الخرطوم – “القدس العربي”: صدّ الجيش السوداني، هجمات شنتها قوات “الدعم السريع” على مواقع جنوب ولاية شمال كردفان، حيث أجبرت الأخيرة على الانسحاب من منطقتي أم عردة وجبل الهشابة، بالتزامن مع معارك في مدينة قيسان في إقليم النيل الأزرق أسفرت عن مقتل أكثر من 20 مدنياً ونزوح نحو 2,500 شخص، إلى جانب نزوح مئات المدنيين في جنوب دارفور على خلفية نزاع قبلي.
وقالت مصادر عسكرية لـ”القدس العربي”: إن القوات المسلحة السودانية تصدت لهجمات الدعم في محاور جنوب وشمال غرب الأبيّض، وتمكنت من تثبيت مواقعها في المناطق التي شهدت مواجهات خلال الأيام الماضية، بينما تراجعت القوات المهاجمة من أم عردة وجبل الهشابة بعد اشتباكات استُخدمت فيها الأسلحة الثقيلة.
وتأتي المعارك بعد خسائر ميدانية تعرضت لها قوات “الدعم” في عدد من مناطق كردفان، حيث يحاول الجيش توسيع نطاق سيطرته حول الأبيّض وتأمين الطرق المؤدية إليها، في مقابل محاولات “الدعم” الضغط على المدينة وقطع خطوط إمدادها.
وكثّفت قوات “الدعم” مؤخراً هجماتها البرية والجوية بالطائرات المسيّرة، بالتزامن مع خسائر وتغيرات ميدانية على عدد من الجبهات.
وتعد الأبيّض مركزاً عسكرياً ولوجستياً رئيسياً في شمال كردفان، ويمنح موقعها أهمية في حركة القوات والإمدادات بين وسط السودان وغربه، كما تمثل المدينة نقطة تجمع للنازحين القادمين من مناطق القتال في كردفان.
وجددت قوات “الدعم” هجماتها على الأبيّض باستخدام الطائرات المسيّرة، وقال شهود إن عمليات القصف استهدفت مناطق مختلفة داخل المدينة.
وأفادت “مجموعة محامو الطوارئ” بأن إحدى الهجمات وقعت بالقرب من بنك المزارع، وأسفرت عن مقتل أحمد صالح، أحد العاملين في الجهاز القضائي، كما قُتلت امرأة وأصيب خمسة أشخاص بشظايا. وقالت المجموعة إن الهجمات أدت إلى إغلاق السوق الكبير ومبنى السلطة القضائية، وتعطيل حركة المدنيين والأنشطة التجارية، وسط حالة من الهلع داخل المدينة.
وأضافت أن إحدى الضربات أصابت منشأة مرتبطة بخدمات المياه، فيما أكدت الأمم المتحدة أن محطة لضخ المياه في الأبيّض تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة. ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه المدينة من نقص حاد في الخدمات، فيما يمثل تأمين مياه الشرب إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه السكان والنازحين.
وتتزامن الهجمات مع وصول موجات جديدة من النازحين إلى الأبيّض. وحسب الأمم المتحدة، نزحت نحو 15 ألف أسرة إلى المدينة خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، بعد تصاعد القتال في مناطق شمال كردفان. وتضغط هذه الأعداد على مراكز الإيواء والخدمات الصحية والمياه والغذاء داخل المدينة.
وتؤكد مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، اتساع نطاق النزوح من كردفان. فقد سجلت المنظمة نزوح نحو 219,319 شخصاً من إقليم كردفان بين 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 و23 يونيو/ حزيران 2026، وتوزع النازحون على 1,012 موقعاً في 89 محلية و14 ولاية سودانية. وسجلت شمال كردفان وحدها 33,465 نازحاً من بين هذه الحالات.
وتحاول القوات المسلحة استثمار التقدم الذي حققته في عدد من مناطق كردفان لتأمين محيط الأبيّض ومنع “الدعم” من إعادة تنظيم صفوفه في المناطق الجنوبية والغربية. وفي المقابل، تستخدم قوات “الدعم” الطائرات المسيّرة لضرب مواقع داخل المدن التي يسيطر عليها الجيش، في محاولة لتعويض صعوبة تحقيق تقدم برّي مباشر في بعض المحاور.
وفي النيل الأزرق، أعلنت قوات “الدعم”، سيطرتها على مدينة قيسان، بينما لم يعلن الجيش تأكيداً مماثلاً بشأن سقوط المدينة.
وتقع قيسان في جنوب شرقي السودان، ضمن ولاية النيل الأزرق، بالقرب من الحدود مع إثيوبيا، ويمنحها موقعها أهمية عسكرية ولوجستية في الصراع الدائر في المنطقة.
وترتبط أهمية المدينة بموقعها الحدودي وقربها من مناطق ريفية وزراعية واسعة، كما أن موقعها في الجزء الجنوبي الشرقي من الولاية يجعلها نقطة مؤثرة في حركة القوات والإمدادات باتجاه الحدود الإثيوبية والمناطق المحيطة بها.
وأعلنت الأمم المتحدة مقتل أكثر من 20 مدنياً في الاشتباكات التي شهدتها قيسان، فيما أدت أعمال العنف إلى نزوح نحو 2,500 شخص من المدينة ومحيطها، وفق تحديثات منظمة الهجرة الدولية. وتشير بيانات المنظمة إلى أن النيل الأزرق شهد موجات نزوح متصاعدة خلال الأشهر السابقة؛ إذ قدّرت المنظمة عدد الأشخاص الذين نزحوا من مناطق الولاية بين 11 يناير/ كانون الثاني و21 مايو/ أيار 2026 بنحو 59,742 شخصاً، أي 11,956 أسرة.
ويمثل تفاقم القتال في النيل الأزرق تطوراً إضافياً في خريطة الحرب، التي تتركز حالياً في ثلاثة أحزمة رئيسية تشمل كردفان ودارفور والنيل الأزرق. وكانت منظمة الهجرة الدولية قد سجّلت في أبريل/ نيسان نزوح نحو 350 ألف شخص داخل السودان خلال الأشهر الستة السابقة، مدفوعاً بصورة رئيسية بتدهور الأمن في الفاشر وشمال دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
وفي السياق، أعلن حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي استمرار العمليات العسكرية في المحور الغربي ومحور كردفان، وقال إن القوات المتحالفة مع الجيش لن تتوقف قبل الوصول إلى مدينة أم دافوق، مؤكداً مواصلة القتال حتى تحقيق أهدافه.
وقال: “من يظن أننا سنتوقف قبل بلوغ مدينة أم دافوق، فهو واهم وحالم”، مشيراً إلى ما وصفه بـ”التضحية والثبات والإقدام” للقوات الموجودة في محوري كردفان والغرب.
وتُعد أم دافوق، الواقعة في جنوب دارفور على الحدود مع جمهورية أفريقيا الوسطى، إحدى المناطق ذات الأهمية بالنسبة لحركة القوات والإمدادات عبر الحدود.
وفي جنوب دارفور أيضاً، أدت اشتباكات قبلية بين الهبانية والرزيقات إلى نزوح نحو 150 شخصاً من قرية الدبيب إلى محلية برام، بحسب منظمة الهجرة الدولية.
وتأتي هذه المواجهات في وقت تواجه فيه الولاية أزمة نزوح واسعة ونقصاً في الخدمات، ما يضيف حركة نزوح جديدة إلى تلك الناجمة عن العمليات العسكرية.
وتضغط هذه التطورات على الاستجابة الإنسانية التي تعاني من نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة في السودان.
ودعا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” أطراف الحرب إلى حماية المدنيين والمنشآت الخدمية والبنية التحتية المدنية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وتبلغ قيمة خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 نحو 2.9 مليار دولار، تستهدف أكثر من 20 مليون شخص، لكن التمويل ظل دون ثلث الاحتياجات حتى يوليو/ تموز؛ إذ أعلنت الأمم المتحدة في 9 يوليو/ تموز أن الخطة تلقت 930 مليون دولار فقط.