«ميرامار» … الفساد السياسي والاجتماعي في زمن الانقلابات


القاهرة ــ «القدس العربي» : كتب نجيب محفوظ رواية «ميرامار» عام 1967، وهو عام مشهود في التاريخ المصري، عام النتيجة لانقلاب يوليو/تموز 1952. وتحولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 1969 أخرجه كمال الشيخ، وكتب له السيناريو والحوار، حسبما هو مكتوب في تيتر نسخة العرض ممدوح الليثي. ثم تحولت الرواية بعد ذلك عبر عدة معالجات قدمتها وسائط مختلفة كالإذاعة والمسرح، وحتى العرض الأوبرالي. وفي تجربة جديدة يتم تقديم الرواية من خلال العرض المسرحي الذي يحمل اسمها «ميرامار»، الذي عُرض على مسرح أكاديمية الفنون، ضمن عروض المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته التاسعة عشرة، ومن خلال فرقة (مشروع حلم) الذي يُعيد إنتاج وتقديم النصوص الكلاسيكية والأعمال المسرحية المستوحاة من الأدب المصري.
العرض أداء.. سهيلة الأنور (ماريان)، أحمد عباس (عامر وجدي)، أمير الصم (طلبة رضوان)، نغم صالح (زهرة)، فادي رأفت (سرحان البحيري) عبد الرحمن محسن (حسني علام)، أحمد نادي (منصور باهي)، نشوى علي (صفية)، حنين سعيد (درية)، ونيرة عبد العزيز (علية). دراماتورج سعيد سالمان. ديكور محمد هشام بندق. إضاءة أحمد طارق. موسيقى محمد الزمر ومهند أسامة. ملابس أميرة صابر. ماكياج نادين أشرف. إخراج أحمد الرمادي.

شخصيات اللحظة الفارقة

تتجسد شخصيات الرواية على اختلافها من خلال ما تحمله من تاريخ وأفق مستقبلي، ومنه ما تحمله من سمات وصفات الفئة الاجتماعية التي تنتمي لها وتمثلها، سواء انقضى زمنها وتحاول التعايش (عامر وجدي) الصحافي الوفدي، والإقطاعي السابق (طلبة رضوان)، أو تحلم بمستقبل مضمون (سرحان البحيري) أو مجرد الحلم (منصور باهي)، أو المنطقة الوسط عديمة التاريخ والمستقبل، وهي الشخصية الأكثر عبثية وضياعاً (حسني علام)، وفي الأخير (زهرة) الحالمة بعالم جديد وحياة جديدة تمتلك من خلالها شخصيتها وقرارها، لكنها تجد في المدينة مكاناً لاختبارات قاسية كحالة دائمة من الاستغلال بشكل آخر، أكثر من مجرد تزويجها غصباً في قريتها التي فرّت منها إلى الإسكندرية، تلك المدينة التي كانت تحمل تاريخاً من الحرية انقضى زمنه هو الآخر واستحال.
هذه الشخصيات تجمعها مصادفة المكان (بنسيون ميرامار) لصاحبته يونانية الأصل، ولكن في لحظة فارقة من تاريخ المدينة وشخوص المكان ــ بعد انقلاب يوليو 1952 ـ ليصبح بدوره ساحة للصراع بين الشخصيات وأفكارها، والأهم بين قدراتها وما تأمله، ومُقدراتها وفق الواقع الذي تعيشه.

التحولات الاجتماعية والفساد السياسي

ما بين المشكلات والمواقف الشخصية يصبح (سرحان) صاحب الأصول الريفية هو الممثل لجيل يوليو 52، من حيث التطلعات والانتهازية، التي لا تفارقه، خاصة وهو مِمَن لا أمل لهم في الحياة سوى تحقيق أهدافه من خلال حفظ الميثاق عن ظهر قلب، وترديد شعارات الانقلاب الجوفاء ليل نهار. الذي لا يتورّع عن السرقة والاختلاس في نهاية الأمر. هذا المتطلع الطبقي هو حلقة الوصل بين الشخصيات النسائية التي تمثل بدورها بيئات وفئات مختلفة.. (صفية) الراقصة، (زهرة) الخادمة، و(علية) المُدرسة ذات الثروة، التي سيقوم بخطبتها، فهي القادرة على تجميل مظهره الاجتماعي.
الانقلاب أيضاً ضرب الباقي من الشخصيات، من خلال قرارات التأميم، فجعل (طلبة) شبه مريض نفسي يشرب الخمر ويلعن يوليو والمجتمع، وأصاب (عامر) بالعزلة، فأفكاره وكلماته لن تجدي سمعاً وهو ابن الفترة الليبرالية، حيث تعدد الأحزاب وحرية الصحافة. وكذلك (حسني) الذي يجد في التأميم المزيد من الضياع، وحتى المعارضة تم ضربها في شخصية (منصور باهي) ورفاقه من اليسار المصري، ونظراً لكونه شقيق أحد ضباط الشرطة، فقد تم القبض على الجميع وتركه يعاني من تهمة سوء الظن بأنه خائن، إلا أن هذه الخيانة تتجسد في علاقته بزوجة أستاذه، فما كان يُنكره يحاول أن يهرب منه الآن.

العرض المسرحي

حاول العرض تجسيد كل هذه الأفكار، من خلال الشخصيات وحوارها وطريقة الأداء المُستمَدة من طبيعة الشخصية، التي على اختلافها تقع تبعات ما تعيشه وتعانيه على العهد الجديد ورجاله من العساكر. وكما في الرواية واستعراض الحدث من وجهات نظر الشخصيات المختلفة، يتم التأسيس وربط العلاقات بين الشخصيات من خلال (ماريان) صاحبة البنسيون التي تتصدر المشهد الافتتاحي، حيث لم يُغادرها الجمال بعد، والتي كانت تقيم العلاقات في السابق مع بعض الرواد كـ(طلبة) مثلاً، وتحلم بالزواج من (عامر)، ولا تتورع في أن تصبح قوادة مع (زهرة). ثم ومن خلال حفل أم كلثوم المعهود في الإذاعة، حيث تجتمع الشخصيات في صالة البنسيون، تتقدم كل شخصية وتستعرض حياتها، مع تكرار هذا المشهد من وجهة نظرها في وجود الشخصيات الأخرى، لتجسيد أكثر اللحظات الدرامية توتراً، وهنا مثلاً ظهر الكثير من توافق الأداء التمثيلي والحركي للممثلين، إضافة إلى إضاءة المشهد، وكأنها لقطات سينمائية مُحكمة، تم تصويرها ومونتاجها بدقة قبل عرضها.
هذه التكرارات من خلال وجهات النظر تتمثل ذروتها في مقتل (سرحان البحيري)، الذي يحاول (منصور) الثأر من نفسه في المقام الأول، فيدّعي أنه هو القاتل ـ كقربان خيانة ـ ولكن مع إعادة المشهد يتم اكتشاف انتحار سرحان قبل وصول منصور إليه، انتحاره هذا هو نتيجة اكتشاف أمره وأمر السرقة التي قام بها، هذا الابن البار للانقلاب وأكثر المستفيدين مما أحدثه في المجتمع، من اختلاق فئة انتهازية لا تجيد إلا التهليل له في كل مناسبة، ولكنها تحاول بدورها أن تحقق أقصى المكاسب ولو بالسرقة، تماماً كحال العصابة التي سرقت بلداً بالكامل.
الأمر الآخر اللافت في العرض هو إعطاء مساحة كبيرة لشخصيتي (منصور) و(حسني)، خاصة الأخير، وعالمه الضبابي في الرواية، والذي جاء باهتاً إلى حدٍ كبير في الفيلم السينمائي الشهير عن الرواية.

الديكور والإضاءة

ويأتي كل من الديكور والإضاءة كأهم أدوات العرض التي تم التعبير من خلالها عن فكرة العمل وعلاقات الأشخاص وما يدور في مخيلاتهم. فالمكان يتم تقسيمه وفق الحدث ووجهة نظر الشخصية، أقصى اليمين مثلاً كان كمقعد انتظار في محطة قطار، حيث لقاءات (منصور) و(درية) المتواترة، وبداية نشاة قصة الحب بينهما، مع إضاءة متبادلة بين الأخضر والأزرق، بينما أقصى اليمين يصبح منزل الراقصة (صفية) التي تلتقي كل من (سرحان)، ومن بعده (حسني) في إضاءة حمراء، وكأنه مكان لرغبات ومؤامرات. هذه الإضاءة أيضاً التي أحاطت بخلفية المسرح في العمق، لتمثل بيت الهوى الذي ذهب إليه (حسني) بعدما رفضته (زهرة). أما خارج الخشبة في الأسفل فيصبح مكاناً آخر تماماً، لا ينتمي للبنسيون أو الأماكن المغلقة، فهو الشارع الذي تتقابل فيه الشخصيات، بعيداً عن عيون الآخرين من أهل البنسيون ورواده.

ميرامار الآن

والتساؤل الذي يمكن أن يدور بعد العرض.. هل يمكن المقارنة مع الأخذ بالاعتبار بالاختلافات بين الانقلابات العسكرية في مصر؟ وهل يمكن عقد مقارنات بين جيل ثورة 1919 وجيل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011؟ فكم من عامر وجدي وسرحان البحيري نطالعهما الآن؟ وما بينهما من شخصيات مثل منصور باهي وحسني علام، وحتى طلبة رضوان الذي كفر بكل شيء ويرتعب من خيال أي عسكري. وحتى (زهرة) التي انتصر لها محفوظ، وجعلها تحلم بمستقبل لا تعتمد فيه إلا على نفسها بعيداً عن هؤلاء، حتى هذه الشخصية الآن لا تجد مثل هذه الثقة التي أعطاها لها محفوظ، وربما تجدها في لحظة حقيقية مستقبلاً.. ربما.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *