منزل يوسف الرشق
القدس – «القدس العربي»: يقدم الشاب يوسف الرشق (27 عاما)، الذي يسكن في منزل مهدد بالهدم من جانب سلطات الاحتلال في حي البستان في بلدة سلوان، الحكاية عبر مفارقة مفادها: كي يستمتع أبناء المستوطنين بالطبيعة والفضاءات الجميلة، عليّ أنا وأطفالي وعائلتي أن نعيش في الشارع.
جاء تعقيب الرشق، الذي يعمل في مجال التسويق، بعد ساعات من إخطار العائلة بهدم منزلها، وذلك بعد أن تسلمت إشعارا نهائيا من بلدية الاحتلال في 29 تموز / يوليو 2026، يفيد بعزمها تنفيذ قرار الهدم الصادر بحق المنزل، ومنح العائلة مهلة عشرة أيام فقط لإخلائه من السكان والمقتنيات قبل تنفيذ الهدم.
وتعيش العائلة في المكان منذ ما يقرب من عشرين عاما، إذ بنت منزلها البسيط على أرض تمتلك العائلة سند طابو يؤكد ملكيتها لها، لكن سلطات الاحتلال لها رأي آخر، بحجة تطوير المكان وتحويله إلى متنزه توراتي للمستوطنين.
يسرد الشاب المتزوج يوسف الرشق لـ«القدس العربي» جانبا من حكايته، فيقول: «في عام 2011 بدأ مشوار الملاحقة، إذ فرضت علينا مخالفة وغرامة بنحو 60 ألف شيقل (نحو 19 ألف دولار)، لكنها لم توقف مسلسل الغرامات الذي تواصل وتضاعف على مدى السنوات الماضية».
ويأتي هذا الإجراء الأخير ضمن سلسلة من القرارات التي تستهدف منازل الفلسطينيين في حي البستان في سلوان، وهو الحي الذي يواجه منذ سنوات تهديدات متواصلة بالهدم والإزالة، الأمر الذي يهدد عشرات العائلات الفلسطينية واستقرارها في المنطقة.
وتؤكد عائلة أبو يوسف الرشق أن الإشعار الذي تسلمته هو «الإشعار الأخير» قبل تنفيذ الهدم، إذ طُلب منها إخلاء المنزل بالكامل خلال عشرة أيام، في خطوة تضع المنزل أمام خطر الإزالة الفعلية في أي وقت بعد انتهاء المهلة المحددة.
يقول يوسف: «قضية منزل عائلتنا ليست قضية فردية، بل تأتي في سياق قضية حي البستان بأكمله، إذ يواجه السكان إجراءات متواصلة تهدد وجودهم في منازلهم وأحيائهم التي سكنوها منذ عقود».
سألنا الرشق عن الأسباب التي دفعت سلطات الاحتلال إلى توجيه الإنذار الأخير إلى منزل العائلة، رغم أن الحي بأكمله مهدد بالترحيل، فرد قائلا: «إنها سياسة جديدة، يجري بموجبها الاستفراد بنا فرادى. فبدلا من أن يكون الصراع مع سكان الحي أو العائلات المهددة، يصبح، وفق هذا السلوك، فرديا.. إنها سياسة خبيثة للأسف».
يضيف: «إنها سياسة تهجير عيني عينك، ويجري التعامل معنا وفق أسلوب العصابات. ونلاحظ أن الجديد هو تفتيت القضية. لقد شكلنا في السنوات الماضية حالة مواجهة لا بأس بها، وكانت هناك خيمة اعتصام أسبوعية لأهل الحي ومواجهة شاملة، أما اليوم فنرى أن سياسة فرق تسد هي السائدة في التعامل مع سكان الحي».
وحول الجهات التي حاولت تقديم المساعدة، رد الرشق قائلا: «لنا الله، فليس هناك من يقدم المساعدة. لكننا، في المقابل، ندعو وسائل الإعلام المحلية والدولية والمؤسسات الحقوقية والإنسانية إلى متابعة القضية وتغطية ما يجري في حي البستان، وتسليط الضوء على أوامر الهدم التي تطال المنازل الفلسطينية في المنطقة».
وتابع قائلا: «الواقع اليوم مختلف عما كان عليه قبل سنوات قليلة. فكرة جلب الصحافة والعمل ضد القرار مسألة مليئة بالمخاطر.. لكم أن تتخيلوا أنني اعتُقلت 42 مرة، وهناك احتمال لاعتقالي خلال تنفيذ قرار الهدم. وهناك خوف من اعتقالي في حال جلبت الصحافة إلى المنزل.. القدس اليوم مختلفة عما كانت عليه الحال عام 2021».
ويقع المنزل المهدد بالهدم بجانب المسجد الأقصى المبارك، وتبلغ مساحته 120 مترا مربعا، وهو مبنى يضم عائلتين دفعتا الضرائب والغرامات والمخالفات على مدار سنوات، «على أمل اتقاء الهدم.. لكن قوة الاحتلال تفرض المصادرة من أجل الحدائق التوراتية»، كما يقول يوسف الرشق.
ويبدو الرشق، في تعامله مع الأيام، في حالة من القلق والتوتر.. فقبل أيام كانت أمامه عشرة أيام، لكن اليوم «بقي منها ثمانية»، ويقول: «الأيام تتقلص والأمل يقل.. لكننا باقون في المنزل حتى آخر نفس. لن نهدمه ذاتيا، ولن نخرج من هنا بإرادتنا».
ورغم هذا التصميم، يدرك الرشق أن الضريبة كبيرة لقاء موقف كهذا، فالمطلوب منه «إخلاء المنزل وهدمه، وفي حال لم يفعل ذلك ستنفذ بلدية الاحتلال عملية الهدم، وستتحمل العائلة تكاليف العملية».
ويختم: «لو توقف الأمر هنا لهان الأمر.. ففي حال بقي ركام الهدم في مكانه، فستُفرض علينا مخالفة مالية أيضا».
وتتعمق المأساة مع الجملة الأخيرة التي يختم بها حديثه: «الإيجارات في القدس قصة وحدها.. إنها غالية جدا، وتتراوح بين 5 و7 آلاف شيقل لمنزل بسيط. بنشف ريقك كي تجد منزلا مناسبا.. ونحن لا مأوى ثانيا لنا».
وتتواصل عمليات الهدم في مدينة القدس خلال الأيام الماضية، إذ أجبرت بلدية الاحتلال المقدسي علي خليل أبو طير على هدم جزء من منزله ذاتيا، تنفيذا لقرار هدم نهائي صدر بحجة البناء من دون ترخيص، وذلك تفاديا لتحمل تكاليف الهدم التي تفرضها البلدية والغرامات المالية الباهظة، فيما يأوي المنزل سبعة أفراد.
وقبل أسبوع، أُجبر المقدسي محمد العباسي على هدم جزء من منزله ذاتيا في بلدة سلوان، تجنبا للغرامات المالية وتكاليف الهدم التي تفرضها بلدية الاحتلال، علما بأن ملاحقته بحجة البناء من دون ترخيص تعود إلى عام 2012.
وأوضح العباسي أن مساحة الجزء الذي هدمه تبلغ نحو 25 مترا مربعا.
ومطلع الأسبوع، اقتحمت آليات وطواقم بلدية الاحتلال، برفقة قوات الشرطة، حي وادي ياصول في سلوان، ونفذت أعمال تجريف وهدم لما تبقى من منزل محمد العباسي ونجله خالد، رغم أن العائلة كانت قد شرعت في تنفيذ الهدم الذاتي استجابة للقرار الصادر بحقها، قبل أن تفاجأ باقتحام طواقم البلدية الموقع، بحجة استكمال إزالة الأجزاء المتبقية من المنزل.
وأوضح «مركز معلومات وادي حلوة – القدس» أن المقدسي يُجبر على «الهدم الذاتي»، أي هدم منزله أو جزء منه بيديه أو بواسطة عمال على نفقته الخاصة، تنفيذا لقرارات الهدم الصادرة عن بلدية الاحتلال بحجة البناء من دون ترخيص، وذلك تجنبا لتحمل تكاليف الهدم الباهظة التي تفرضها البلدية في حال نفذت الهدم بآلياتها وطواقمها، إضافة إلى الغرامات المالية والكفالات والملاحقات القضائية التي قد تترتب على ذلك.
كما شهد الأسبوع الماضي إجبار بلدية الاحتلال عائلتين في جبل المكبر وسلوان على تنفيذ هدم ذاتي لمنزليهما، فيما اقتحمت طواقمها حي البستان في سلوان، ونفذت عملية هدم لمنزل آخر.
وأجبرت بلدية الاحتلال المواطن مصطفى الريماوي على هدم ثلاث شقق سكنية في بلدة جبل المكبر، تؤوي نحو عشرة أفراد.
وأوضح الريماوي، في حديث صحافي، أن إحدى الشقق قائمة منذ نحو 35 عاما، فيما يعود بناء الشقتين الأخريين إلى نحو 25 عاما، وتتراوح مساحة كل واحدة منها بين 50 و70 مترا مربعا.
وأضاف: «الخسارة لا تقتصر على هدم الشقق، إذ تشمل المخططات أيضا مصادرة الأرض المقامة عليها، والبالغة مساحتها ثلاثة دونمات، لصالح شق شارع، ما يعني فقدان العائلة منازلها وأرضها من دون توفير أي بديل».
كما أجبرت بلدية الاحتلال، في بلدة سلوان، الشقيقين عمر الطويل ومحمود الطويل على هدم منزليهما ذاتيا، تفاديا لتحمل تكاليف الهدم التي تفرضها البلدية
ويبلغ إجمالي مساحة المنزلين نحو 180 مترا مربعا، ويؤوي منزل عمر أربعة أفراد، فيما يؤوي منزل محمود خمسة أفراد.
وكان المنزلان قد شُيدا عام 2018، وفرضت البلدية على العائلة مخالفات وغرامات تجاوزت 120 ألف شيكل قبل تنفيذ الهدم.
وفي حي البستان في بلدة سلوان، اقتحمت طواقم بلدية الاحتلال، ترافقها قوات الشرطة، الحي ونفذت عملية هدم لمنزل المواطن محمد قويدر، ضمن سياسة الهدم المتواصلة التي تستهدف منازل الفلسطينيين في القدس بذريعة البناء من دون ترخيص.
وفي السياق ذاته، سيطر مستوطنون، الأربعاء الماضي، على عقار يعود لعائلة الباشا في البلدة القديمة في مدينة القدس، بعد معركة قضائية استمرت نحو ثماني سنوات، وانتهت بإصدار قرار يقضي بإخلاء ست عائلات فلسطينية من المبنى، بدعوى أن ملكيته تعود ليهود قبل عام 1948.
ويقع العقار في قلب البلدة القديمة، وهو مبنى تاريخي شُيد بالحجر المقدسي، وتضم واجهاته نوافذ وأبوابا قديمة، فيما تقيم فيه عائلة الباشا منذ ما يقرب من مئة عام.
وبعد تنفيذ قرار الإخلاء، غيّر المستوطنون أقفال المبنى، ورفعوا الأعلام الإسرائيلية على واجهته، كما ثبتوا على مداخله «المزوزاه»، وهي قطعة دينية يهودية تُثبت تقليديا على قوائم الأبواب.
وبدأ النزاع القضائي مع عائلة الباشا في نيسان / أبريل 2018، عندما طالبت الجهة الحكومية الإسرائيلية المختصة بإدارة أملاك اليهود قبل عام 1948، وجمعية «عطيرت كوهنيم» الاستيطانية، بالعقار.
وتستند المطالبات إلى أن الطابق العلوي في الجهة الغربية من المبنى كان يضم، قبل عام 1948، كنيسا يهوديا ومدرسة دينية تُعرف باسم «توراة حاييم»، وهو اليوم مؤجر لجمعية «عطيرت كوهنيم» الاستيطانية.
أما القسم الشرقي من المبنى، فتؤكد عائلة الباشا أنه انتقل إلى ملكية جدها جودت عبد الغني الباشا، بعد شرائه في مزاد علني مطلع القرن الماضي، إثر تراكم ديون على مالكه اليهودي آنذاك، وسُجلت الملكية باسمه في سجلات الطابو خلال أربعينيات القرن الماضي.
ومع اندلاع حرب عام 1948، غادر اليهود الكنيس وسلموا مفاتيحه إلى جودت الباشا بموجب بروتوكول يطالب بالحفاظ على المبنى، لتستغل الجمعيات الاستيطانية لاحقا هذا الوجود للمطالبة بالقسم الشرقي أيضا، مدعية أنه جزء من الملكية الأصلية، ومطالبة بإخلاء العائلات المقيمة في طوابقه الثلاثة.
وشهد الملف عشرات الجلسات القضائية على مدار ثماني سنوات، قدمت خلالها عائلة الباشا وثائق رسمية وسندات «طابو» تثبت ملكيتها المستقلة للقسم الشرقي من المبنى وشراءه قانونيا مطلع القرن الماضي، إضافة إلى تمسكها بحق الحيازة والوجود الممتد لعقود.
ورغم تقديم العائلة جميع وثائق الملكية الثبوتية، رفضت المحكمة اعتمادها واستبعدت تطبيق «قانون التقادم»، ورأت أن العقار وحدة واحدة، وأن أملاك اليهود التي يدير بعضها ما يسمى «القيّم العام» لا تسري عليها أحكام التقادم المطبقة على الملكيات الخاصة، ما حسم القضية لصالح الجمعيات الاستيطانية وأدى إلى إخلاء العائلات بالكامل.
وتكمن خطورة قضية «عقار الباشا» في كونها نموذجا متكررا لشرعنة الاستيلاء على العقارات التاريخية في البلدة القديمة، إذ يُستغل الغطاء القضائي وازدواجية المعايير القانونية لتغيير الهوية الديموغرافية والمعمارية للمدينة المقدسة، لتنضم ست عائلات جديدة إلى قائمة مئات المقدسيين الذين فقدوا منازلهم وموروثهم التاريخي لصالح المشاريع الاستيطانية.
ويشكل هذا القرار امتدادا لهجمة استيطانية مكثفة، إذ سيطرت جمعية «عطيرت كوهنيم»، منذ مطلع العام الجاري، على 17 شقة سكنية في القدس، تركزت في حي بطن الهوى في بلدة سلوان، بدعوى ملكية الأرض لليهود اليمنيين، ما يهدد بتفريغ الأحياء المقدسية وتغيير واقعها.
وفي القضية ذاتها، يظهر في مقطع فيديو متداول الحاخام أفيشاي زرويا، رئيس مدرسة «يشيفات عطيرت يروشلايم» الاستيطانية، وهو يقود مجموعة من المستوطنين في صلاة، ثم يثبت على مدخل المنزل «المزوزاه»، وهي قطعة يهودية تُثبت تقليديا على قوائم الأبواب، في إشارة رمزية إلى عدّ المنزل الذي استولي عليه مكانا يهوديا.
وخلال ذلك، قال: «اليوم، عشية تشَعاه بآف، نأتي إلى هنا بكرامة وهيبة، وبملء يهوديتنا وإيماننا». ويُعد تشَعاه بآف يوم حداد يهوديا يحيي ذكرى تدمير الهيكلين اليهوديين.
وبحسب منظمة «عير عميم» الحقوقية، التي تنشط في القدس، فإن منظمة «عطيرت يروشلايم» ترتبط ارتباطا وثيقا بمنظمة «عطيرت كوهنيم» الاستيطانية، التي تؤدي دورا رئيسيا في إخلاء الفلسطينيين قسرا والاستيلاء على منازلهم في البلدة القديمة والأحياء الفلسطينية المحيطة بها، بما في ذلك سلوان.