في الأيام الأخيرة، بدت صورة إيران على قدر أكبر من التماسك الداخلي، في حين بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تائها مبعثرا، وميالا إلى استعارة طرق التفاوض الإيرانية، وطلب تعويضات لأمريكا وغيرها، كما تطالب إيران بتعويضات عن دمار حروب أمريكا.
في إيران، بدت الصورة أفضل، وعاكسة لتماسك السلطة والتفافها حول القائد الأعلى المتواري مجتبى خامنئي، فقد ظهر مجتبى لأول مرة في شريط فيديو غير محدد الزمان ولا المكان، والرئيس الإيراني المنتخب مسعود بزشكيان الذي اشتكى قبلا من صعوبة اللقاء مع القائد الأعلى، عاد وأعلن أنه التقاه في اجتماع لأكثر من سبع ساعات، وقال بزشكيان وهو طبيب في الأصل، إن الحالة الصحية والبدنية للقائد مجتبى ممتازة.
وبالتواقت مع الاجتماع المطول، أصدر مجتبى حزمة قرارات رئيسية لإعادة تنظيم الوضع العسكري والسياسي، وتعيينات رسمية لكبار قادة الباسيج والحرس الثوري ورئاسة أركان القوات المسلحة، سبقها اختيار مندوب القائد الأعلى في مجلس الأمن القومي أمينا عاما، وهو الجنرال محسن رضائي، الذي قضى 16 عاما قائدا للحرس الثوري، ويعد مؤسسه الأكثر أهمية، وحل أخيرا محل سابقه محمد باقر ذو القدر، وبوزن سياسي وعسكري مختلف، وفي مكانة تقارب مكانة علي لاريجاني المغتال في الحرب. وكأن مجتبى أراد أن يقدم صورة جديدة لإدارته اللاحقة على إدارة والده الراحل علي خامنئي، وأن يؤكد اتصال الخبرة والتراكم، فقد كان الجنرال رضائي مقربا من خامنئي الأب كما لاريجاني، وموقع رضائي الجديد في قيادة مجلس الأمن القومي، يقدمه كعنصر مركزي وصانع قرار في ميادين الحرب والتفاوض مع الأمريكيين، وهو معدود في إيران كواحد من آباء التيار الثوري المتشدد، ورغم أن الرئيس الإيراني الإصلاحي بزشكيان يعد بروتوكوليا رئيسا لمجلس الأمن القومي، إلا أن الأمين العام المفوض من القائد الأعلى هو صاحب السلطة الحقيقية، والمجلس الأعلى للأمن القومي في الأصل، إطار أوجده خامنئي الأب، وجعله جامعا لكل السلطات والأجنحة العسكرية والسياسية والقضائية، وهو الحكومة الأعلى بالقياس إلى حكومة الرئيس الإيراني الأضعف وزنا في بنية النظام، الذي يعد المرشد أو القائد الأعلى ومندوبوه مركزه وعامود خيمته الرئيس.
اختار رؤساء أمريكيون سابقون، أن يتجنبوا ورطة حرب قد تطول مع إيران، وجازف ترامب وحده على وعد كاذب من بنيامين نتنياهو، أن ينتهي كل شيء إيراني في أيام
وفي الوقت الذي يتحدثون فيه عن مفاوضات إيرانية ـ أمريكية تجري من وراء ستار، وربما تظهر إلى العلن قريبا، مع دعوة الوسيط الباكستاني لوزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي لزيارة إسلام أباد، ومع حديث الوسيط القطري عن تقدم تحرزه مفاوضات إيران مع سلطنة عمان، التي تلعب هي الأخرى دور وساطة بين طهران وواشنطن، ولا تبدو المفاوضات ـ أو تبادل الرسائل ـ مؤدية بالضرورة إلى إحياء مذكرة التفاهم، التي خرج عنها ترامب قولا وعملا، وصار يتحدث فقط عن فتح مضيق هرمز باعتباره القضية الجوهرية، فيما تبدو طهران ـ كالعادة ـ أقل تعجلا، وتريد في ما يبدو، أن تبني مذكرة تفاهم كاملة حول قضية مضيق هرمز وحدها، والتهميش الفعلي لقضايا البرنامج النووي وغيره.
ومن يراقب التصريحات الإيرانية، من قبل عراقجي وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني، ومعهما لائحة شروط مجلس الأمن القومي لفتح مضيق هرمز، يرى أن إيران تريد التفرقة تدريجيا بين اتفاقها مع عمان حول إدارة المضيق، وفتح المضيق وإتاحة حرية الملاحة فيه، وتكاد تعيد نص بنود مذكرة التفاهم كشروط لازمة، وأهمها فك الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، ووقف العقوبات الأمريكية على تصدير البترول الإيراني ومشتقاته، وفك تجميد أرصدة إيران، وإلغاء كل العقوبات الأمريكية على إيران، ووقف التهديدات ـ حتى اللفظية ـ ضد إيران، ووقف الحروب الأمريكية الإسرائيلية على الجبهات كافة، ودفع تعويضات كاملة عن الدمار الذي تسبب به القصف الجوي الأمريكي، وفيما تبدو إدارة ترامب ظاهريا في موقف الرفض لكل هذه الشروط، فإنها تبدي استجابات ضمنية ذات مغزى، بينها رفع وزارة الخزانة الأمريكية أخيرا العقوبات على كيانات مرتبطة بالحرس الثوري.
وفي المقابل، لا يبدو ترامب مستقرا في ثرثراته التي لا تنتهي، فقد كف عن التهديد بضربة قاضية على إيران، لم يعد يملك أدواتها، ولا يستريح لها الجنرالات الكبار في الجيش الأمريكي، وعلى نحو ما عبر عنه دان كاين رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية في اجتماع مغلق مع ترامب ومعاونيه، نشرت الصحف الأمريكية الكبرى تسريبات عن وقائعه، قال فيها أكبر قائد عسكري أمريكي، أن 50 ألف غارة جوية على إيران لم تحقق المطلوب، وأن تكرارها لن يحقق نتائج أفضل، وأن مخزونات الصواريخ الهجومية والدفاعية الأمريكية تناقصت بشدة، ومعنى ما قاله كاين ظاهر، فلم تعد من جدوى للهجمات الجوية مهما زادت، ولم يعد من المجدي سوى حملة غزو بري، لا يملك ترامب أن يأخذ قرارها لفداحة تكاليفه البشرية، خصوصا قبل انتخابات التجديد النصفي.
ومقابل تخوف ترامب وتداعى ثقته في حملة قصف جوي جديدة كاسحة، لجأ إلى بعثرة كلمات متقاطعة، تدور حول تفضيله استمرار الضغط الأقصى والحصار البحري على إيران، والتعويل على تفاقم المشكلات الاقتصادية داخل إيران، وهي التي عاشت وصمدت وبنت قوتها، رغم ضغوط وعقوبات متصلة لنحو خمسة عقود مضت، وحين لا يجد ترامب أن هذه اللغة مجدية، ينتقل بخفة إلى لغة أهدأ، ويقول إن الهدوء هو المطلوب، وممارسة المفاوضات مع إيران على طريقة لعبة الشطرنج، ويبدو كأنه يستعير من إيران أدواتها ويقلدها بعد أن أعيته حيل مواجهتها بالسلاح والسياسة، وليس بوسع ترامب ـ في ما نظن ـ أن يصبر كما يصبر الإيرانيون، ولا أن يناور كما يناورون، وقبل عقد مذكرة التفاهم في 17 يونيو الماضي، قالت صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية الاقتصادية أن المفاوضين الإيرانيين تفوقوا على ترامب في فن عقد الصفقات، وهو ما تبين بوضوح بعد إعلان بنود المذكرة، التي بدت كسبا خالصا لإيران، واضطر ترامب لابتلاعها قبل إعلانه عدم الالتزام بها، ويخوض اليوم مفاوضات جديدة غير مباشرة مع الإيرانيين، تدور هذه المرة حول مضيق هرمز، وهو الذي كان مفتوحا بالكامل للملاحة الحرة قبل شن ترامب للحرب. وكلما وجد ترامب نفسه ضائعا في المتاهة، لجأ إلى الكذب الصريح، على طريقة زعمه مؤخرا، أن المضيق تحت سيطرة البحرية الأمريكية بالكامل، فإذا كان الأمر كذلك حقا، فلماذا يفاوض إيران ـ إذن ـ لتفتح المضيق، والدنيا كلها تعرف أن مضيق هرمز لا يزال تحت السيطرة الإيرانية، وأن طهران تعقد اتفاقا مع سلطنة عمان لتنظيم إدارة المضيق، وفتح مجرى ملاحي مشترك، تتحكم إيران بمداخله، وتترك المخارج إلى عمان، في ما لا تنوى إيران فك قبضتها على المضيق، وهي تدرك أنه ورقتها الاستراتيجية الأهم، خصوصا بعد إفشالها المتكرر للهجمات الأمريكية التي تحمّس لها ترامب، وأطلق عليها مرات صفة مشروع الحرية الغارق في المضيق.
وخلاصة المقارنة بين الوضعين الأمريكي والإيراني اليوم، أن القوة الإيرانية العسكرية والسياسية تبدو أكثر تماسكا وتشددا، وتزيد باطراد مدروس تكاليف الحرب على واشنطن، بينما تبدو إدارة ترامب مبعثرة الأوراق، لا تثق بجدوى ضربات جوية أكثر عنفا، تنهك الجيوش الأمريكية وتفرغ مخازن صواريخها، وبأكثر مما تؤثر في إيران التي تواصل ثباتها وصمودها المذهل، وتلتف رسميا حول القائد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، وتحظى بتأييد ودعم شعبي واسع من حول العلم الإيراني، فيما تبدو إدارة ترامب في وضع أكثر حرجا، ينخفض فيه الدعم الشعبي لإدارة حرب خاسرة، وتنزل شعبية ترامب إلى حدود متدنية، وتهدده زيادة معدل التضخم وزيادة أسعار الوقود، والاحتمالات القوية لخسارة الأغلبية المتاحة له في الكونغرس بمجلسيه، وهو ما قد يحوله إلى بطة عرجاء في عاميه المتبقيين على نهاية مدة رئاسته الأخيرة، ويكاد لا يجد مخرجا اليوم إلا إذا قرر الانسحاب من الحرب كلها، وهو اختيار لا يملكه بحكم طبيعته الشخصية النرجسية المتغطرسة، ثم إنه لا يتوقع وقتا مريحا أكثر، إذا قرر الخروج الآن من ورطته الإيرانية الكبرى.
وقد اختار رؤساء أمريكيون سابقون، أن يتجنبوا ورطة حرب قد تطول مع إيران، وجازف ترامب وحده على وعد كاذب من بنيامين نتنياهو، أن ينتهي كل شيء إيراني في أيام، وها هو ترامب يغرق في المستنقع الإيراني لنحو ستة شهور قابلة للتمديد، ولا يجد من فرصة نجاة، لا تغنى عنها ثرثراته المبعثرة.
كاتب مصري