انشغال بصدور أحكام بالسجن ضد نشطاء في حركة «إيرا» الحقوقية المتشددة وبقرارات إخلاء سبيل مُبلّغين عن الرق



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: لم تُغلق الأحكام التي أصدرتها المحكمة الجنائية بولاية نواكشوط الشمالية ملف القضية التي بدأت ببلاغ عن شبهة استرقاق، بل نقلته من قاعة المحكمة إلى قلب الجدل الحقوقي والسياسي في موريتانيا، وأعادت إلى الواجهة مواجهة قديمة ومتجددة بين القضاء وحركة «إيرا»، التي تضع مكافحة الرق ومخلفاته في صدارة خطابها، بينما يتهمها خصومها بتبني خطاب متشدد يهدد التماسك الاجتماعي ويؤجج الاستقطاب بين مكونات المجتمع.
سجن وإخلاء سبيل
وأصدرت المحكمة حكمها رقم 56/2026 في الملف رقم 138/2026 ش، بحق سبعة متهمين، بينهم عدد من مسؤولي ونشطاء مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية «إيرا».
وقضت المحكمة بالسجن النافذ أربع سنوات بحق أربعة من المتهمين، من بينهم مسؤولون في المنظمة، على خلفية تهم تتعلق بالمساس المتعمد بالحياة الشخصية بواسطة النشر والتسجيل دون علم الأشخاص المعنيين، والافتراء والمشاركة فيه، مستندة في أحكامها إلى المادة 24 من قانون الجريمة السيبرانية والمادة 348 من القانون الجنائي.
كما حكمت على ثلاثة متهمين آخرين بالسجن سنة وخمسة أشهر، منها مدة نافذة، فيما برأت جميع المتهمين من بقية التهم الموجهة إليهم، ورفضت باقي الدفوع والطلبات، وألزمتهم بالرسوم والمصاريف القضائية.
وأخلت المحكمة سبيل عدد من المتهمين في الملف، الذي تعود بدايته إلى شباط/فبراير الماضي، عندما أبلغت المنظمة الحقوقية عن حالة اشتبهت في كونها قضية استرقاق، قبل أن تتطور القضية إلى تحقيقات ومتابعات قضائية طالت المبلغين والمؤازرين.
وتزامنت جلسة النطق بالأحكام مع تجمع عدد من نشطاء «إيرا» وأقارب الموقوفين أمام المحكمة، في مؤشر على أن الملف تجاوز منذ بدايته طابعه الجنائي ليكتسب أبعادا حقوقية وسياسية شديدة الحساسية.
من بلاغ عن الرق إلى قضية «افتراء»
تكمن حساسية القضية في المفارقة التي يركز عليها منتقدو الحكم: الملف بدأ ببلاغ عن شبهة استرقاق، وهي جريمة يجرمها القانون الموريتاني وتمنح التشريعات المتعلقة بها للمنظمات الحقوقية أدوارا في الإبلاغ والمؤازرة، لكنه انتهى بإدانة بعض المشاركين في البلاغ والمؤازرة بتهم من بينها الافتراء والمساس بالحياة الشخصية.
ومن هنا يطرح معارضو الحكم سؤالا قانونيا يتجاوز مصير الأشخاص المدانين: أين تنتهي الحماية القانونية للمبلغ عن شبهة استرقاق، وأين تبدأ مسؤوليته الجنائية إذا لم تثبت الوقائع التي أبلغ عنها أو إذا تجاوزت طريقة توثيق القضية الحدود التي يحميها القانون؟
المدون المعارض اعل الشيخ صابر، انتقد الأحكام متسائلا عن الأساس الذي يبرر، في رأيه، إنزال العقوبة الأشد بأعضاء منظمة حقوقية منحها المشرع حق التبليغ عن جرائم الاستعباد ومؤازرة ضحاياها.
ويرى صابر أن مجرد عدم ثبوت الوقائع المبلغ عنها لا يكفي وحده لقيام جريمة الافتراء، ما لم يثبت القصد الجنائي، محذرا من أن يؤدي التوسع في تجريم المبلغين إلى تحويل الحق في التبليغ إلى مصدر للخوف وإفراغه من مضمونه.
لكن منطوق الحكم يقدم زاوية أخرى للقضية؛ فالإدانات، بحسب ما أعلن، لم تُبنَ على مجرد الإبلاغ عن شبهة استرقاق، وإنما شملت أفعالا اعتبرتها المحكمة مساسا متعمدا بالحياة الشخصية عن طريق التسجيل والنشر دون علم الأشخاص المعنيين، إضافة إلى الافتراء والمشاركة فيه؛ وهو ما يجعل جوهر الخلاف القانوني مرشحا للانتقال إلى مراحل التقاضي اللاحقة.
النائب يحيى اللود: الحكم رسالة سلبية
سياسيا، أثارت الأحكام ردود فعل منددة، من بينها موقف النائب المعارض يحيى اللود، الذي وصف الحكم بالسجن أربع سنوات بحق مبلغين ومؤازرين في قضية استرقاق بأنه «قاس»، معتبرا أنه يبعث برسالة سلبية في وقت تعلق فيه أطراف سياسية آمالا على التهدئة والحوار.
وربط النائب القضية بملفات سياسية وحقوقية أخرى، منتقدا ما يعتبره تشددا تجاه الحقوقيين والنواب والمدونين، مقابل تساهل مع متهمين في ملفات تتعلق بالمال العام.
ويكشف هذا الموقف أن القضية مرشحة لأن تدخل بدورها في السجال الأوسع حول المناخ السياسي وملف الحريات، خصوصا مع استمرار التحضير للحوار السياسي وما يرافقه من مطالب معارضة بتهيئة المناخ وإجراءات لبناء الثقة.
«إيرا» والقضاء.. مواجهة تتجاوز المحاكم
والواقع أن الأحكام الجديدة ليست سوى فصل آخر من علاقة مضطربة منذ سنوات بين القضاء الموريتاني وحركة «إيرا»، التي تحولت من منظمة مناهضة للرق إلى واحدة من أبرز الحركات الحقوقية والسياسية إثارة للجدل في البلاد.
فالحركة تقدم نفسها باعتبارها صوتا لمناهضة الاسترقاق والدفاع عن «الحراطين»، وهم شريحة اجتماعية موريتانية ينحدر بعض أسلافها من ضحايا الرق التاريخي، وتطالب بمعالجة ما تعتبره استمرار آثار العبودية في توزيع الثروة والسلطة والفرص.
لكن خصوم «إيرا» يتهمونها في المقابل بتجاوز النضال الحقوقي إلى خطاب هوياتي صدامي، وباستخدام قاموس شديد القسوة تجاه عرب موريتانيا، المعروفين محلياً بـمسمى «البيظان»، وتصوير العلاقة التاريخية والاجتماعية بين البيظان والحراطين باعتبارها، في جوهرها، علاقة مُسترِق ومُسترَق.
وتصل انتقادات بعض خصوم الحركة إلى اتهامها بمحاولة بناء هوية سياسية منفصلة للحراطين وإخراجهم من محيطهم العربي والثقافي والاجتماعي، بما قد يؤدي، حسب أصحاب هذا الرأي، إلى تعميق الانقسام داخل المجتمع.
في المقابل، ترى «إيرا» وأنصارها أن مثل هذه الاتهامات تستخدم لنزع الشرعية عن نضالها ضد الرق ومخلفاته، وأن حدة خطابها انعكاس لاستمرار اختلالات اجتماعية واقتصادية لم تُعالج بصورة كافية.
من إحراق الكتب إلى الصدام السياسي
ولم يبدأ الجدل حول أساليب الحركة اليوم؛ فقد شكل إقدام نشطاء مرتبطين بـ»إيرا» يتقدمهم زعيمها بيرام الداه اعبيد قبل سنوات على إحراق كتب فقهية مالكية احتجاجا على ما اعتبروه نصوصا فقهية تاريخية شرعنت الاسترقاق، نقطة تحول كبيرة في صورتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام.
وأدخلت تلك الواقعة الحركة في صدام ليس فقط مع السلطة، وإنما كذلك مع مؤسسات دينية وعلماء وشرائح اجتماعية رأت في إحراق الكتب تجاوزا للحدود التي ينبغي أن يلتزم بها العمل الحقوقي.
ومنذ ذلك الحين، ظل خطاب الحركة تجاه بعض العلماء والموروث الفقهي، وطريقة تناولها للعلاقة بين الحراطين والبيظان، موضع خلاف حاد: أنصارها يرونه تفكيكا جريئا للبنى التاريخية التي كرست التمييز، فيما يراه خصومها خطابا راديكاليا قد يحول قضية حقوقية مشروعة إلى مواجهة عرقية واجتماعية.
ولهذا يذهب بعض منتقدي «إيرا» إلى التحذير من أن تحويل التفاوتات التاريخية والاجتماعية إلى مواجهة هوياتية مفتوحة قد يحمل مخاطر على الوحدة الوطنية. غير أن تشبيه هذه المخاطر مباشرة بتجارب نزاع أهلي، مثل دارفور، يبقى سيناريو تحذيريا يطرحه خصوم الحركة وليس حقيقة قائمة أو نتيجة حتمية لمسارها.، كما يدعي مناصروها.
قضية أعمق من أحكام بالسجن
والحاصل أن الأحكام التي صدرت أمس تعيد موريتانيا، في الواقع، إلى ثلاثة أسئلة متداخلة: كيف تحمي الدولة حق المنظمات والمواطنين في الإبلاغ عن شبهات الاسترقاق دون أن يتحول ذلك إلى انتهاك لحقوق الآخرين؟ وكيف تواجه البلاد آثار الرق التاريخية من دون تحويلها إلى وقود للاستقطاب الهوياتي؟ وأين ترسم الحدود بين خطاب حقوقي حاد يحميه حق التعبير وخطاب يمكن أن يهدد السلم الاجتماعي؟
ولذلك، لن يكون الاستئناف المحتمل مجرد معركة قانونية حول مدد السجن، بل اختبارا للتوازن بين مكافحة الاسترقاق وحماية المبلغين من جهة، وحماية الحياة الخاصة وسمعة الأشخاص وضمان قرينة البراءة من جهة أخرى.
وفي المحصلة، خرج بعض المتهمين من السجن، وبقي آخرون خلف القضبان، لكن القضية الأكبر لم تغادر مكانها: ملف الرق ومخلفاته لا يزال واحدا من أكثر ملفات موريتانيا حساسية في موريتانيا، فيما تستمر المواجهة بين «إيرا» والسلطة وبين الحركة وخصومها حول الطريقة التي ينبغي أن يُفتح بها هذا الجرح التاريخي: بمنطق الحقوق والقانون والمصالحة الاجتماعية، أم بمنطق الاستقطاب والهويات المتقابلة؟
وتظل الإجابة عن هذا السؤال، أكثر من الأحكام نفسها، هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه القضية ستبقى مجرد ملف أمام درجات التقاضي، أم تتحول إلى محطة جديدة في الصراع حول الهوية والعدالة الاجتماعية ومستقبل التعايش في موريتانيا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *