غياب رؤية استراتيجية شاملة لتطوير السينما المغربية



عبد العزيز بنعبو

الرباط ـ «القدس العربي» : بعد أن هدأت قليلا عاصفة الاحتجاجات على نتائج لجنة الدعم السينمائي، بدأت الرؤية تتضح، وأصبحت القراءات تميل إلى العمق، أكثر من كونها مجرد ردود فعل آنية، رغم أن جزءاً من المهنيين في قطاع الفن السابع ما زالوا يشعرون بأن الأمور ستظل على حالها من دون تغيير حقيقي ينصف المهمشين في أرض السينما المحلية. واللافت أن معظم القراءات التي أعقبت موجة الانتقادات الحادة تقاطعت مع مطالب فئة واسعة من المخرجين وكتاب السيناريو وغيرهم من الفاعلين في المجال، لكنها قاربت الموضوع من زاوية أكثر موضوعية، كما ورد على لسان الناقد السينمائي محمد شويكة، الذي اعتبر أن منظومة الدعم في المغرب راكمت تجربة مهمة كشفت، مع مرور الزمن، عن جوانب إيجابية وأخرى سلبية. كما أشار إلى أن الارتفاع المستمر في عدد المشاريع المقدمة في كل دورة، إلى جانب طبيعة تركيبة اللجان، جعلا تقييم التجربة برمتها مسألة معقدة.
ويرى الناقد، في حديثه لـ»القدس العربي»، أن اللجنة أضحت ذات تركيبة هجينة من الناحية المهنية، حيث لم يعد صوت التخصص الفني والأكاديمي والنقدي حاضرا بالقدر الكافي، الأمر الذي ينعكس على مصداقية النتائج وموضوعيتها ويجعلها غير مقنعة. لذلك، أكد أن إصلاح هذه المنظومة بات ضرورة ملحة، على أساس أن يكون الانتماء إلى اللجنة مرتبطا بعلاقة مهنية وثيقة بالسينما، وأن تتحمل اللجنة مسؤولية اختياراتها ضمن رؤية واضحة تخدم السينما المغربية.

وفي ما يتعلق بالانتقادات التي يوجهها عدد من المخرجين لقرارات الدعم، بدعوى أنها تكرس أسماء بعينها وتقصي مشاريع وتجارب أخرى، يرى شويكة أن الأمر يتجاوز مجرد اختلاف في التقديرات الفنية ليطرح الحاجة إلى مراجعة عميقة لمنظومة الدعم. وشدد على أن المال العام ينبغي أن يدبر وفق مبدأ الاستحقاق القائم على التخصص والإضافة وخدمة المجتمع. كما اعتبر أن السينما المدعومة أفرزت ظواهر باتت واضحة للعيان، من أبرزها محدودية تأثير عدد كبير من الأفلام التي لا تتجاوز دائرة المهرجانات، إضافة إلى النزاعات والكواليس التي أضعفت القيمة الفنية للسينما المغربية وحولتها، في بعض الحالات، إلى ما يشبه الريع. ويرى أن هذا الوضع أضرّ بروح الاجتهاد والتنافسية، ما يجعل الإصلاح الهيكلي والجذري ضرورة إذا كان الهدف هو بناء سينما قادرة على المنافسة دوليا والإسهام في الارتقاء بالذوق العام وتحقيق مردودية اقتصادية.
وعن الآليات التي ينبغي تغييرها حتى تستعيد لجنة الدعم ثقة المهنيين والرأي العام، أكد شويكة، أن مصداقية النتائج ترتبط أساسا بكفاءة الأعضاء ونزاهتهم ومهنيتهم. وفي رأيه، فإن الاستعانة بغير المتخصصين، مهما كانت مكانتهم في مجالات أخرى، لا يمكن أن تضمن تقييما سليما للمشاريع السينمائية، لأن لكل حقل معرفي وفني خصوصياته. ومن هذا المنطلق، دعا إلى اعتماد لجان أو هيئات للفرز والقراءة الأولية، وإلى توزيع المهام حسب التخصصات، من خلال الفصل بين لجان الوثائقي والروائي، والقراءة والمشاهدة. كما طالب، في حال الإبقاء على الصيغة الحالية، بإعادة النظر في أجندة الاشتغال وإبعاد الأشخاص المرتبطين بشكل مباشر بالإنتاج، أو بالمؤسسات ذات الصلة، تعزيزا لقيم الشفافية والموضوعية وتفاديا لتضارب المصالح.

وفي معرض حديثه عن الأزمة الحالية، أوضح شويكة، أن مراجعة نتائج دورة بعينها ليست بالأمر السهل، لأن القرارات تصدر عن مقاربة جماعية وليست عن خطأ فردي يمكن تداركه بسهولة. غير أنه اعتبر أن تكرار الأخطاء وتزايد الاحتجاجات وتجاهل الطعون يضع العملية برمّتها في دائرة الأزمة، وهو ما يفرض إعادة التفكير في فلسفة الدعم السينمائي من أساسها. وفي هذا السياق، انتقد غياب النقاد عن تركيبة اللجان في السنوات الأخيرة، رغم كونهم جزءا أساسيا من المنظومة السينمائية في التجارب الدولية الناجحة. كما لفت إلى غموض معايير التقييم، مشيرا إلى أن الرسائل التي يتوصل بها أصحاب المشاريع المرفوضة غالبا ما تكون نمطية وفضفاضة، الأمر الذي يضعف الثقة ويهز صورة المؤسسة. وبخصوص التحديات الكبرى التي تواجه السينما المغربية اليوم، عبّر شويكة عن اعتقاده بأن الإشكال لا يرتبط بالتمويل وحده، ولا بالجرأة الفنية أو النقد السينمائي فحسب، بل أساسا بغياب رؤية استراتيجية شاملة. فالسينما، في نظره، لا يمكن اختزالها في عملية الإنتاج مهما كانت أهميتها، بل ينبغي ربطها بالتربية والتكوين حتى تؤدي أدوارها الاجتماعية والثقافية على نحو أعمق.

وأشار الناقد إلى أن المغرب ينتج سنويا عددا مهما من الأفلام الروائية الطويلة، غير أن انتشارها يظل محدودا، زمانيا ومكانيا، ما يقلص من تأثيرها. ومن هنا دعا إلى توسيع دوائر التوزيع الثقافي خارج نطاق المهرجانات والتظاهرات السينمائية، باعتبار أن هذا النوع من التوزيع أكثر استدامة وقدرة على بناء علاقة حقيقية بين الفيلم والجمهور. وأكد أن الجرأة الفنية حاضرة في السينما المغربية، كما أن المواكبة النقدية الجادة موجودة رغم ضعف إمكاناتها، غير أن حل الإشكالات الكبرى يظل رهينا بوجود رؤية واضحة وعميقة وتشاركية. أما في ما يخص مكانة النقد السينمائي، فاعتبر شويكة أن النقد يظل آلية فكرية أساسية لا غنى عنها، وأن التربية على النقد تمثل مدخلا جوهريا لتطوير الممارسة الثقافية والفنية. لكنه سجل ملاحظة مهمة تتمثل في كون النقد السينمائي في المغرب ما زال يواجه نظرة متوجسة وأحيانا عدائية، إضافة إلى غيابه عن دوائر القرار السياسي والتنظيمي والإداري، رغم حضوره المركزي في تاريخ السينما وفي التجارب السينمائية الراسخة عالميا.

وأشار المتحدث إلى أن دينامية النقد في المغرب تتجلى في المجلات والدراسات والأبحاث، التي تنجز بدافع الشغف الفردي أكثر من كونها جزءا من سياسة مؤسسية متكاملة. كما أوضح أن النقد السينمائي المغربي اتجه في السنوات الأخيرة نحو البحث الأكاديمي أكثر من ارتباطه بالمواكبة الآنية للأفلام، بحكم انتماء أغلب المشتغلين به إلى مجالات التدريس والبحث والتكوين.
وفي ختام الحوار، توقف محمد شويكة عند مستقبل السينما المغربية، معتبرا أن التفاؤل الحقيقي لا ينفصل عن امتلاك الشجاعة اللازمة لتشخيص المشكلات ومعالجتها. فالتفاؤل، في نظره، ليس موقفا عاطفيا، بقدر ما هو رؤية عقلانية تقوم على الإيمان بإمكانية تحسين الواقع عبر النقد والتنظيم والعمل المشترك. لذلك، فإن مستقبل السينما المغربية يظل مرتبطا بقدرة مختلف الفاعلين على الانخراط في حوار تشاركي وبنّاء يفضي إلى بلورة سياسة ثقافية واضحة، قائمة على تكامل التخصصات وتضافر الجهود، بما يتيح للسينما المغربية تحقيق أفضل شروط التطور والإبداع على المستويين الثقافي والفني.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *