بين تآكل النظام الأمريكي وتحدٍ إقليمي جديد


تعكس ردود الفعل في إيران على الاتفاقية الأمنية بين السعودية وتركيا وباكستان نهجًا حذرًا ومعقدًا تجاه تداعياتها. في هذه المرحلة، لا يرى معظم المعلقين أنها تشكل تحالفًا عسكريًا متماسكًا مناهضًا لإيران، أو “حلف ناتو إسلامي” قادرًا على تغيير موازين القوى الإقليمية. ويؤكد هؤلاء المعلقون على الفجوات بين السعودية وتركيا وباكستان، والغموض المحيط بالتزاماتها العسكرية. مع ذلك، يرى آخرون في الاتفاقية تعبيرًا عن تغيير أوسع في بنية الأمن الإقليمي: تحول من الاعتماد شبه الحصري على الولايات المتحدة إلى شبكات أمنية إقليمية أكثر تنوعًا. تعكس ردود الفعل على الاتفاقية الانقسام السياسي في طهران: إذ تُقدّمها الأوساط الراديكالية كدليل على فشل الردع الأمريكي ونجاح إيران في تقويض النظام الإقليمي القديم. في المقابل، تُحذّر الأوساط الأكثر واقعية من التكاليف الاستراتيجية لاستمرار السياسة الإيرانية الحالية، والتي قد تُشجّع على تشكيل نظام أمني إقليمي يُشكّل تحديًا لإيران.

لقد أثارت اتفاقية الدفاع المشترك، المُوقّعة في 7 آب بين التحالف العربي السعودي التركي الباكستاني، جدلًا واسعًا في إيران، على الرغم من أن الردود الرسمية عليها ظلت حتى الآن محدودة وحذرة. وعلى عكس الردود السياسية الأولية، التي اتسم بعضها بازدراء قدرة التحالف الجديد على توفير الأمن للسعودية، قدّمت المقالات التحليلية المنشورة في وسائل الإعلام الإيرانية صورة أكثر تعقيدًا. فقد امتنعت معظمها عن وصف “اتفاقية مكة” بأنها تحالف عسكري هجومي مُعاد لإيران أو “حلف شمال الأطلسي الإسلامي” القادر على تغيير موازين القوى في المنطقة. مع ذلك، رأى كثيرون في ذلك تعبيراً عن عملية تغيير أوسع نطاقاً في بنية الأمن في الشرق الأوسط، في ظل الحملة الإقليمية الجارية، التي تتمحور حول تحول تدريجي من الاعتماد شبه الحصري على الولايات المتحدة إلى شبكات أمنية إقليمية أكثر تنوعاً.

أما بالنسبة لإيران، فإن دلالة هذا التطور ليست واضحة تماماً. فمن جهة، يُشدد المعلقون الإيرانيون على الفجوات بين الدول الثلاث، والغموض المحيط بالتزاماتها العسكرية، وحقيقة أن تركيا وباكستان من غير المرجح أن تُسرعا إلى مواجهة مباشرة مع إيران. ومن جهة أخرى، يُنظر إلى تقارب السعودية مع جارتي إيران الرئيسيتين، ولا سيما تركيا العضو في حلف الناتو وباكستان النووية، على أنه إشارة لا ينبغي تجاهلها. ففي رأيهم، كلما طال أمد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وازداد شعور الدول العربية بالتهديد من إيران وحلفائها، أمكن تشكيل شبكة أمنية إقليمية تدريجياً تُشكل تحدياً أكبر لطهران.

جاء الرد الرسمي الأرفع حتى الآن من وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي امتنع عن توجيه انتقادات مباشرة للاتفاق. وفي رسالة نشرها على حسابه الرسمي، دعا الدول الإسلامية إلى الاعتماد على نفسها والعمل بروح “الأخوة الحقيقية”. وقال إن المسلمين، حين يتحدون، قادرون على مواجهة أي تحدٍّ من عناصر أجنبية معادية. في المقابل، رفض عضوان في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بمجلس الشورى الإسلامي، المنتميان إلى التيار الراديكالي، الاتفاق. ووصف إبراهيم رضائي الاتفاق بأنه “اتفاق على الورق” و”تجمع من أجل الأمن”، وجادل بأنه كما لم تُؤمِّن سنوات الاعتماد على الولايات المتحدة الأمن للسعودية، فإن اتفاقًا مع تركيا وباكستان لن يُؤمِّنه أيضًا. واتخذ محمود نابويان موقفًا مماثلًا، قائلًا إنه إذا فشلت القواعد الأمريكية في توفير الأمن للسعودية، فإن “الاعتماد على عملاء الولايات المتحدة” لن يُفيدها أيضًا.

ردّت وسائل الإعلام الإيرانية على اتفاقية مكة بسلسلة من التعليقات، عكست إلى حد ما جدلاً حول ما إذا كان ينبغي اعتبار الاتفاقية دليلاً على ضعف خصوم إيران أم مؤشراً مبكراً على نشوء منظمة إقليمية جديدة قد تضرّ بها على المدى البعيد. وقدّم موقع “ألف” المحافظ الاتفاقية كدليل إضافي على فشل السعودية الاستراتيجي. وزعم الموقع أن الرياض تسعى لاستخدامها لتعزيز أمنها في ظلّ مخاوفها من ردود فعل انتقامية من الميليشيات الموالية لإيران في العراق، لكنه شكّك في قدرة تركيا وباكستان على تزويدها بما عجزت الولايات المتحدة عن توفيره. ويزداد هذا التساؤل أهميةً بالنظر إلى المشاكل الخطيرة التي تواجهها هاتان الدولتان في مجالات الاقتصاد والأمن والحكم. بل وسخر الموقع من استمرار اعتماد السعودية على عوامل خارجية، رغم ميزانيتها الدفاعية التي تتجاوز 70 مليار دولار، في حين تمكّنت إيران – ذات الميزانية الدفاعية الأقل بكثير – من مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بل وتحقيق إنجازات استراتيجية، أبرزها سيطرتها على مضيق هرمز. تبنى حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة “كيهان” الراديكالية، موقفاً أكثر حدة، إذ ربط الاتفاق بما وصفه بالتعاون بين الدول الثلاث مع إسرائيل والولايات المتحدة ضد “جبهة المقاومة”، وخاصة ضد الحوثيين. ووجه انتقاده الرئيسي إلى باكستان، التي قال إنها تحاول القيام بدورين متناقضين في آن واحد: التوسط بين طهران وواشنطن، والمشاركة في إطار مصمم لخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية. وتساءل شريعتمداري عن قدرة الدول الثلاث على إضافة بُعد عسكري لم تُجربه الولايات المتحدة وإسرائيل من قبل. في المقابل، قدم موقع “عصر إيران” البراغماتي صورة مختلفة، إذ وصف التحالف بأنه نوع من “حلف شمال الأطلسي الإسلامي”، وخطوة أولى نحو إنشاء هيكل أمني إقليمي جديد، يتمحور حول تركيا وباكستان. وعُزي الغرض من الاتفاق بالدرجة الأولى إلى حاجة السعودية لردع أي هجمات مستقبلية من جانب إيران في أعقاب محاولة الحرب. بحسب هذا التفسير، لا تسعى الرياض بالضرورة إلى فتح جبهة حرب ضد إيران، بل إلى استغلال العلاقات الجيدة نسبياً بين أنقرة وإسلام آباد وطهران لردعها وتقليل خطر نشوب صراع آخر. كما عرض موقع “خبر أونلاين” الاتفاق كجزء من تغيير هيكلي في بنية الأمن الإقليمي في أعقاب الحرب. ووفقاً للموقع، يجمع التحالف ثلاثة عناصر متكاملة: السعودية، التي تتمتع بقوة اقتصادية وموارد طاقة؛ وباكستان الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية؛ وتركيا التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وصناعة دفاعية متطورة. ويشكل هذا المزيج مظلة ردع إقليمية تتمحور حول “المال السعودي، والقنبلة النووية الباكستانية، والطائرات التركية المسيرة”. ويرفض المقال مصطلح “الناتو الإسلامي” ويزعم أنه مضلل، لأن التحالف لا يقوم على أساس الهوية الدينية، بل إن مسؤولين سعوديين أكدوا أنه ليس موجهاً ضد أي دولة. وبدلاً من ذلك، يقترح المقال النظر إليه على أنه “حلف تابع للناتو”، أي تحالف إقليمي يبدو مستقلاً ولكنه في الواقع يعمل بالتنسيق مع الناتو من خلال المعايير العسكرية والتعاون الاستخباراتي والتدريبات المشتركة. ومع ذلك، أكد الموقع الإلكتروني أن التحالف يعاني من نقاط ضعف، بما في ذلك الغموض فيما يتعلق بالالتزامات العسكرية والاختلافات في المصالح بين الأعضاء الثلاثة.

برزت احتمالية حدوث تطورات مقلقة في المستقبل من وجهة نظر إيران بشكل خاص في تعليق صحيفة “شرق” الإصلاحية، التي وصفت الاتفاق بأنه أحد أهم التطورات الأمنية في العالم الإسلامي في الآونة الأخيرة، وحذرت من أن طهران لا يمكنها تجاهل التغير التدريجي في أنماط التعاون الأمني ​​المحيط بها، حتى وإن لم يتضح في هذه المرحلة ما إذا كان التحالف سيبقى على مستوى إعلان سياسي أم سيتطور إلى آلية عسكرية فعلية. ووفقًا للصحيفة، فإن الرسالة الرئيسية للسياسة الإيرانية هي أن البيئة الأمنية تتغير وتتطلب مراقبة ودبلوماسية فعّالة وإدارة دقيقة للتوترات مع الجيران. جادل خبير العلاقات الدولية محسن جليلوند، الذي أجرت معه الصحيفة مقابلة، بأنه لا ينبغي النظر إلى الاتفاق على أنه مجرد تعاون بين ثلاث دول، بل كجزء من استراتيجية أمريكية أوسع لتشكيل تحالفات إقليمية ضد إيران. وقال إنه كلما طال أمد المواجهة بين طهران وواشنطن، اتسعت رقعة التحالفات الإقليمية والدولية ضد إيران. كما حذر الدبلوماسي السابق صادق المالكي من هذا السيناريو. قال إن السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار هو اتفاق شامل يُفضي إلى تطبيع العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، وإلى إرساء نظام أمني جديد، يُدمج فيه أمن إيران مع أمن جيرانها.

كما أشار المحلل الاقتصادي للشؤون الدولية، الدكتور كأمران كرمي، في مقالٍ له في صحيفة “عالم الاقتصاد”، إلى ضرورة عدم الاستهانة بهذا الاتفاق. فبحسب رأيه، لا يكمن السؤال الحقيقي بالنسبة لإيران في ورود اسمها في الاتفاق، بل في إمكانية إنشاء شبكة أمنية إقليمية في السنوات المقبلة، تجمع فيها السعودية وتركيا وباكستان، وربما مصر وقطر ودول أخرى، قدراتها العسكرية والاستخباراتية والصناعية. وإذا ما تحقق هذا المسار، فإن البيئة الاستراتيجية لإيران ستزداد تعقيدًا. وأكد أن الولايات المتحدة لا تزال أهم فاعل عسكري خارجي في الخليج، وأنه لا يمكن لأي دولة عربية، في المستقبل المنظور، التخلي عن القدرات الاستخباراتية واللوجستية والتسليحية الأمريكية. إلا أن أحداث السنوات الأخيرة عززت لدى الدول العربية الشعور بأن الاعتماد الكامل على عامل أمني خارجي بات في حد ذاته خطرًا أمنيًا. لذا، لا ينبغي النظر إلى “اتفاق مكة” كبديل للولايات المتحدة، بل كجزء من جهد إقليمي للحد من المخاطر الكامنة في الاعتماد عليها. وأشار كرمي إلى ضرورة اعتبار الاتفاق فرصة لإيران للاندماج في صياغة نظام أمني إقليمي مستقل، بالتعاون مع القوى الإقليمية، ودراسة ما إذا كان لإيران دور في البنية الأمنية الجديدة للشرق الأوسط أم ستبقى خارجها.

باختصار، تعكس ردود الفعل في إيران على اتفاق مكة في هذه المرحلة نهجًا حذرًا ومعقدًا تجاه تداعياته، لا سيما استنادًا إلى التقييم القائل بأن هذه هي المرحلة الأولى من عملية طويلة الأمد. كما تعكس هذه الردود تعبيرًا آخر عن الانقسام السياسي في طهران: إذ تُصوّر الأوساط المحافظة والمتطرفة الاتفاق على أنه دليل على فشل الردع الأمريكي وضعف السعودية في ضوء نجاح إيران ووكلائها في تقويض البنية الأمنية القديمة. كما يرون في ذلك تأكيداً إضافياً على ادعاء طهران التقليدي بأن “الأمن المستورد” لا يُجدي نفعاً، وأن على دول المنطقة الاعتماد على نفسها لا على الولايات المتحدة. في المقابل، ترى الدوائر الأكثر واقعية في الاتفاق بمثابة تحذير من التكاليف الاستراتيجية المترتبة على استمرار السياسة الحالية، وتحدٍّ – وإن كان طويل الأمد – للمصالح الإيرانية. ففي رأيهم، حتى وإن كان الاتفاق يعكس تراجعاً في مكانة الولايات المتحدة الأمنية، فإن توقيعه قد يشجع دول المنطقة على إنشاء أنظمة أمنية مستقلة، تلعب فيها تركيا وباكستان دوراً أكثر أهمية. لذا، فإن الضعف النسبي للمظلة الأمنية الأمريكية هو ما قد يُفضي إلى ظهور نظام إقليمي يُشكك في إيران ومكانتها الإقليمية. ومن ثم، يُلزم الاتفاق طهران بإعادة النظر في سياستها نحو تخفيف حدة التوتر مع جيرانها، وربما حتى مع الولايات المتحدة.

د. راز تسيمت

نظرة عليا/معهد بحوث الأمن القومي INSS 10/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *