ترامب عدو نفسه في إيران وعليه الاختيار بين المواجهة أو المصالحة.. أما التذبذب فهو وصفة لحرب أبدية


لندن- “القدس العربي”: قال المعلق في صحيفة “واشنطن بوست”، ماكس بوت، إن أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتقلب في حرب إيران مصيره الفشل، ذلك أن ترامب يقوض تهديداته ويخرب المفاوضات التي يدعو إليها ويرعاها.

وقال بوت إن الحرب غير المبررة مع إيران تستمر بلا نهاية تلوح في الأفق، وبعد مرور أكثر من خمسة أشهر على اندلاعها، هناك عدة أسباب قادت إلى هذا المأزق، إلا أن السبب الأكبر وراء هذا هو نهج الرئيس دونالد ترامب المتناقض، فهو يتأرجح بين المصالحة والمواجهة، فيشيد بالقادة الإيرانيين تارة واصفًا إياهم بـ”العقلانيين جدًا”، ثم يصفهم بـ”الحثالة”، بشكل متكرر ومنتظم.

وأضاف بوت أن ترامب تعهد منذ بدء الحرب، سبع مرات على الأقل بشن هجمات مدمرة قبل أن يعلن أنه سيمنح المفاوضات فرصة أخرى. وآخر مرة، وفي 1 آب/أغسطس، كتب على وسائل التواصل الاجتماعي أن “الولايات المتحدة الأمريكية على أهبة الاستعداد لمواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بمستويات من الإرهاب العسكري والقوة لم تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية”، لكنه أضاف أنه “سيؤجل أي هجوم” لأنه “تم الاتفاق على بنود الاتفاق”. ويبدو أن هذا المنشور كان يشير إلى الاتفاق المبدئي بين إيران وعمان لإعادة فتح مضيق هرمز، بحيث تمر حركة الملاحة القادمة عبر المياه الإقليمية الإيرانية وحركة الملاحة المغادرة عبر المياه العمانية.

ترامب تعهد منذ بدء الحرب، سبع مرات على الأقل بشن هجمات مدمرة قبل أن يعلن أنه سيمنح المفاوضات فرصة أخرى

ولكن مسؤولًا إيرانيًا بارزًا زاد من تعقيد المفاوضات يوم السبت بمطالبته الولايات المتحدة، مقابل إعادة فتح المضيق، برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران وفك تجميد الأصول الإيرانية وإنهاء الحصار المفروض على الملاحة الإيرانية.

ويعلق بوت أنه لو وافقت الولايات المتحدة على المطالب الإيرانية، التي تشبه تلك الواردة في مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين في حزيران/يونيو، فمن المرجح أن يزداد عدد السفن العابرة للمضيق، وبدون أن يقود ذلك إلى سلام دائم على الأرجح.

ذلك أن الاتفاق لن يحل مشكلة البرنامج النووي الإيراني، وهو المبرر الظاهري لشن الحرب في المقام الأول.

كما أن السلام الدائم لن يتحقق أبدًا لأنه لن يحل الخلاف الأساسي حول ما إذا كان سيسمح لإيران بالسيطرة على الممر المائي الدولي الذي كان مفتوحًا سابقًا إلى أجل غير مسمى وفرض رسوم مقنعة تحت مسمى “رسوم استخدام”.

وقد انهارت مذكرة التفاهم السابقة بين الولايات المتحدة وإيران بسبب هذه المسألة تحديدًا، حيث كانت إيران مقتنعة بأن الاتفاق يلزم جميع السفن بالمرور عبر نقاط تفتيشها، بينما كانت الولايات المتحدة مقتنعة بأن السفن تستطيع المرور عبر المياه العمانية.

وقد هاجمت إيران السفن التي سلكت الطريق العماني، مما أدى إلى تجدد الصراع الذي تضمن هجومًا إيرانيًا داميًا على قاعدة أمريكية في الأردن، وردًا على ذلك، قصفًا أمريكيًا ضد أهداف في إيران.

وقال بوت إن المشكلة الأساسية في كل ما يحدث هي أن كلًا من إيران والولايات المتحدة تعانيان من انقسام في القيادة، وعدم وضوح الأهداف. ففي إيران، يوجد انقسام بين المتشددين في الحرس الثوري الإسلامي، الذين يرغبون في مواصلة القتال، وقادة أكثر براغماتية، يريدون إنهاء الحصار ورفع العقوبات الأمريكية لتمكين الاقتصاد الإيراني من التعافي. وعادة ما يتولى المرشد الأعلى الفصل في هذه النزاعات، لكن إسرائيل اغتالت آية الله علي خامنئي، المرشد السابق، أما خليفته، مجتبى خامنئي، فمختبئ ومن الصعب الوصول إليه.

أما في الولايات المتحدة، فيتمتع “المرشد الأعلى”، الرئيس ترامب، بسلطة مطلقة على السياسة الخارجية، لكنه يتأرجح بين عقد الصفقات وشن الحروب، مما يقلل من فرص نجاحه في كل ما يسعى إليه. ويبدو أن الإيرانيين لم يعودوا يخشونه لكثرة تهديداته التي لم ينفذها. وهل تذكرون عندما توعد في 22 يوليو/تموز بـ”قصف وتدمير جسر أو محطة توليد طاقة” مقابل كل سفينة شحن تهاجمها إيران في مضيق هرمز؟ تعرضت ثلاث سفن على الأقل للهجوم منذ ذلك الحين دون أن ترد الولايات المتحدة.

ولم يعد الإيرانيون يخشون ترامب لكثرة تهديداته وتراجعه، كما لا يثقون به أيضًا لعقد اتفاقية تستمر دون انتهاك منه. ففي 22 تموز/يوليو أعلن ترامب عن اتفاقية نووية مع السعودية لينقضها في اليوم التالي، بعد ربطه الاتفاقية بموافقة الرياض على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. ويبدو أن شروط الرئيس اللاحقة كانت رد فعل على انتقادات الجمهوريين المتشددين للاتفاق. وبالمثل، كلما مال ترامب نحو اتفاق مع إيران، يتراجع بسبب انتقادات نفس المجموعة من المتشددين.

ويعتقد بوت أن ترامب هو عدو نفسه، عندما يتعلق الأمر بالحرب مع إيران. وعليه أن يختار نهجًا واحدًا، إما المواجهة أو المصالحة، وأن يلتزم به بثبات لعدة أشهر.

ويظل نهج المصالحة، الذي يستند إلى مذكرة التفاهم السابقة، الخيار الأمثل حاليًا رغم صعوبة التوصل إلى اتفاق مع القيادة الإيرانية المنقسمة.

ومع ذلك سيجبر إدارة ترامب على اعتراف مذل بنوع من السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز. لكن ترامب يفتقر إلى الدعم السياسي في الداخل لتصعيد الحرب أو لتحمل الصدمات الاقتصادية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، وربما مضيق باب المندب أيضًا. وقد أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة سي إن إن قبل فترة أن 28% فقط من الأمريكيين راضون عن تعامل ترامب مع الحرب الإيرانية. وتخيلوا مدى انخفاض هذا الدعم إذا تكبدت الولايات المتحدة، التي فقدت بالفعل 18 جنديًا، المزيد من الخسائر. علاوة على ذلك، تعاني وزارة الدفاع من نقص حاد في الصواريخ اللازمة لمحاربة إيران، أو أي خصم آخر.

ومع ذلك هناك ما يدعم النهج المتشدد، أي فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية لأجل غير مسمى، على أمل أن تجبر الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في إيران قادتها على تبني نهج أكثر مرونة.

ومن المرجح أن يكون هذا النهج أكثر فعالية من مجرد قصف المزيد من الأهداف في إيران. لكنه يتطلب إقناع الناخبين، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، بتحمل ارتفاع أسعار النفط والتضخم.

ولكن النهج الوحيد المحكوم عليه بالفشل هو الذي يتبعه ترامب الآن: التذبذب بين الحرب والسلام والتهديدات والمفاوضات والخطابات الرنانة والتملق، وقد يظن أن هذا هو “فن التفاوض”، لكنه في الواقع، كما أظهرت الأشهر الخمسة الماضية، مجرد وصفة لصراع لا نهاية له وغير حاسم، وبعبارة أخرى “حرب أبدية”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *