حين يصبح الجدار سريراً!


لم يختر هذا الطفل الجدار الأزرق ليتكئ عليه. لم يقل لأمه، قبل أن يغلبه النعاس: سأنام هنا قليلاً، ولم يحمل وسادته الصغيرة ويبحث عن الزاوية الأكثر دفئاً في البيت.
لم يكن ثمة بيت أصلاً في المشهد، ولا سرير، ولا غطاء يسحب إلى أعلى كتفيه حين يبرد، ولا يد أمّ تطفئ الضوء وتترك باب الغرفة موارباً كي لا يخاف. كان ثمة جدار. جدار أزرق من قماش الخيام، وأرض من تراب، وقطعة قماش صغيرة وضعها فوق رأسه، كأن الإنسان، حتى في أقسى لحظات الحرمان، يخترع لنفسه شيئاً يشبه السقف.
ثم نام، أو لعلّه لم ينم تماماً. لعلّ جسده الصغير استسلم فقط. ثمة فرق كبير بين طفل ينام وطفل يهزمه التعب. الأول يذهب إلى النوم مطمئناً لأن العالم سيظل في مكانه حتى الصباح، يعرف أين أمه، وأين ألعابه، وأين كوب الماء إن استيقظ عطشان، ويعرف، من دون أن يفكر في الأمر، أن السقف سيبقى فوق رأسه.
أما الثاني، فيغلق عينيه لأن جسده لم يعد قادراً على حمل يوم آخر.
في غزة، تغيّرت معاني الأشياء البسيطة إلى درجة مرعبة. البيت لم يعد بيتاً دائماً. والسرير صار امتيازاً. والماء رحلة. والطعام انتظاراً. والليل ليس موعداً للنوم، إنما وقت آخر ينبغي النجاة منه. حتى الطفولة، تلك الكلمة التي كنا نظنها عصيّة على السياسة والحروب، لم تعد تعني ما نعرفه.
ننظر إلى الطفل في الصورة، فنبحث تلقائياً عن الأشياء التي يفترض أن تكون حوله. أين وسادته؟ أين دميته؟ أين حذاؤه الصغير الملقى بإهمال قرب السرير؟ أين الرسومات التي علقتها أمه على الجدار؟ أين آثار أقلام التلوين التي ربما وبّخته لأنها تركتها على الأثاث؟
لكن الصورة لا تجيب. تتركنا أمام طفل، وتراب، وجدار من قماش. وهذا وحده كاف كي نشعر بالخجل من كل الأسئلة.
لا أعرف اسم هذا الطفل. وربما لهذا السبب يبدو كأنه يحمل أسماء أطفال كثيرين. يمكن أن يكون اسمه آدم، أو يوسف، أو عمر، أو محمد. يمكن أن تكون أمه قد اختارت اسمه قبل ولادته بأشهر، ورددته في سرّها وهي ترتب ثيابه الصغيرة. ربما اشترت له سريراً قبل أن يأتي إلى الدنيا، واختلفت مع والده على لونه، ثم ضحكا. ربما احتفظت بأول خصلة من شعره، وبأول صورة له، وبالحذاء الذي ارتداه حين بدأ يمشي. الأمهات يفعلن ذلك. يصنعن من التفاصيل الصغيرة أرشيفاً للحب.
لا تعرف الأم، وهي تطوي قميص طفلها، أن التاريخ قد يأتي ذات يوم ليفتح خزانتها بعنف، ويبعثر كل شيء. ولا تعرف وهي تضعه في سريره للمرة الأولى أنها قد تضطر يوماً إلى البحث له عن زاوية في خيمة كي ينام. الحرب لا تهدم البيوت وحدها. إنها تهدم العلاقة الطبيعية بين الإنسان والعالم. تجعل الأم عاجزة عن الوفاء بأبسط وعد غير مكتوب قطعته لطفلها يوم ولد: أن تحميه. وهل هناك وجع أكبر من أم تعرف أن طفلها متعب، ولا تستطيع أن تمنحه سريراً؟ أن تعرف أنه جائع، ولا تستطيع أن تطعمه كما تريد؟ أن تراه خائفاً، فيما هي نفسها خائفة؟
ربما اقتربت أم الطفل منه بعد دقائق. ربما رفعت رأسه عن الجدار، ومسحت التراب عن قدميه، وعدّلت قطعة القماش فوق رأسه كي تحميه من الشمس. وربما نظرت إليه طويلاً وهو نائم. ماذا تقول الأمهات في مثل تلك اللحظات؟ هل يعتذرن في سرّهن لأطفالهن عن عالم لم يصنعنه؟ هل يقلن: سامحني لأنني لا أملك لك أكثر من هذا؟ مع أنهن لا يحتجن إلى اعتذار. فالذي ينبغي أن يعتذر، ليس الأم التي عجزت عن إيجاد سرير لطفلها، بل عالم استطاع أن يشاهد طفلاً ينام بهذه الطريقة، ثم واصل يومه.
ذلك هو الجزء الأكثر قسوة. أن تتحول المأساة، مع الوقت، إلى مشهد مألوف. أن نمرر أصابعنا فوق الشاشة، طفل جائع، طفل يحمل الماء، طفل يبحث بين الركام، طفل ينام على التراب. نتألم، نكتب جملة، نضع قلباً مكسوراً، ثم ننتقل إلى صورة أخرى. ليس لأننا بلا قلوب، بل ربما لأن القلب البشري نفسه لا يعرف كيف يستوعب هذا القدر من الألم المتكرر. لكن الأطفال لا يعيشون المأساة كصور متلاحقة، هم يعيشون الساعات بين صورة وصورة. يعيشون الليل الذي لا نراه، والجوع الذي لا تسمعه الكاميرا، والخوف بعد انتهاء التسجيل، والحرّ داخل الخيمة، والبرد حين يتبدل الفصل.

متى نعود إلى البيت؟

السؤال الذي قد يطرحه طفل قبل النوم ولا يعرف الكبار كيف يجيبون عنه: متى نعود إلى البيت؟ أي بيت؟
ذلك السؤال وحده قادر على كسر القلب. فالبيت بالنسبة إلى الطفل ليس حجارة. البيت هو رائحة أمه في المطبخ، صوت أبيه، مكانه المحفوظ على الأريكة، كوب يعرف أنه له، باب يستطيع أن يغضب ويغلقه، نافذة يعرف المشهد خلفها.
حين يفقد الطفل بيته، يفقد الخريطة الأولى التي تعلّم من خلالها معنى الأمان. ولهذا يبدو الجدار الأزرق في الصورة أكبر من جدار.
إنه الحد الفاصل بين طفولة كان يجب أن تكون، وطفولة فرضتها الحرب. على الجهة التي كان ينبغي أن يعيش فيها، ثمة سرير ووسادة وحكاية قبل النوم. وعلى هذه الجهة، ثمة تراب. ومع ذلك، ينام الطفل. وهنا تحديداً تصبح الصورة أكثر إيلاماً. لأن الأطفال قادرون على التكيّف مع أشياء لا ينبغي لأي طفل أن يتكيف معها. قد يحوّلون حجراً إلى لعبة، وخيمة إلى بيت، وقطعة قماش إلى وسادة، وقد يضحكون بعد دقائق من الخوف. وذلك لأن الطفولة تمتلك غريزة عنيدة للحياة.
لكن علينا ألا نخطئ في فهم تلك القدرة، تأقلم الطفل مع القسوة لا يجعل القسوة طبيعية، ابتسامته لا تعني أنه بخير، ونومه قرب جدار لا يعني أنه وجد مكاناً مناسباً للنوم.
يعني فقط أنه تعب… تعب جداً.
بعد سنوات، حين يكبر أطفال تفاصيل المفاوضات التي ملأت نشرات الأخبار، سيتذكر الجسد، وقد يتذكر أحدهم ملمس التراب تحت قدمه، وقد يتذكر آخر صوتاً كان يجعله يركض، وقد يتذكر طفل قطعة قماش كان يضعها فوق رأسه كي تحميه من الشمس. وقد يتذكر جداراً أزرق نام مستنداً إليه ذات ظهيرة، حين كان صغيراً إلى درجة أنه لم يكن يفترض أن يعرف من العالم سوى اللعب.
وهنا تصبح مسؤوليتنا أكبر من الحزن. لأن الأطفال لا يحتاجون شفقتنا فقط. يحتاجون أن نعترف بحقهم البديهي في حياة عادية، نعم، عادية.
كم تبدو كلمة «عادية» فاخرة أمام هذه الصورة. أن يستيقظ طفل ويتذمر لأنه لا يريد الذهاب إلى المدرسة. أن يرفض طعامه لأنه لا يحبه. أن يطلب لعبة جديدة رغم أن غرفته مليئة بالألعاب. أن يركض في البيت فتصرخ أمه: «اهدأ قليلاً!» أن يغضب لأن موعد نومه جاء باكراً.
تلك التفاصيل التي تبدو تافهة هي في الحقيقة شكل من أشكال السلام… من حق أطفال غزة أن تكون لهم مشاكل صغيرة، مشاكل بحجم أعمارهم، لا أن يحملوا أسئلة أكبر من أجسادهم، ولا أن يتعلموا أسماء الأشياء التي يخاف منها الكبار قبل أن يتعلموا أسماء الألوان، أنظر مرة أخرى إلى الطفل المستند إلى الجدار. يده الصغيرة مرتخية إلى جانبه، ورأسه انحنى كأن التعب أثقل من أن يحمله عنقه.. وأفكر أن البشرية، بكل ما اخترعته من مدن شاهقة وطائرات وتقنيات وذكاء اصطناعي، لم تنجح بعد في أبسط امتحاناتها: أن تترك طفلاً طفلاً.
لا أريد لهذا الطفل بطولة، لا أريده رمزاً للصمود، ولا أريده شاهداً صغيراً على مأساة كبيرة، أريده فقط أن يستيقظ ذات صباح في مكان آمن، وأن يجد ماءً حين يعطش، وطعاماً حين يجوع، وسريراً حين يتعب.
أريده أن يخلع قطعة القماش عن رأسه لأنها لم تعد ضرورية، وأن يركض حافي القدمين، لا هرباً من شيء، بل خلف كرة.
وحين يأتي الليل، أريده أن يسمع صوتاً يقول له: نم. لا شيء سيحدث الليلة. ثم يغمض عينيه، لا لأن التعب هزمه، بل لأنه طفل، وقد حان موعد النوم.

 كاتبة لبنانيّة



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *