من السابق لأوانه معرفة ما دار أمس في الغرفة المغلقة بين ترامب ونتنياهو. في كل الحالات، يجب عدم المبالغة في تفسير تصريحات الرئيس الأمريكي. ولكن الأجواء في واشنطن، عشية زيارة رئيس الحكومة للبيت الأبيض، كانت متوترة جداً.
حسب تقارير أمريكية وإسرائيلية، لم يكن ترامب متحمساً لاستقبال نتنياهو، ولم يوافق إلا بعد وصول نتنياهو إلى واشنطن للمشاركة في جنازة السيناتور الجمهوري لندسي غراهام. يرى نتنياهو أن هذا اللقاء مهم جداً لاعتبارات استراتيجية (أمله في التأثير على التحركات في إيران)، ولاعتبارات حملته الانتخابية (التأكيد على علاقته الشخصية مع ترامب).
تبدو تصريحات ترامب، بقدر ما يمكن الاستنتاج منها، وكأنها تعكس تباعداً في المواقف بين أمريكا وإسرائيل، ورغبة المستضيف في الظهور بأنه غير متأثر بشكل مفرط بمواقف الضيف. وفي سياق آخر، صرح ترامب هذا الأسبوع بأنه وحده الذي سيقرر إذا كان سيتم تزويد تركيا بطائرات “إف 35” المتقدمة، رغم تحفظ نتنياهو العلني.
من السابق لأوانه الإعلان عن تأبين نفوذ نتنياهو في واشنطن. فقد سبقت كل زيارة له للولايات المتحدة تنبؤات متشائمة في هذا الشأن، ولكن معظم الحالات أظهرت أن ترامب وافق على توصيات نتنياهو في نهاية المطاف.
لكن الأحداث هذه المرة تدور حول ما حدث قبل خمسة أشهر، وبالتحديد قرار ترامب في نهاية شباط شن حرب ثانية ضد إيران، بتأثير من نتنياهو الذي روج له أيضاً خطة إسقاط نظام طهران بمساعدة الموساد والمليشيات الكردية. وقد أدى هذا التحرك إلى تورط الولايات المتحدة في الخليج لفترة طويلة، الأمر الذي ما زال الرئيس يواجه صعوبة في الخروج منه، مما أثر سلباً على العلاقات بين الدولتين.
أجريت مع ترامب مقابلة في “فوكس نيوز” قبل بضع ساعات على لقائه مع نتنياهو، وسئل عن التقارير التي تقول بأن الضيف سيطلعه على معلومات استخبارية جديدة حول تحركات إيران في “جبل الفأس” في إطار المشروع النووي. رد الرئيس بشدة وقال إن جبل الفأس ليس مشكلة كبيرة، وإن نتنياهو يتحدث معه عنه فقط لأنه “يريد التدخل”.
وأضاف ترامب: “أعرف ما يجري هناك بالضبط”. وأكد أن المفاوضات مع إيران ستستمر. كانت الرسالة هذه المرة واضحة وحاسمة: الولايات المتحدة في الوقت الحالي تعطي فرصة جديدة للتوصل إلى اتفاق. ترامب لا يتبنى نصائح نتنياهو، ولا يتلقى منه أي توجيهات.
حتى لو كانت هذه هي الحال، ما زال لإسرائيل مجال نفوذ محتمل على الأمريكيين. في ظل غياب هجوم عسكري جديد، يبقى السؤال مطروحاً حول إجراءات الضغط الاقتصادي التي يمكن الاستمرار في استخدامها على نظام إيران (مثلاً من خلال حصار جنوب مضيق هرمز)، وما الذي يجب التصميم عليه في المفاوضات النووية.
في غضون ذلك، يبدو أن الطرف الإسرائيلي يرتكب الكثير من الأخطاء. أمس، كان وزير الدفاع يسرائيل كاتس ضيفاً على مؤتمر للقناة 14، يبدو أنه متأثر بالأجواء المتعاطفة المحيطة به، قرر أنه يحق له ارتكاب مخالفة رقابة. فقد صرح كاتس بأن بعض الطائرات الأمريكية التي شاركت في الهجمات الأخيرة ضد إيران، انطلقت من قواعد تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي.
ربما يفكر كاتس في الانتخابات التمهيدية، ويحتاج إلى التميز وسط حشد كبير من المرشحين المتنافسين على تأييد أعضاء الليكود. ولكن الضرر الناتج عن تصريحه لا يقتصر على اعتبارات أمن المعلومات. يبدو، للمرة الثانية، أن الحكومة، بما في ذلك محيط رئيس الحكومة ووزير الدفاع، تستفز إيران، في محاولة لجرها إلى مهاجمة إسرائيل، لإيجاد مبرر إسرائيلي للرد بموافقة أمريكية.
تلميح للعنف
لم تكن هذه الخطوة الوحيدة التي اتخذها كاتس أمس، والتي ظهرت متأثرة باعتبارات سياسية. فقد عقد وزير الدفاع لقاء للتشاور مع كبار المسؤولين الأمنيين، وأصدر بعده بياناً أعلن فيه عن سلسلة إجراءات هجومية إضافية في الضفة الغربية، عقب حادثة تل الجمعة الماضي، التي نتج عنها قتل إسرائيليين اثنين وأربعة فلسطينيين.
أصدر كاتس تعليماته للجيش لاحتلال مخيم آخر للاجئين في الضفة الغربية وإخلاء سكانه، وهذه خطوة إشكالية جداً من منظور القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، أمر برفع القيود المفروضة على يانون دارديك، وهو مستوطن يشتبه في تورط في أعمال عنف خطيرة ضد الفلسطينيين.
تكمن خلفية التوترات الأخيرة، والحادثة التي وقعت في منطقة نابلس، في تصعيد متواصل بين المستوطنين في المزارع والبؤر الاستيطانية وبين سكان القرى الفلسطينية المجاورة. يفترض أن يكون ذلك محفزاً لاتخاذ موقف صارم ضد المتطرفين اليهود، لكن كاتس يرى خلاف ذلك؛ فعند توليه لمنصبه في نهاية 2024، كوريث ليوآف غالانت، كان قراره الأول إلغاء الاعتقال الإداري لليهود في الضفة الغربية. صحيح أن الاعتقال الإداري خطوة إشكالية، ولكن قرار استمرار اعتقالات واسعة النطاق ضد الفلسطينيين مقارنة مع استثناء شامل لليهود، يعكس تمييزاً عنصرياً واضحاً.
ربما عدم امتلاك جهاز “الشاباك” الصلاحية لإصدار أوامر اعتقال إداري، حاول اللجوء إلى أساليب ملتوية، فأصدر أوامر تقييد حركة وأوامر إبعاد عن المنطقة ضد النشطاء الذين يعتبرون خطرين. هذا ما حدث في قضية دارديك، حيث تم وضعه في السجن بسبب مخالفته لأمر الإبعاد الذي صدر ضده.
قرر كاتس، الذي التقى مع المستوطن هذا الأسبوع، أن هذا تجاوز للحدود، وأعلن عدم تمديد الأمر، رغم أن التوقيع عليه من مسؤولية قائد المنطقة الوسطى. مع تجاهل العنف اليهودي، ليس عجيباً أن يشعر النشطاء الإرهابيون في المستوطنات بالأمان ويستمرون في نشاطاتهم.
عاموس هرئيل
هآرتس 29/7/2026