غزة- القدس العربي: تزايدت المخاوف من عودة قوات الاحتلال إلى شن المزيد من الغارات الدامية عقب غارة جديدة، استهدفت دراجة كهربائية أودت بحياة راكبها، والتي جاءت قبل مضي 24 ساعة على غارة مماثلة، بعد توقف دام أسبوع، فيما عبّرت الأمم المتحدة عن قلقها الشديد، إزاء تعرض المسافرين العائدين إلى غزة لـ “العنف الجسدي والمعاملة المهينة والتفتيش المتطفل” على أيدي جنود إسرائيليين.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة عن وصول شهيد و7 مصابين إلى مستشفيات قطاع غزة خلال الساعات الـ24 الماضية، جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل.
وأشارت إلى أن حصيلة الشهداء منذ وقف إطلاق النار بلغت 1,260 شهيدا، إلى جانب 4,154 إصابة، إضافة إلى انتشال جثامين 808 من الشهداء، وأوضحت أن الإحصائية التراكمية، ارتفعت منذ بدء حرب الإبادة في 7 أكتوبر 2023 إلى 73,389 شهيدا، إضافة إلى 174,266 إصابة، فيما لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم.
توغل ونسف مباني
وميدانيا، استُشهد مواطن وأصيب آخر بجراح خطرة، جراء قصف الاحتلال لدراجة كهربائية خلال سيرها بجوار مبنى الهلال الأحمر الفلسطيني، في حي الأمل غربي مدينة خان يونس.
وهذه هي المرة الثانية خلال أقل من 24 ساعة التي تقوم بها قوات الاحتلال بتنفيذ غارات دامية، توقع ضحايا في مناطق النزوح، بعد أن ادعت تخفيف حدة الهجمات وعمليات الاغتيال منذ أسبوع.
وفي هذه الأوقات تسود حالة من الحذر الشديد، عقب تجدد الغارات الدامية، ويخشى السكان من تجدد الغارات بشكل مفاجئ، خاصة مع استمرار هجمات الاحتلال التي لم تنقطع على مناطق تقع خلف “الخط الأصفر”، وأخرى قريبة منها.
وبالرغم من الزعم الإسرائيلي عن تخفيف الهجمات وتراجع تقدم الجيش في عدة مناطق، قامت آليات عسكرية بالتقدم في منطقة شارع الطينة جنوب مدينة خان يونس جنوبي القطاع، على وقع عمليات إطلاق نار كثيف على تلك المنطقة.
كما طال إطلاق نار مماثل مناطق النزوح الإنساني في منطقة الإقليمي والمنطقة المحيطة لها في المواصي الواقعة غرب المدينة، وذلك على وقع قصف مدفعي طال البلدات الشرقية الواقعة خلف “الخط الأصفر”.
واستهدفت قوات الاحتلال بالقصف المدفعي مناطق عدة تقع شمال قطاع غزة، تركز على المناطق الغربية الشمالية لبلدة بيت لاهيا، كما تعرضت مناطق أخرى تقع شرق البلدة لنسف مباني تقع خلف “الخط الأصفر”، حيث سمع دوي انفجارات عالية هزت مناطق شمال القطاع.
وفي مدينة غزة، قامت قوات الاحتلال بقصف مدفعي متقطع طال أطراف حي الشجاعية، كما تعرض حي الزيتون لقصف مماثل وإطلاق نار كثيف من الآليات العسكرية، فيما تعرضت مناطق شمال مخيم البريج وسط القطاع لقصف آخر.
وتحتل قوات الاحتلال نحو 70% من مساحة قطاع غزة، وتقع جميعها خلف “الخط الأصفر” الذي عملت على تمدده أكثر من مرة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.
وتخالف هجمات جيش الاحتلال نص اتفاق التهدئة الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر من العام الماضي، والذي ينص على وقف الهجمات المتبادلة، كما تواصل تشديد إجراءات الحصار المفروض على السكان.
وكانت حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، قالت إن الاحتلال يصر على إفشال مساعي الوسطاء والضامنين ومجلس السلام للوصول إلى اتفاق يحقق وقفا مستداما لإطلاق النار، ودعت جميع الأطراف إلى تحمل مسؤولياتها في تحقيق الهدوء والاستقرار، والضغط على الاحتلال للالتزام بما تم الاتفاق عليه.
وفي سياق قريب، غادر 71 مريضًا مع مرافقيهم قطاع غزة عبر معبر رفح البري جنوب القطاع، متجهين إلى مصر، وذكرت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني التي تشرف على نقل المسافرين، إن من بينهم 35 مريضًا و36 مرافقًا غادروا قطاع غزة عبر معبر رفح لتلقي العلاج في الخارج، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية.
إصابات تغير مجرى الحياة
وهذا العدد قليل جدا مقارنة باحتياجات مرضى ومصابي غزة، المقدر عددهم بنحو 20 ألف، ويحتاج أغلبهم للإجلاء الطبي العاجل، حيث تسجل حالات وفاة يومية في صفوفهم نتيجة تأخير نقلهم للعلاج في الخارج، بسبب عدم توفر أدوية وعلاجات لهم في قطاع غزة، ضمن سياسة الحصار الإسرائيلي.
وفي دلالة على الخطر الذي يواجه مصابي غزة منذ بداية الحرب، نقل نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان حق، عن الشركاء في العمل الإنساني، تأكيدهم أن واحدا من كل أربعة فلسطينيين، أصيبوا منذ أكتوبر 2023، عانى من إصابات قد تغير مجرى حياته، بما في ذلك إصابات الحبل الشوكي وإصابات الدماغ الرضحية.
وأشار إلى أن طفلا واحدا من بين كل ثلاثة أطفال مصابين يعاني من مثل هذه الإصابات، لافتا إلى أن استيراد معدات إعادة التأهيل لا يزال يواجه قيودا كبيرة، حيث يبلغ متوسط فترة الانتظار 136 يوما للشحنات العالقة التي تحتوي على وسائل المساعدة.
وأوضح أنه في الأشهر الستة الأولى من هذا العام، سهلت منظمة الصحة العالمية وشركاؤها تسليم آلاف من وسائل المساعدة على الحركة، مما غطى حوالي ثلث الاحتياجات المحددة، داعيا إلى السماح بدخول مزيد من المعدات والأجهزة الطبية.
إذلال المسافرين
وفي هذا السياق، أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، عن قلقه إزاء تزايد التقارير الواردة من فلسطينيين عائدين إلى غزة أفادت بتعرضهم لـ “العنف الجسدي والتهديدات والمعاملة المهينة وعمليات التفتيش المتطفلة” على أيدي جنود إسرائيليين، وكذلك أفراد مسلحين آخرين يعملون تحت سلطة إسرائيل، خلال عبور معبر كرم أبو سالم، وقبل ذلك عند معبر رفح.
وذكر بيان أصدره المكتب، ونشره الموقع الإعلامي للأمم المتحدة، أنه تلقى تقارير واسعة النطاق عن مصادرة أدوية ومستلزمات طبية ووثائق شخصية وشهادات تعليمية وأموال ومقتنيات شخصية أخرى، من دون توفر أي آلية لاستعادتها.
وأضاف المكتب أنه في الفترة ما بين 7 يوليو و4 أغسطس 2026، وصف مئات العائدين رحلات العودة بـ”الطويلة والشاقة”، وأنه في يوم واحد فقط من شهر تموز، أفاد 54 من أصل 92 عائدا بأن بعض أو جميع ممتلكاتهم الشخصية قد صودرت، بما في ذلك الأدوية والأجهزة المساعدة.
وقال المكتب إنه في أوائل أغسطس، أفاد رجل مسن بأنه بعد اعتراضه على فقدان أموال من بين مقتنياته، أقدم جنود إسرائيليون على ضربه وتقييد يديه بالأصفاد وسحبه على الأرض واحتجازه في غرفة صغيرة، قبل نقله إلى حافلة.
وقال المكتب إنه في حالة أخرى، وردت تقارير عن “عمليات تفتيش متطفلة غير ضرورية ومعاملة مهينة”، حيث أفادت امرأتان كانتا تعودان معا بأنه جرى اقتيادهما، كل على حدة، إلى أماكن مغلقة وإخضاعهما لتفتيش جسدي متطفل من قبل مجندة إسرائيلية، حيث طُلب منهما خلع ملابسهما بينما كانت كاميرا مراقبة تقوم بتصويرهما، وذلك بعد أن أدى عقد معدني كانت ترتديه إحداهما إلى إطلاق إنذار أمني.
وأشار إلى أن هذه التقارير تتطابق مع المخاوف التي جرى توثيقها خلال عمليات عبور سابقة، حيث وصف عائدون تعرضهم لـ “إساءات لفظية وترهيب واستجوابات ومعاملة عنيفة وسرقة محتويات أمتعتهم”.
ونبه إلى أن الأطفال يواجهون “أحوال ضعف إضافية”، حيث وصلت طفلة تبلغ من العمر أربع سنوات إلى غزة بمفردها بعد أن مُنع والدها من العودة إلى غزة، وأنه عند وصولها، اضطرت الجهات الإنسانية الشريكة إلى الشروع في إجراءات تتبع أفراد الأسرة للمساعدة في لمّ شملها مع والدتها وعمها.
وقال آجيت سونغاي، مدير المكتب: “تشكل هذه الانتهاكات التي نشهدها بحق الفلسطينيين العائدين إلى غزة جزءا من نمط أوسع من الانتهاكات ونزع الصفة الإنسانية، كما أنها تثني الناس عن العودة”.
وأضافت سونغاي: “هؤلاء أشخاص في أوضاع هشة يعودون إلى أرضهم المحتلة التي دمرتها سنوات من القصف الإسرائيلي وحُرمت من أبسط مقومات الحياة، والآن يتعين عليهم أن يتحملوا هذا أيضا عند عودتهم؟ إن ذلك أمر مروع بكل بساطة”.