لم يكن البيان المشترك الصادر عن الاتحادات الأوروبية والآسيوية واتحاد كونكاكاف مجرد رسالة احتجاج عابرة، ولا مجرد اعتراض على مشروع استثماري سَحَبه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جاني إنفانتينو في اللحظة الأخيرة. ما صدر هو، في جوهره، رسالة سياسية قوية إلى الرجل الذي أمسك بمفاتيح الفيفا لسنوات، مفادها أن سلطتك لها حدود، وأن كُرةَ القدم ليست ملكية شخصية، مهما اتسع نفوذك ومهما كبرت شبكة تحالفاتك، وحتى وإن تدخل الرئيس الأمريكي ترامب واعتبر «استبدال جياني اينفانتينو خطأ فادحا» على حد تعبيره، وهو التصريح الذي جعل المعركة أكبر بكثير من مشروع استثماري تم سحبه.
فالقيادة، كما يقول البيان، ليست احتفاظاً بالسلطة ولا حقا في التصرف بها كما يشاء صاحبها. وعندما تُفقد الثقة بسبب الخداع، وعندما يضع فردٌ نفسه فوق الجماعة التي منحته السلطة، فإنه يكون قد تخلّى عن جوهر الأمانة التي أُوكلت إليه. لقد كان بإمكان إنفانتينو أن يقدّم مشروعه الاستثماري باعتباره محاولة لتأمين موارد إضافية وتطوير كرة القدم العالمية، وكان بإمكانه أن يقول إنّ إشراك القطاع الخاص لا يعني بيع الفيفا أو رهن كأس العالم، وإن الحصص المقترحة لن تمنح المستثمرين السيطرة على المؤسسة، لكن المشكلة لم تكن فقط في ماذا أراد إنفانتينو أن يفعل، بل في كيف أراد أن يفعله.
عندما يشعر شركاء المؤسسة بأن قرارات استراتيجية تمسُّ أهم أصول كرة القدم العالمية تُناقش بعيداً عنهم، فإن الأزمة تتحول فوراً من خلاف تجاري إلى أزمة ثقة، ولهذا فإن سحب المشروع لم يكن نهاية الأزمة، بل ربما كان بداية الأزمة الحقيقية لأن السؤال الذي بقي بعد سحب المشروع هو: لماذا وصل الأمر أصلاً إلى هنا، وهل بات إنفانتينو أمام أخطر امتحان منذ وصوله إلى رئاسة الفيفا، حيث نجح في بناء نفوذ سياسي واسع، واستطاع توسيع دائرة تحالفاته خارج أوروبا، كما استفاد من التغييرات التي أدخلها على مسابقات الفيفا وزيادة عدد المنتخبات في كأس العالم وتوسيع مصادر الإيرادات.
لقد أصبح إنفانتينو واحداً من أقوى الشخصيات في الرياضة العالمية، لكن القوة نفسها يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف عندما تبدأ المؤسسات التي منحتك تلك القوة في الشعور بأنك أصبحت أقوى منها، وهذا بالضبط ما يجعل البيان الأخير خطيراً، لأن أوروبا لم تتحدث وحدها، و آسيا لم تتحدث وحدها، كونكاكاف لم يتحدث وحده، بل ثلاثة مراكز قوة كروية كبرى قررت أن تقول علناً إن هناك مشكلة في طريقة إدارة السلطة داخل الفيفا، حتى أصبحت رئاسة الفيفا أكبر من الفيفا نفسها، بعد أن تحول رئيس مؤسسة رياضية عالمية إلى لاعب سياسي واقتصادي يتفاوض مع الحكومات والشركات والمستثمرين، ويعيد رسم خريطة البطولات ومواعيدها وحقوقها التجارية، بعيدا عن مؤسسات قوية قادرة على مراقبته ومساءلته.
هؤلاء وأولئك قالوا لاينفانتينو إن الفيفا ليست شركة خاصة، وإن كأس العالم ليس أصلا تجاريا عاديا.
إنها ملكية رمزية ورياضة جماهيرية تتجاوز قيمتها الاقتصادية حدود الأرقام، ومن حق الاتحادات الوطنية والقارية أن تسأل: من قرر؟ وكيف قرر؟ ومع من تشاور؟ ومن يملك الحق في التصرف في المستقبل التجاري للعبة؟ ومن حقها أن تتهمه بتجاوز الخطوط الحمراء وتطالب برحيله، بعد أن فقد ثقتها، لهذا كانت كلمات الاتحادات الثلاثة قاسية عندما تحدثت عن «انتهاك أساسي للثقة»، وهي ليست مجرد عبارة دبلوماسية، بل اتهام سياسي وأخلاقي قبل أن يكون إدارياً.
إنفانتينو يستطيع سحب المشروع… لكنه لا يستطيع سحب السؤال ولا امتصاص الغضب ولا حتى إزالة الشكوك في أوساط اتحادات قارية كبرى قررت كسر حاجز الصمت، لأن لا أحد فوق اللعبة، وإنفانتينو ليس الفيفا، والفيفا ليست كرة القدم، وكأس العالم ليس ملكاً لرئيس الاتحاد الدولي، وكرة القدم أكبر من الجميع:
أكبر من إنفانتينو، وأكبر من أي رئيس اتحاد قاري، وأكبر من أي مستثمر أو شركة أو شبكة تلفزيونية. إنها منظومة تضم مئات الاتحادات، وآلاف الأندية، وملايين اللاعبين، ومليارات المشجعين، ومن يترأس هذه المنظومة يجب أن يدرك أن المنصب أمانة وليس امتيازاً، ومسؤولية وليس ملكية.
ولذلك فإن أخطر ما في البيان المشترك ليس ما قاله عن المشروع الذي تم سحبه، وإنما ما قاله عن مفهوم السلطة عندما أشار الى أن «القيادة ليست ملكية»، ومن هنا، فإن المعركة المقبلة لن تكون على مشروع استثماري سُحب، بل ستكون على شيء أكبر بكثير، هو رئاسة الفيفا ومن يملك القرار في كرة القدم العالمية، ومن يراقب من يملك هذا القرار.
إعلامي جزائري