غزة التي غيرت العالم!


ألف وأربعون يوما مرت على طوفان الأقصى، وعبور السابع من أكتوبر، والتي مرت بالنسبة لنا سريعة، كمرور كل الأيام، ولكن بالنسبة لأهلنا في غزة الذين عانوا، وما زالوا يعانون الويلات، من قصف وقتل وحرمان من لقمة الخبز والماء والدواء والكهرباء الخ… فكل يوم بسنة مما تعدون، أنتم الجالسون في بيوتكم برفقة أسركم وهواتفكم الذكية… أما ما حدث خلالها من تغير على صعيد المنطقة، والساحة الدولية، ليس بالأمر الهين، أو من السهل إيجازه، لقد كان زلزالا عنيفا بعشرات الدرجات على مقياس ريختر، أيقظ العالم، وغير توجهاته السياسية والأخلاقية، وقلب الموازين، بل كل المنطقة رأسا على عقب. فالعالم ما قبل الطوفان ليس كما هو من بعده، ولن يعود إلى ما كان عليه.
لم يكن السابع من أكتوبر، ولن يكون يوما عاديا في تاريخ أمتنا، لأن ساعاته الأولى عرفت أهم حدث في تاريخ فلسطين الحديث، والمنطقة العربية، ألا وهو طوفان كاسح، أدخل القضية الفلسطينية إلى كل ساحات السياسة العالمية، وأصبحت فلسطين بالتالي لاعبا فاعلا بامتياز، رغما عن أنف كل الدوائر الصهيوـ استعمارية. لقد أصبح على العالم أن يكون مستعدا ابتداء من ذلك اليوم، لإفساح مكان للاعب لم يتوقعه أحد. بل بذلوا كل ما بوسعهم منذ عقود للتآمر على شعبه، ودفن قضيته، لكنه رغم كل ذلك، فرض نفسه على الساحة… إنه لاعب من نوع وطراز خاص، لا يملك المال لكي يمول الحملات والدعايات المؤيدة له، ولكي يحشد الحشود. لاعب كل ما يملكه دمه الطاهر، وعدالة قضيته، وإخلاصه ومصداقيته في الدفاع عنها. لاعب جديد في ميادين وملاعب السياسة، ورقته ستكون هي الرابحة رغما عن ألاعيب كل الدوائر…
لقد جعل طوفان الأقصى من فلسطين وقضيتها أحد المعايير التي يتم تقييم الدول على أساسها قربا وبعدا. وتقييم المرشحين في حملاتهم ومعاركهم الانتخابية عبر العالم، خصوصا في تلك الدول التي كانت تلقي علينا دروسا في الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي أغمضت عيونها، وغدت عمياء خرساء أمام جرائم الكيان الفاشي، التي يندى لها الجبين. واسألوا عن ذلك كمالا هاريس، وما حل بها بسبب موقفها من فلسطين، وتخاذلها أثناء أحداث غزة. وقد ظهر ذلك فيما بعد جليا في انتخابات بلدية نيويورك، وفوز ممداني فيها، حيث كانت الورقة الفلسطينية سببا أساسيا في هزيمة خصومه، في عقر دار المنظمات الصهيونية، وقوتهم المالية والتنظيمية، ونفوذهم وتأثيرهم الإعلامي نيويورك، وعلى الطريق نفسه يسير عبد الرحمن السيد «عبدول» في ولاية ميشيغن.
إن هذا التأثير، لم يعد بعد ذلك اليوم مقتصرا على السياسة، بل دخل كل الميادين من بابها الواسع، ففي الرياضة غدت فلسطين وأعلامها والهتاف لحريتها الأكثر حضورا في منافسات كأس العالم الأخيرة، مع أنه ليس لفلسطين فريق مشارك في التصفيات، حتى إن أحد المعلقين قال يوما: « يا للمفارقة، الفرق تلعب، وفلسطين هي التي تفوز…! ». وفي الثقافة سينما ومسرحا وشعرا ورواية، فإن فلسطين اقتحمت تلك الميادين عنوة، كاقتحام فتيتها في صبيحة ذلك اليوم الأغر، وأصبح الكتاب والشعراء عبر العالم يهدون كتاباتهم لفلسطين وأبنائها، وللقضية الأم، وأصبحت فلسطين حاضرة في كل مهرجانات السينما والمسرح، يُرْفع علمها، وتُهْدى لها ولأبنائها الجوائز من قبل فنانين عالميين كبار، بلا خوف ولا وجل من المنظمات الصهيونية التي تمول أصلا مشاريعهم السينمائية والمسرحية… وحتى في احتفالات تخريج الطلاب في أقاصي الأرض، أصبح الطلاب يهدون نجاحاتهم لفلسطين، ويرفعون علمها… ولم يعد من المستغرب في المدن والقرى الأوروبية رؤية العلم الفلسطيني يزين الشرفات والنوافذ، وحاضرا في التظاهرات العمالية المطلبية البعيدة عن القضية الفلسطينية أساسا…

لم تخرج القضية الفلسطينية من غياهب الجب وحسب، بل قفزت إلى مقدمة القضايا العالمية، وأصبحت على دفاتر كل المناضلين

تنفق الدول ميزانيات ضخمة تفوق أحيانا ما ينفقه بعضها على التعليم، وذلك لتحسين صورتها أمام العالم. وكان بعضها يستعين بخبرات الكيان الصهيوني في هذا المجال، خصوصا أنه يتمتع بشبكة علاقات دولية لا تنافس، بالإضافة إلى سيطرة المنظمات الصهيونية العالمية وأغنيائها على أجهزة الإعلام العالمية المختلفة، ولكن بعد السابع من أكتوبر، لم تخرج القضية الفلسطينية من غياهب الجب وحسب، بل قفزت إلى مقدمة القضايا العالمية، وأصبحت على دفاتر كل المناضلين والشرفاء عبر العالم. وعلى صعيد آخر كانت دول كثيرة أوروبية وغربية وحتى عربية، تستعين بخبرة الكيان الغاصب، وتحديدا بجهاز مخابراته الموساد، وتستنير بتقريراته، ووسائله التجسسية لكونه في نظرهم الأقوى في العالم… غير أنه بعدما مرَّ الماء من بين أصابع جنرالاته في السابع من أكتوبر، وعبر الأبطال من دون أن يدري أو يرى، بعدما كان يحصي أنفاسهم، ويحسب خطواتهم، وفرض عليهم رقابة دقيقة ليلا ونهارا فقط…! فإنه لم يعد بعدها مرجعا في أي شيء، حتى في الكشري كما يقولون في مصر… وبالأخص بعد مشورته الأخيرة على الرئيس الأمريكي ترامب بالحرب على إيران، واعدا إياه بسقوط نظامها خلال ساعات…!
فمنذ أن تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وأعلن ترامب عن مبادرته للسلام في غزة في مشهدية احتفالية فريدة من نوعها، ومن ثم دعمها بقرار من مجلس الأمن رقم 2803، والكيان الغاصب يحاول كل جهده تفريغ تلك المبادرة من مضمونها، لكي تصب كليا في صالحه، ووضع الخطط اللازمة، لامتصاص المد الشعبي والتضامن العالمي، الذي أحدثه طوفان الأقصى المبارك مع فلسطين. والأهم من ذلك، هو أن الكيان الغاصب وبتعاون متفق عليه من الأنظمة الغربية، وبعض أنظمتنا، يبذل جهودا مضنية عبر أّذرعه الإعلامية التي يسيطر عليها، والعمة أمريكا، من أجل كسر مشاعر الاعتزاز بالنفس والانتصار، التي تولدت لدى الفلسطينيين بالدرجة الأولى، وأيضا القضاء على روح الثقة بالنفس، وتلك المناعة النفسية والروحية التي تولدت لدى شعوبنا العربية المغلوبة على أمرها، بعد إحباط لازمها لسنوات، فأعاد لها الطوفان ثقتها بنفسها، وولد لديها شعورا « إننا نستطيع »…
كان الحديث عن المظلومية اليهودية والمحرقة داخلا في مناهج التعليم الغربية، ابتداء من صفوف المرحلة الإعدادية ولغاية السنوات الجامعية، ولكن بعد الطوفان، أصبح الحديث عن ذلك يمر حتما بالحديث عن القضية الفلسطينية، وعن هولوكوست القرن الواحد والعشرين، الذي كانت تبث وسائل الإعلام تفاصيله مباشرة. وغدا الطلاب يدفعون بأساتذتهم للحديث عن فلسطين بشكل غير مشوه، وفرضت الكوفية نفسها على واجهات كثير من المحلات، وأصبحت الأكثر مبيعا في كل أوروبا، في الوقت الذي أصبح العلم الصهيوني أو كل ما يشير إلى دولة الكيان عارا، واختفى حتى من أغلب محلات اليهود…! وأصبحت الدعاية من أجل السياحة في الكيان الفاشي، أو من أجل شركة طيران العال الصهيونية أمرا معيبا، واختفت الإعلانات السياحية للكيان من ممرات مترو الأنفاق، ومن على جوانب الحافلات والشوارع، بعدما كانت لا تغيب عن الأعين، وأصبح الصحافيون حتى الأشد صهيونية منهم، لا يستطيعون تجاهل مجازر الكيان واعتداءاته، كما كان يحدث من قبل، بل أصبح كثير منهم يدينون جرائم الكيان…
وختاما، ولأول مرة في العصر الحديث يكتب التاريخ مقهورون محاصرون مغلوبون على أمرهم، وهو ما يعني أن العالم بعد طوفان الأقصى قد تغير كثيرا، وتبدلت موازينه.

٭ كاتب وباحث لبناني يقيم في فرنسا



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *