تعذر البت يثير الجدل حول مسؤولية البرلمان والمحكمة الدستورية



عبد العزيز بنعبو

الرباط – «القدس العربي»: تلقّى أصحاب «البذلة السوداء» قرار «المحكمة الدستورية» بشأن دستورية القانون المنظم لمهنة المحاماة باستغراب، بعدما استغرق الرد ما يقارب شهرا كاملا، لينتهي الأمر بإعلان تعذر البت في القضية. وقد أثار القرار انتقادات طالت كلا من رئاسة مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي) والمحكمة نفسها، كما دفع هيئات الدفاع إلى التساؤل عما إذا كان الخطأ المرتكب متعمدًا أم عرضيًا. كما انتقدت هذه الهيئات صمت المحكمة طوال شهر بأكمله، في ظل الشلل الذي تشهده المحاكم، معربة عن استغرابها من عدم لجوئها إلى استدراك النقص عبر طلب النسخة النهائية من القانون.
وأعلنت «المحكمة الدستورية» تعذر البت في دستورية مشروع القانون بسبب وجود عيوب شكلية في مسطرة الإحالة التي تقدم بها رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي. وأوضحت أن ملف الإحالة لم يتضمن النص النهائي للقانون كما صادق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 تموز/ يوليو 2026، بل اقتصر على تقرير لجنة العدل ومشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب.
وجاءت إحالة القانون إلى «المحكمة الدستورية» في سياق أزمة مستمرة بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي تعترض على عدد من مقتضياته وتعتبر أنها تمس استقلالية المهنة وبعض ضماناتها الأساسية. كما انتقدت طريقة إعداد المشروع، مؤكدة أن تعديلات مهمة أُدخلت عليه دون توافق كاف مع الهيئات المهنية المعنية.
وتصاعد التوتر بين الطرفين بعد تمسك وزارة العدل بمواصلة المسار التشريعي للقانون، ما دفع المحامين إلى خوض أشكال احتجاجية متعددة، من بينها التوقف عن تقديم عدد من الخدمات المهنية والمساعدة القضائية ومقاطعة صناديق المحاكم، الأمر الذي أثّر بشكل واضح على سير المرفق القضائي.
واعتبرت «جمعية هيئات المحامين بالمغرب» أن قرار المحكمة الدستورية يثير مسؤولية مباشرة لرئاسة مجلس النواب، مشددة على أن الخلل الذي شاب الإحالة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد سهو إجرائي عابر بالنظر إلى طبيعة المسطرة الدستورية وحساسية القانون موضوع الجدل. كما عبّرت عن استغرابها من عدم تدارك النقص عبر طلب الوثيقة المطلوبة، خاصة أن المحكمة سبق أن سلكت هذا المسار في ملفات أخرى.
وتداخلت الأبعاد السياسية والمهنية في النقاش الدائر حول القرار، بالنظر إلى أن عددا من القيادات الحزبية يمارسون مهنة المحاماة. ومن بين هؤلاء إدريس لشكر، الكاتب الأول (الأمين العام) لحزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، الذي اعتبر أن القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة سيصبح نافذًا بعد استيفاء شروطه القانونية ونشره في الجريدة الرسمية، مؤكدًا أن قرار المحكمة الدستورية احترم المقتضيات القانونية والآجال المنصوص عليها.
في المقابل، كانت أمينة ماء العينين، القيادية في حزب «العدالة والتنمية» والمحامية، من أكثر المنتقدين لما حدث. واعتبرت أن الواقعة تمثل «فضيحة جديدة» تضاف إلى سجل الأغلبية الحكومية، مبرزة أن رئيس مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) أحال تقرير لجنة المستشارين ومشروع القانون دون إرفاق النسخة النهائية المصادق عليها، وهو ما أدى إلى قرار المحكمة بتعذر البت. كما استغربت وقوع مثل هذا الخطأ من مؤسسة يُفترض أنها تتوفر على خبرة قانونية وإدارية كبيرة، متسائلة عما إذا كان الأمر يتعلق بسهو غير مقصود أم بخطأ جسيم يصعب تبريره بالنظر إلى حساسية الملف والاحتقان الذي يرافقه. وتساءلت أيضا عن أسباب استغراق المحكمة الدستورية شهرا كاملا قبل إصدار قرارها، وعن سبب عدم مطالبة الجهة المحيلة باستكمال الوثائق المطلوبة كما حدث في سوابق أخرى.
وانتقدت ماء العينين كذلك عدم إشعار رئيس مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) بضرورة تصحيح المسطرة في وقت مبكر، مُعتبرةً أن ذلك كان من شأنه الحفاظ على الزمن المؤسسي وتجنب المزيد من التوتر. كما حمّلت الحكومة جانبًا من المسؤولية السياسية عن استمرار حالة الشلل داخل المحاكم وما يترتب عنها من أضرار للمتقاضين.
وفي تدوينة لاحقة على شكل رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، دعت ماء العينين إلى إعادة إحالة القانون على المحكمة الدستورية بعد تصحيح المسطرة، مذكّرة بتعهدات سابقة بتهدئة الاحتقان القائم مع المحامين، ومحذرة من استمرار تدبير الأزمة بالطريقة نفسها.
كما دخلت النائبة البرلمانية عن حزب «فدرالية اليسار الديمقراطي» المعارض، فاطمة التامني على خط النقاش، معتبرة أن أي خلل في إحالة القانون إلى المحكمة الدستورية تتحمل مسؤوليته المؤسسة البرلمانية، التي تبقى مطالبة بتوضيح ملابسات ما حدث للرأي العام. ودعا الحقوقي والمحامي مصطفى المانوزي «جمعية هيئات المحامين» إلى التحرك من أجل استكمال الرقابة الدستورية على القانون رقم 66.23، معتبرًا أن قرار المحكمة لا يشكل نهاية للمسار بل يفتح الباب أمام استكماله بصورة سليمة. وحذر من أن يؤدي الخطأ الإجرائي إلى حرمان المحكمة من فحص قانون أثار نقاشا واسعا داخل المهنة، داعيًا إلى مخاطبة رئيس مجلس النواب من أجل إعادة إحالة النص مرفقا بصيغته النهائية قبل استكمال مسطرة إصداره. وأكد أن الهدف ليس التأثير على قرار المحكمة، بل تمكينها من ممارسة اختصاصها الكامل في مراقبة مدى مطابقة القانون للدستور.
وفي انتظار موقفها الرسمي، أعلنت «جمعية هيئات المحامين» على لسان عضوها عمر بنجلون أنها ستناقش تداعيات القرار خلال اجتماعاتها المقبلة. وقال في تصريح لصحيفة «صوت المغرب» إن الهيئة لم تحسم بعد في الخطوة التالية التي ستتخذها. أما النقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين، فقد اعتبر أن قرار المحكمة يضع البرلمان أمام مسؤولية مؤسساتية واضحة، داعيا إلى التحقيق في ملابسات هذا الخلل وعدم التعامل معه باعتباره مجرد حادث عرضي بالنظر إلى حساسية القانون وأثره على حقوق الدفاع.
وشدد الزياني متحدثًا لموقع «اليوم 24» على أن معالجة الوضع تقتضي تصحيح المسار وإعادة إحالة القانون وفق الأصول الدستورية المعمول بها، مؤكدًا أن احترام المؤسسات يبدأ من احترام القواعد والإجراءات المنظمة لعملها. كما أوضح أن توقف المحامين عن العمل لا يرتبط بنتيجة قرار المحكمة الدستورية وحدها، مشيرًا إلى أن الأخيرة لم تحسم بعد في دستورية القانون، الأمر الذي يجعل الجدل القانوني والسياسي حوله مفتوحًا إلى حين استكمال المسطرة الدستورية المطلوبة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *