القاهرة – “القدس العربي”: تُفاقم أزمة الديون الخارجية الضغوط على الاقتصاد المصري، في وقت تحاول فيه الحكومة توفير سيولة نقدية عاجلة للموازنة العامة للدولة.
بالتزامن مع إعلان البنك الدولي أن مصر مطالبة بدفع 62.8 مليار دولار في الفترة الممتدة من إبريل/ نيسان الماضي إلى مارس/ آذار المقبل، وافق الرئيس عبد الفتاح السيسي على مقترح لإصدار صكوك ضريبية يمولها دافعو الضرائب، الأمر الذي واجه انتقادات واسعة بشأن نتائجه المحتملة، وأعاد للأذهان قانون المقابلة الذي أصدره الخديوي إسماعيل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ووفقاً لبيانات البنك الدولي، تشمل المبالغ المطلوب من مصر سدادها خلال 12 شهراً، 7 مليارات دولار فوائد، و55.8 مليار دولار أقساط قروض، بينها 21.1 مليار دولار ودائع وعملات معظمها من دول الخليج.
ويتضمن الجدول الزمني للسداد 24.39 مليار دولار في الربع الثاني من عام 2026 تشمل 7.1 مليارات دولار ودائع وعملات لدى البنك المركزي، و13.94 مليار دولار في الربع الثالث من العام الحالي.
كما تتضمن سداد 13.7 مليار دولار في الربع الأخير من العام الجاري، وفي الربع الأول من العام المقبل من المقرر سداد 10.8 مليارات دولار.
وارتفعت الديون الخارجية بنحو 865 مليون دولار خلال الربع الأول من العام الحالي لتصل إلى 164.7 مليار دولار.
الصكوك الضريبية
وأمام الأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر، وافق السيسي على مقترح لإصدار صكوك ضريبية يمولها دافعو الضرائب، على أن تُخصم قيمتها من التزاماتهم الضريبية المستقبلية، مع منحها عائداً وصفته الرئاسة بأنه “جيد ومناسب”، بما يسهم في خفض الاحتياجات التمويلية وفاتورة خدمة الدين.
ويُعد المقترح من الأدوات التمويلية غير التقليدية التي تسعى الحكومة من خلالها إلى الحصول على جزء من الإيرادات الضريبية مقدماً، بدلاً من الاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض التقليدي من البنوك أو إصدار أذون وسندات الخزانة، في وقت تواجه فيه الموازنة احتياجات تمويلية مرتفعة وأعباء متزايدة لخدمة الدين، وفق مراقبين.
تستند الصكوك الضريبية إلى المادة 115 في قانون الضريبة الصادر خلال عهد الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، عام 2005، وتمنح وزير المالية الحق في إصدار صكوك تحمل عائدًا معفى من الضرائب
وتستند الصكوك الضريبية إلى المادة 115 في قانون الضريبة الصادر خلال عهد الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، عام 2005، وتمنح وزير المالية الحق في إصدار صكوك تحمل عائدًا معفى من الضرائب، وتستخدم وعائدها في تسوية الضرائب المستحقة في نهاية العام المالي.
وحسب الآلية المقترحة، تتيح الصكوك للحكومة الحصول على أموال من الممولين، مثل الأفراد والشركات والجهات المختلفة، مقدمًا قبل موعد استحقاق الضرائب، على أن تُستخدم قيمة الصك والعائد المستحق عليه لاحقًا في تسوية الضرائب المستحقة.
وأعاد المقترح إلى أذهان المصريين ما شهدته بلادهم قبل أكثر من قرن ونصف القرن، عندما أصدر الخديوي إسماعيل، في أغسطس/ آب 1871، لائحة قانون المقابلة، وكان بمثابة قرض من ملاك الأراضي الزراعية للدولة، وحُددت قيمتها بستة أمثال الضريبة السنوية المفروضة على الأرض، أي ما يعادل دفع ضرائب 6 سنوات مقدمًا، في مقابل إعفاء من يدفع المقابلة من نصف الضريبة المفروضة على أرضه إلى الأبد، مع عدم زيادة الضريبة عليها مستقبلًا.
ولم يستمر العمل بقانون المقابلة بصورة مستقرة؛ إذ أُوقف العمل به في مايو/ أيار 1876، ثم أُعيد في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، قبل أن يُلغى مرة أخرى بقرار صدر في يناير/ كانون الثاني 1880.
سياسات المماليك
وقال عيسى فتحي، خبير أسواق المال، إن مقترح إصدار صكوك ضريبية لجمع سيولة وتغطية عجز الموازنة، يشبه سياسات المماليك وعصر الخديوي إسماعيل في اقتطاع الضرائب المستقبلية لسد الفجوات التمويلية الحالية، حينما تكون الخزانة خاوية، وكان يتم تقديم وعود بإعفاءات مستقبلية، وبعد جمع السيولة كان يتم التراجع عن الوعود المقدمة، ولم يتم تكرار الآلية في العصر الحديث إلا مع إعلان وزارة المالية هذا الاتجاه في الساعات الماضية.
وأضاف في تصريحات متلفزة أن المثير في الاقتراح عدم عرضه على البرلمان عند إعداد الموازنة، ولم يتم ذكر الصكوك الضريبية في مصادر تمويل الموازنة أو استخداماتها، لافتاً إلى أن الاقتراح قد يؤدي إلى الإضرار بتصنيف مصر الائتماني لأن لجوء الدولة لتسبيق الإيرادات المستقبلية يرسل إشارات سلبية للمؤسسات الدولية حول قدرة الموارد الحالية على تغطية الالتزامات، وبالتالي لجأت لرهن الإيرادات المستقبلية لذمة الحاضر، ما يعني انخفاض الإيرادات الضريبية في السنوات المقبلة.
تدوير الأزمات
حزب الدستور حذر من نتائج مقترح إصدار صكوك ضريبية يمولها دافعو الضرائب، وشدد على أن أزمة الدين العام في مصر لا يمكن التعامل معها بمجرد ابتكار أدوات جديدة لإعادة تدوير الالتزامات، وأن اللجوء إلى الإيرادات الضريبية المستقبلية لتمويل احتياجات الدولة الحالية، وبالأخص سداد أو إعادة تمويل الديون القائمة، يستوجب نقاشًا عامًا وشفافية كاملة حول التكلفة الحقيقية لهذا القرار وآثاره على المالية العامة.
وقال، في بيان، إن استخدام حصيلة الصكوك في سداد ديون قائمة قد يؤدي إلى تخفيض الاحتياجات التمويلية الحالية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الدولة تخلصت من الالتزام المالي؛ فالدولة تحصل على السيولة الآن مقابل التنازل مستقبلًا عن جزء من إيراداتها الضريبية، فضلًا عن العائد المستحق على الصكوك، ما يعني أننا أمام إعادة ترتيب لشكل الالتزام الحكومي وتوقيته، وليس خفضًا حقيقيًا للدين.
تساءل حزب الدستور: كم جنيهًا من الإيرادات الضريبية المستقبلية ستتخلى عنه الدولة مقابل كل جنيه تحصل عليه اليوم؟
وتساءل الحزب: كم جنيهًا من الإيرادات الضريبية المستقبلية ستتخلى عنه الدولة مقابل كل جنيه تحصل عليه اليوم؟
ورأى أن الخطر الأكبر يكمن في تحويل جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية إلى مورد تمويلي حاضر: إذا استخدمت الدولة هذه الأداة بصورة واسعة لسداد الديون الحالية، فإنها تحصل على السيولة اليوم، لكنها في السنوات المقبلة ستجد جزءًا من حصيلتها الضريبية قد سبق استخدامه، ما قد يخلق فجوة جديدة في الموارد ويعيد إنتاج الحاجة إلى الاقتراض، وقد ندخل في دائرة مفرغة تبدأ بسداد الديون الحالية عبر الصكوك الضريبية، ثم تؤدي إلى تراجع جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية، بما يفاقم العجز ويعيد إنتاج الحاجة إلى الاقتراض من جديد.
وحذر من التعامل مع الصكوك الضريبية، باعتبارها وسيلة لخفض الدين دون احتساب الالتزامات التي تنشأ عنها.
وختم الحزب: “علاج أزمة الدين لا يكون بتحميل الإيرادات المستقبلية بالتزامات جديدة، وإنما من خلال خفض العجز الهيكلي في الموازنة، وتقليل تكلفة الاقتراض، وإعادة هيكلة الديون مرتفعة التكلفة، وإطالة آجال الاستحقاق، وتقليل الاعتماد على الديون قصيرة الأجل، ووقف التوسع في الإنفاق غير المنتج، وزيادة الإيرادات من خلال النمو والإنتاج، وتوسيع القاعدة الضريبية وليس زيادة العبء على الممولين القائمين”.
فيما وجه باسل عادل، رئيس حزب “الوعي” وعضو مجلس الشيوخ، مجموعة من التساؤلات إلى أحمد كجوك، وزير المالية، بشأن فكرة الصكوك.
وتساءل عن الطبيعة القانونية والمالية للصكوك الضريبية المستقبلية، وما إذا كانت تمثل أداة دين أو اقتراض، أم اعترافًا بدين على الممول قبل تحقق الوعاء أو الالتزام الضريبي الذي تستند إليه.
كما طرح تساؤلات حول كيفية تحديد العائد أو الفائدة على هذه الصكوك، وما إذا كانت سترتبط بسعر الكوريدور لدى البنك المركزي، أم بمعدلات وغرامات التأخير والفوائد المقررة على المبالغ الضريبية المتأخرة، وما الأساس الذي ستُحدد على أساسه تكلفة التمويل بالنسبة للدولة. وتساءل أيضًا عما إذا كانت الأداة تعني عمليًا الاقتراض مقابل حصيلة ضريبية مستقبلية، وكيف ستنعكس هذه الحصيلة على موازنة العام التالي، وما إذا كان تحصيل جزء من الموارد الضريبية مقدمًا قد يؤدي إلى خلق فجوة أو ضغط على الموازنات اللاحقة.
وجه باسل عادل، رئيس حزب “الوعي” وعضو مجلس الشيوخ، مجموعة من التساؤلات إلى أحمد كجوك، وزير المالية، بشأن فكرة الصكوك
كما تساءل عما إذا كان التوسع في الاقتراض بضمان إيرادات مستقبلية يمثل اتجاهًا لاستباق جزء من موارد الدولة المقبلة، خاصة أن الضرائب تمثل أحد المكونات الرئيسية لإيرادات الموازنة العامة، مطالبًا بتوضيح الضمانات التي تحول دون تحول هذا الأسلوب إلى ضغط متراكم على الموارد المستقبلية.
وطرح تساؤلًا اقتصاديًا آخر حول الدافع الذي قد يجعل ممولًا يسدد ضرائب عن نشاط أو أعمال لم يقم بها بعد، وما إذا كان من الممكن أن يتحول الالتزام الضريبي المستقبلي إلى أداة مالية قبل تحقق الواقعة المنشئة للضريبة.
تحديات
إلى ذلك، أكدت جمعية خبراء الضرائب أن الصكوك الضريبية تعد أداة تمويلية جديدة لتوفير سيولة فورية للحكومة بتكلفة أقل من الاقتراض التقليدي كما أنها تعد مجالاً استثمارياً جديداً مضمون العائد للممولين.
مع ذلك، قال النائب أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية في مجلس الشيوخ، ومؤسس الجمعية، إن هناك تحديات رئيسية تواجه نجاح الصكوك، بينها عدم قدرة المشروعات الصغيرة وأغلب المشروعات المتوسطة، على الاكتتاب في الصكوك لاحتياجها إلى السيولة، وأن الصكوك الضريبية تعد شكلاً من أشكال الدين وما يؤدي إلى الضغط على الإيرادات لاحقاً بدلاً من خلق موارد حقيقية أو نمو إنتاجي مستدام، والضغط على موارد الدولة عند صرف عوائد الصكوك مما يمثل عبئاً إضافياً على خزانة الدولة، واستهلاك الإيرادات المستقبلية ما قد يؤدي إلى فجوات في الميزانيات القادمة.
دافع رجب محروس، مستشار رئيس مصلحة الضرائب المصرية، على المقترح، وقال إن القيمة الحقيقية للصكوك الضريبية تتمثل في استفادة الممول الملتزم ضريبيًا من عائد على تلك الصكوك
فيما دافع رجب محروس، مستشار رئيس مصلحة الضرائب المصرية، على المقترح، وقال إن القيمة الحقيقية للصكوك الضريبية تتمثل في استفادة الممول الملتزم ضريبيًا من عائد على تلك الصكوك.
وبين في تصريحات متلفزة أن الصكوك تعكس شراكة بين وزارة المالية ومصلحة الضرائب والممولين، حيث يمكن للممول استخدام فائضه النقدي في شراء صكوك ذات عائد معفى من الضريبة، ثم استخدامها في سداد التزامات ضريبية مستقبلية.
استثمار للفائض المالي
ولفت إلى أن الصك يمثل سندًا لإبراء الذمة المالية الضريبية للممول، وأن الاكتتاب في الصكوك لا يمثل سدادًا مقدمًا للضريبة، وإنما استثمار للفائض المالي لدى الممول في أداة آمنة ومضمونة بضمان الخزانة العامة.
وأضاف أن القواعد والإجراءات المنظمة للصكوك من المقرر إصدارها خلال 21 يومًا، على أن يتم عرضها ومناقشتها مع مجتمع الأعمال وممثلي الاتحادات والغرف المختلفة قبل إصدارها، بما يضمن مشاركة المستفيدين في تحديد الجوانب المالية والقانونية والشكلية للصكوك.
وأكد محروس أن القواعد الجديدة ستحدد أيضًا آليات التعامل مع الصكوك، بما في ذلك إمكانية تداولها أو تحويلها أو استردادها قبل انتهاء مدتها، وفقًا للضوابط التي ستصدرها وزارة المالية.