدام صوت درويش بوصفه راويا وبمشاركة الفنان التونسي ظافر يوسف. ويعكس المشروع استمرار البحث عن أشكال جديدة لتحويل الذاكرة إلى إبداع مواكب للعصر.

التراث اللبناني
في مواجهة الزمن

حمل الفنان اللبناني ملحم زين يوم 6 آب/أغسطس إلى مسرح الحمامات جانبا آخر من الذاكرة الغنائية العربية. وبعد غياب عن تونس منذ مشاركته في مهرجان قرطاج سنة 2018، عاد الفنان اللبناني إلى تونس من بوابة الحمامات ليقدم برنامجا جمع بين أعماله الخاصة ومحطات من التراث اللبناني.
وتضمنت السهرة أغان على غرار «غيبي يا شمس غيبي» و«ردوا حبيبي» و«صفا قلبي» و«بدي حبك» و«كوكبي» و«حبيبي ما بعرف ليش». كما قدم أعمالا ارتبطت بذاكرة وديع الصافي وملحم بركات، وأغان فولكلورية لبنانية حضرت فيها الدبكة والموال والإيقاعات الشرقية.
وقد أعطى هذا المزج بين القديم والجديد للعرض بعدا يتجاوز استعادة الأغنية التراثية. فالتراث ظهر من خلال توزيع معاصر، بينما حافظ صوت ملحم زين على خصائص الأغنية اللبنانية، بما جعل السهرة مساحة للتفاعل بين الذاكرة الموسيقية والتجديد.
وخلال لقائه بالصحافيين، عبر زين عن رغبته في أداء أغنية تونسية، داعيا الفنان التونسي صابر الرباعي إلى اختيار عمل له باللهجة التونسية أو تلحين أغنية جديدة. كما تحدث عن خصوصية مسرح الحمامات، حيث يتيح تصميمه نصف الدائري وقرب الجمهور من الركح تواصلا مباشرا بين الفنان والحاضرين.

المسرح وتحولات المجتمع

وإذا كانت الموسيقى قد عادت إلى الذاكرة في بعض عروض الدورة، فإن المسرح اختار في أعمال أخرى قراءة الحاضر. فقد قدم المخرج نزار السعيدي في سهرة يوم 5 آب/أغسطس مسرحية «جاكرندا» عن نص ودراماتورجيا لعبد الحليم المسعودي.
وتجري أحداث المسرحية داخل مركز اتصالات، لكن المكان يتجاوز وظيفته ليصبح صورة مصغرة لمجتمع يعيش ضغوطا اجتماعية واقتصادية ونفسية. سبع شخصيات مختلفة تجد نفسها في فضاء واحد، وهي تحمل ماضيها وخيباتها وأحلامها المؤجلة، بينما يصعب عليها رسم صورة واضحة للمستقبل.
وتطرح المسرحية مسائل الهشاشة الاجتماعية، وضغط العمل، والبطالة المقنعة، والهجرة باعتبارها أفقا للخلاص، وتفاوت الفرص، فضلا عن العلاقات العاطفية التي تصطدم بالفوارق الاجتماعية والثقافية. كما يحضر العنف المادي والرمزي بوصفه جزءا من الحياة اليومية.
وتمنح السينوغرافيا لهذه الأسئلة بعدا بصريا، خصوصا من خلال علامة «Exit» التي تتغير بين الأحمر والأخضر. فالإشارة التي يفترض أن تقود إلى الخروج تتحول إلى رمز لاحتمال النجاة من دون ضمانها.
كما يحضر اسم «Tanit Call Center» بما يحمله من إحالة إلى تانيت، أحد أبرز الرموز المرتبطة بالحضارة القرطاجية، إلى جانب إشارات إلى المسرح العالمي والمخيال الشعبي التونسي. وهكذا يجمع العمل بين المرجعيات المحلية والعالمية في محاولة لقراءة واقع تونسي معاصر.

الموسيقى تعبر حاجز اللغة

واستقبل المهرجان يوم 7 آب/أغسطس الفرقة التركية Dedublüman في أول عرض لها بتونس وأفريقيا. وتأسست الفرقة في إسطنبول سنة 2010، وراكمت تجربة تقوم على مزج الروك البديل بالموسيقى التركية والشرقية، باستخدام العود والكمان والكلارينيت والقيثار والبيانو والإيقاعات.
وقدمت الفرقة أعمالا من بينها «Belki» و«Rüya Gibi» و«Depresyon» و«Firuze»، وتراوحت موسيقاها بين المقاطع الهادئة والمقاطع الأكثر إيقاعا. ورغم أن الأغاني قدمت باللغة التركية، فقد وجد الجمهور في الحمامات سبيلا إلى التفاعل معها من خلال الإيقاع والصوت والأداء.
وتؤكد هذه السهرة أن التبادل الثقافي لا يحتاج دائما إلى لغة مشتركة وإلى فهم اللغة التركية. وأن الموسيقى تستطيع أن تفتح مساحات للتواصل بين جمهور تونسي وتجربة فنية قادمة من تركيا.

المراهنة على التنوع

من خلال هذه النماذج وغيرها، تبدو الدورة الستون لمهرجان الحمامات الدولي قائمة على ثنائية الذاكرة والتجديد. فإلى جانب مارسيل خليفة وملحم زين، تضم البرمجة أسماء عربية ودولية من أجيال واتجاهات مختلفة، من يارا وياسمين حمدان ومارايزا وماريو بيوندي وساليف كايتا إلى نجاة عتابو وآدم وصوفية صادق، فضلا عن عروض المسرح والرقص والتجارب التونسية الجديدة. ويمنح هذا التنوع المهرجان قدرة على الجمع بين جمهور متعدد الأذواق والأعمار، كما يجعله فضاء للتفاعل بين الثقافة التونسية ومحيطها العربي والمتوسطي والدولي.
وفي مدينة اعتادت أن تستقبل زوارها بالبحر والياسمين، يجد مهرجان الحمامات في موقعه خصوصية يصعب فصلها عن تجربته الفنية. فالمسرح المفتوح على المتوسط، والليالي الصيفية، والنسيم البحري، وأضواء الركح، كلها عناصر تمنح العروض سياقا مختلفا، لكن القيمة الأساسية تظل في ما يقدمه الفن نفسه من أفكار وتجارب. وبين أغنية تعود من الذاكرة، ومسرحية تطرح أسئلة الحاضر، وفرقة أجنبية تكتشف جمهورها التونسي للمرة الأولى، تتحول الدورة الستون إلى مساحة يلتقي فيها الماضي بالمستقبل.
وبالتالي فإن شعار هذه الدورة «ذاكرة تعيش» لا يعني العودة إلى الوراء، وإنما يحيل على قدرة الفن على أن يحمل ما ترسخ في الوجدان إلى أجيال جديدة، وأن يعيد قراءة الذاكرة في ضوء أسئلة الحاضر. وعلى ركح الحمامات، موطن الياسمين، حيث يلتقي البحر المتوسطي بسمائه الحالمة المليئة بالنجوم وتحتضن المدينة صيفها السياحي الصاخب، تواصل الموسيقى والمسرح أداء دورهما في صناعة ذاكرة جديدة، ليلة بعد أخرى.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *