بمساعدة ترامب.. هكذا فتح نتنياهو أحضان الشرق الأوسط للتسلح النووي


لم يشهد العصر النووي، الذي بدأ بكارثة هيروشيما وناغازاكي اللتين يتم إحياء الذكرى الـ 81 لإلقاء القنابل الذرية عليهما، انتشاراً واسعاً للسلاح النووي حتى الآن، وذلك بفضل الحرب الباردة، التي منعت خلالها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الحلفاء من امتلاك سلاح نووي. ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى المظلة النووية التي وفرتها، مع ذلك أدت إعادة ترسيخ الجغرافيا السياسية متعددة الأقطاب في العقد الماضي إلى تراجع مصداقية واشنطن ونفوذ موسكو العالمي. ومع وجود ترامب في البيت الأبيض لم تعد حتى المظلات التقليدية آمنة – ناهيك عن المظلات النووية – كما تشهد على ذلك دول أوروبا.

إضافة إلى ذلك، فقدت القوى النووية الكبرى الحق في الدعوة إلى نزع السلاح النووي نظراً لتحديث مستمر لترساناتها النووية. ويرفض ترامب تمديد معاهدة سالت مع روسيا، وهي آخر ما تبقى من جهود الحد من التسلح بين هاتين القوتين اللتين تمتلكان معظم الرؤوس الحربية النووية في العالم. كما أعطى أولوية استراتيجية كبيرة جداً لمشروع بمليارات الدولارات لتحديث القدرة النووية للولايات المتحدة.

وتقوم الصين أيضاً بتوسيع ترسانتها النووية بوتيرة متسارعة، التي تقدر حالياً بحوالي 620 رأساً حربياً مع توقعات بوصولها إلى ألف رأس حربي في العام 2030، وهي أسرع قفزة في تاريخ تخزين الرؤوس الحربية في أي دولة. ويعتبر جنوب آسيا وشرق آسيا أمثلة على ساحات فقدت فيها القوة العظمى السيطرة على انتشار السلاح النووي. فالهند وباكستان قوتان نوويتان منذ زمن بعيد. ولم تتوصل الصين وروسيا إلى اتفاق حول البرنامج النووي لكوريا الشمالية إلا مؤخراً. وفي تشرين الثاني الماضي، سمحت الولايات المتحدة لكوريا الجنوبية بتخصيب اليورانيوم بمستوى 20 في المئة.

تزامن التحول الحاد لليابان نحو التسلح مع كسر المحظور هناك بشأن النقاش المفتوح حول الخيار النووي. يشهد التاريخ انقلاباً، هذه المرة لصالح “الجانب الصحيح” في ميزان القوة: عملية مشابهة من الابتعاد عن السياسة السلمية، وصولاً إلى النقاش المفتوح حول الخيار النووي، تجري أيضاً في ألمانيا.

حرب إيران في هذه السنة – التي ستسجل في التاريخ كأكبر هزيمة استراتيجية صارخة لقوتين عسكريتين، الولايات المتحدة وإسرائيل، أمامعدو أقل قوة – وسعت خطر الانتشار النووي إلى الشرق الأوسط. أمريكا التي تشعر بالإهانة والإذلال والتي أصبحت هزيمتها الآن أشد وطأة وأوسع نطاقاً من تلك التي منيت بها في فيتنام، ستتجنب من الآن فصاعداً أي محاولة لفرض إرادتها بالقوة. واليوم تقف عاجزة أمام إيران، وهي ترسخ سابقة عالمية بالسيطرة الأحادية على ممر مائي دولي، مضيق هرمز، الذي ستتحكم من خلاله من الآن فصاعداً بأمن التجارة العالمية وأسواق رؤوس المال التي تعتمد على تقلباتها. ولا يقل أهمية بالنسبة لنا أنها تنوي استخدامه كغطاء لطموحاتها النووية، التي تفقد بالتدريج آخر ما تبقى من غموضها التقليدي.

يعود هذا الاتفاق بدرجة كبيرة إلى اغتيال إسرائيل المتسرع للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وقد أدى ذلك إلى تحول جذري في بنية السلطة في إيران، حيث استبدل حكم آيات الله، الذي تميز دائماً بالحذر والخوف من تصادم مفتوح مع إسرائيل والولايات المتحدة، بجيل أصغر وأكثر انتقاماً من قادة الحرس الثوري. وكان خامنئي الذي أصدر فتوى في وقت مبكر في العام 2003 تحظر تطوير السلاح النووي. فيما كان يصفه سابقا بـ “المرونة البطولية”، قد وافق على توقيع اتفاق نووي مع إدارة أوباما في 2015، الذي حد من مستوى تخصيب اليورانيوم في إيران. وحتى عندما انسحب ترامب من الاتفاق في 2018 بناء على نصيحة نتنياهو، ظل خامنئي متمسكاً بـ “الصبر الاستراتيجي”، الذي كان يعني في المجال النووي زيادة تخصيب اليورانيوم دون تجاوز عتبة امتلاك سلاح نووي عسكري.

رسمياً، بقيت العقيدة النووية في إيران دون تغيير، لكن ازدادت الضغوط لتغييرها في بداية ربيع 2024 عند تعيين الحكام الجدد. في مواجهة الخطر الملموس الذي يتمثل بانتصار إسرائيل، الذي كان سيؤدي إلى تعزيز التحالف بين إسرائيل وأعداء إيران العرب، وإلى انهيار الحاجز الذي وفره حزام النار الذي يتمثل بوكلاء إيران، دعا أحمد حق طالب، رئيس المنشآت النووية في الحرس الثوري، بإنهاء “استراتيجية ضبط النفس النووية”.

كان لشعور إيران بالانتصار في الحملة الحالية أثر مشابه. ففي آذار 2026، دعت وكالة “تسنيم” التابعة للحرس الثوري، إيران إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار السلاح النووي، وصرح المحلل المحافظ ناصر الترابي في التلفزيون الرسمي: “بعد هذه الحرب سيتم الاعتراف بإيران كقوة عالمية.. علينا اتخاذ خطوات لإنتاج أو امتلاك السلاح النووي”.

يكفي ما يُقال إن إيران تمتلكه تحت الأرض من 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، لإنتاج عدة قنابل. إذا تراجع مجتبى، نجل علي خامنئي، والمرشد الأعلى الجديد لإيران، عن فتوى والده. عندها، قد تصبح الطريق إلى امتلاك قنبلة نووية شبه فوري. إن إنتاج قنبلة متطورة يمكن حملها على صاروخ مسألة معقدة تستغرق وقتاً لتطويرها، لكن جهازاًنووياً بدائياً، مصمماً لإظهار القدرة النووية وتوفير قدر من الردع، بات أمراًيمكن لإيران إنتاجه في فترة قصيرة، على فرض امتلاكها ليس فقط المواد المطلوبة، بل أيضاً أجهزة الطرد المركزي لتخصيبها بسرعة إلى مستوى التخصيب المطلوب لإنتاج السلاح النووي.

لن يتمكن ترامب ونتنياهو – مهندسا الحرب التي أقنعت إيران بأنها بحاجة شديدة إلى اكتساب الحصانة من الهجمات التقليدية التي يوفرها السلاح النووي (تجربة كوريا الشمالية خير دليل على ذلك) – من التهرب من المسؤولية عن قنبلة إيرانية عندما يحين وقتها. يجدر بإسرائيل أيضاً أن تشكك في التزام ترامب أو في قدرته على وقف المشروع النووي الإيراني. ترامب، الذي لم يتردد في القول بشأن موضوع الصواريخ البالستية – بإشارة إلى مشكلات إسرائيل الاستراتيجية – “الجميع لديه صواريخ مثل هذه، فلماذا لا تمتلكها إيران؟”، قد يطبق ذات يوم نفس الرؤية على البرنامج النووي الإيراني.

إن امتلاك إيران للسلاح النووي، ناهيك عن انتشار السلاح النووي على نطاق أوسع، ربما يكسر احتكار إسرائيل النووي، ويشكل نهاية ما يسمى بـ “مبدأ بيغن”، وهو التزام إسرائيل بتعطيل البرامج النووية العسكرية لأعدائها في المنطقة بكل الطرق الممكنة. وقد نجح هذا المبدأ في تدمير المفاعل النووي في العراق في العام 1981، وتدمير المفاعل السوري في 2007. ولكنه فشل أمام استراتيجية إيران في بناء حصونها النووية، حتى مع قيام أفضل قوتين جويتين في العالم بإلقاء أطنان من القنابل على المنشآت النووية الإيرانية.

لقد حان الوقت للدبلوماسية التي تشمل الحد من التسلح وتسعى بجهد من أجل شرق أوسط لا أسلحة دمار شامل فيه.

أما البديل فهو فوضى نووية خطيرة. الشرق الأوسط بمراكز قوته المتعددة وتنافسه على الهيمنة الإقليمية وافتقاره إلى أي ثقافة للأمان النووي، لن يسمح بوجود ذلك النوع من الردع المتبادل الثنائي الذي كان قائماً وما زال، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي/ روسيا، أو بين الهند وباكستان، الذي حال دون وقوع كارثة نووية.

شلومو بن عامي

هآرتس 14/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *