الدوحة – “القدس العربي”: تواجه صناعة السياحة الخليجية واحدة من أصعب الاختبارات منذ أن بدأت دول المنطقة في تحويل السياحة والسفر والضيافة إلى محركات رئيسية للتنويع الاقتصادي، وقد امتدت تداعيات الحرب الإيرانية إلى حركة الطيران والفنادق والفعاليات وسلوك المسافرين.
فالحرب لم تضرب قطاعًا واحدًا، وإنما أصابت سلسلة مترابطة تبدأ من الطيران وتنتهي بالفنادق والمطاعم ومراكز التسوق والأنشطة الترفيهية. ومع اضطراب حركة الرحلات وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع ثقة بعض المسافرين، أصبح السؤال الأهم لا يتعلق بحجم الخسائر فقط، وإنما بمدى قدرة السياحة الخليجية على التعافي واستعادة الزخم.
وتشير المؤشرات الأخيرة إلى أن التأثير كان قويًا على قطاع الضيافة في المنطقة؛ فقد سجلت مجموعة «IHG» تراجعًا بنسبة 19% في إيرادات الغرفة المتاحة في الشرق الأوسط خلال الربع الثاني من العام، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن وتيرة التراجع بدأت تتباطأ بصورة أسرع من المتوقع، وهو ما يعطي مؤشرًا على إمكانية التعافي التدريجي.
صدمة الطيران
كان قطاع الطيران أول القطاعات التي تلقت تداعيات الحرب، مع إلغاء وتأجيل رحلات وإعادة توجيه الطائرات عبر مسارات أطول، الأمر الذي رفع تكاليف الوقود والتشغيل وأربك جداول السفر.
وتزداد أهمية ذلك بالنسبة للخليج، الذي أصبح مركزًا عالميًا للطيران والربط بين الشرق والغرب. فالدوحة ودبي وأبوظبي لا تعتمد فقط على السياحة الوافدة، وإنما تستقبل ملايين المسافرين الذين يستخدمون مطاراتها محطات للترانزيت.
وأدى اضطراب المجال الجوي إلى ارتفاع تكلفة الرحلات، بينما تحملت شركات الطيران أعباء إضافية مرتبطة بإعادة حجز المسافرين وتغيير الجداول وتوفير الإقامة للمتضررين.
تحديات قطاع الضيافة
انتقلت تداعيات الأزمة سريعًا إلى الفنادق، حيث أدى تراجع حركة السفر إلى إلغاء حجوزات وانخفاض معدلات الإشغال وتراجع العائدات.
فالسائح الذي يلغي رحلته لا يخسر شركة الطيران وحدها، وإنما تختفي معه نفقات الفندق والمطاعم والمواصلات والتسوق والفعاليات، وهو ما يجعل السياحة قطاعًا شديد الترابط مع بقية الأنشطة الاقتصادية.
ومع ذلك، أظهرت أسواق الخليج قدرة على التكيف من خلال عروض الأسعار والباقات السياحية واستهداف السياحة المحلية والخليجية، في محاولة لتعويض جزء من تراجع الطلب الدولي.
الدوحة تصمد
وتقدم قطر نموذجًا على قدرة القطاع على الصمود. فقد استقبلت نحو 1.13 مليون زائر خلال الربع الأول من 2026، بينهم 646 ألفًا في يناير و423 ألفًا في فبراير و63 ألفًا في مارس، وهو تفاوت يعكس بوضوح أثر التطورات الإقليمية على حركة السفر.
لكن امتلاك قطر لبنية سياحية متطورة، ومطار حمد الدولي، وشبكة الخطوط الجوية القطرية، إلى جانب تنوع الفعاليات والمنتجات السياحية، يمنحها مقومات قوية لاستعادة النشاط عندما تستقر حركة الطيران.
كما أن اعتماد القطاع على السياحة الخليجية والإقليمية يوفر مصدرًا مهمًا للطلب في فترات تراجع السفر الدولي.
ثقة المسافر
ويرى الخبير السياحي أيمن القدوة أن العامل الأكثر حساسية في أوقات الأزمات ليس عدد الرحلات الملغاة فقط، وإنما ثقة المسافر، موضحًا أن السائح يعيد النظر في خططه عندما يشعر بوجود مخاطر جيوسياسية، حتى إذا لم تكن الوجهة التي يقصدها طرفًا مباشرًا في الصراع.
ويؤكد القدوة في تصريحات خاصة لـ “القدس العربي” أن سرعة التعافي ستتوقف على استقرار حركة الطيران، ووضوح الرسائل المتعلقة بأمن الوجهات، إلى جانب قدرة شركات السفر والفنادق على توفير مرونة أكبر في الحجز والإلغاء وإعادة الجدولة.
وأشار إلى أهمية تنويع الأسواق السياحية، وعدم الاعتماد على سوق واحدة، مع تعزيز السياحة الخليجية البينية والسياحة الداخلية باعتبارهما عنصرين مهمين في مواجهة الأزمات.
تجاوز تداعيات الحرب
ومن جانبه، يرى الخبير السياحي عادل الهيل أن قطاع السفر الخليجي يمتلك قدرة على تجاوز الصدمة، لكن التعافي يحتاج إلى مرونة في التعامل مع المسافرين وتحفيز الطلب من خلال العروض والباقات السياحية.
وأكد في تصريحات خاصة لـ “القدس العربي” أهمية السوق الخليجية في هذه المرحلة، باعتبارها الأقرب والأكثر قدرة على استعادة حركة السفر سريعًا، إلى جانب أسواق مثل الهند وجنوب آسيا.
ويرى الهيل أن استمرار الفعاليات والأنشطة السياحية والترفيهية يمثل عاملًا مهمًا في دعم الفنادق والمنشآت السياحية، لأنها تمنح الزائر سببًا واضحًا للسفر، وتساعد في تنشيط الإنفاق السياحي.
عوامل التعافي
ويبقى التحدي الأكبر أمام القطاع السياحي هو استعادة الثقة.
فعودة الطائرات إلى المطارات لا تعني بالضرورة عودة الحجوزات إلى مستوياتها السابقة، لأن السائح الذي يخطط لرحلة بعد أسابيع أو أشهر يحتاج إلى التأكد من استقرار الأوضاع.
ولهذا فإن التعافي السياحي سيكون أبطأ من التعافي التشغيلي للطيران. وقد بدأت بالفعل مؤشرات على تحسن الحجوزات المستقبلية في بعض الأسواق الخليجية، مدفوعة بالطلب من المسافرين الخليجيين وبعض الأسواق الدولية الأخرى، وهو ما يعزز فرص التعافي التدريجي.
أسواق بديلة
ومن المتوقع أن تدفع الأزمة دول الخليج إلى تسريع تنويع الأسواق المصدرة للسياحة، والتركيز بصورة أكبر على دول مجلس التعاون والهند وجنوب آسيا، إلى جانب السياحة الداخلية.
وتمنح هذه الأسواق الوجهات الخليجية قدرًا أكبر من المرونة، لأن قربها الجغرافي يجعل قرار السفر أقل تأثرًا بالتطورات التي قد تؤثر في المسافرين القادمين من مناطق بعيدة.
كما يمكن للسياحة الداخلية أن توفر دعمًا للفنادق والمطاعم والمنتجعات، رغم أنها لا تستطيع بالكامل تعويض الإنفاق الذي يقدمه السائح الدولي.
تعافٍ متدرج
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن التعافي الخليجي سيكون تدريجيًا وغير متساوٍ بين الأسواق.
فبعض الوجهات التي تعتمد بدرجة أكبر على السياحة الدولية قد تحتاج إلى وقت أطول لاستعادة مستويات الطلب، بينما تستطيع الأسواق التي تتمتع بقاعدة قوية من السياحة المحلية والإقليمية التعافي بصورة أسرع.
وتؤكد دراسة متخصصة في قطاع الضيافة الخليجي أن اضطراب الطيران وثقة المسافرين كانا من أبرز قنوات انتقال أثر الحرب إلى الفنادق، وأن تعافي الطلب الفندقي قد يتأخر، ما يجعل استعادة الثقة عنصرًا حاسمًا في المرحلة المقبلة.
اختبار جديد
وقد كشفت الحرب أن قوة السياحة الخليجية لا تقاس فقط بعدد الفنادق والمطارات، وإنما بقدرتها على مواجهة الأزمات واستعادة النشاط بسرعة.
وتملك دول الخليج مقومات مهمة تساعدها على ذلك، من بنية تحتية متطورة وشركات طيران عالمية وطاقة فندقية كبيرة إلى قدرات استثمارية وأسواق محلية وإقليمية واسعة.
لكن استمرار الحرب لفترة أطول قد يفرض ضغوطًا إضافية على القطاع، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الطيران وتراجع الطلب الدولي.
وفي المقابل، فإن عودة الاستقرار ستمنح السياحة الخليجية فرصة لاستعادة الحجوزات المؤجلة، خصوصًا مع اقتراب المواسم السياحية والفعاليات الكبرى.
ما بعد الحرب
تبدو السياحة الخليجية، رغم الصدمة، أكثر قدرة على التعافي من قطاعات سياحية في مناطق تفتقر إلى البنية التحتية والقدرات المالية التي تتمتع بها دول مجلس التعاون الخليجي.
لكن التعافي سيمر بمراحل تبدأ باستقرار المجال الجوي، ثم عودة الرحلات، ثم الحجوزات، وبعدها ارتفاع الإشغال الفندقي والإنفاق السياحي.
وفي المحصلة، فإن الحرب الإيرانية قد تكون اختبارًا قاسيًا للسياحة الخليجية، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع القطاع إلى مرحلة أكثر مرونة وتنوعًا، تقوم على تعدد الأسواق وتعزيز السياحة الداخلية والخليجية والاستعداد بصورة أفضل للأزمات.
فالسائح قد يؤجل رحلته بسبب الحرب، والفندق قد يخفض أسعاره، وشركة الطيران قد تغير مسارها، لكن العامل الحاسم في النهاية يظل واحدًا: عودة الاستقرار واستعادة الثقة.
وعندما يتحقق ذلك، فإن قطاع السياحة الخليجي، بما يملكه من بنية تحتية واستثمارات وخبرات، سيكون في موقع قوي لاستعادة نشاطه، وربما الخروج من الأزمة بقطاع أكثر قدرة على مواجهة الصدمات.