من الخرطوم إلى كوستي وبورتسودان.. الدعم السريع ارتكب أكبر عملية تهجير جماعي في القرن الحالي


لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا من الخرطوم وكوستي وبورتسودان، قالت فيه إن الهدوء كان هو أول ما لاحظه مراسلها أثناء تجوله في شوارع الخرطوم. فقبل اندلاع الحرب الأهلية الحالية قبل ثلاث سنوات، كانت عاصمة السودان مدينة صاخبة تعج بالحياة، وتعد أكبر قاعدة صناعية في منطقة الساحل، وموطنا لما يتراوح بين 6 و9 ملايين نسمة. أما اليوم، فلا يوجد سوى الغياب، إذ تبدو المدينة أشبه بحلب أو غزة: مدينة تحولت إلى أطلال.

وقد حدث هذا الدمار بعد معركة وحشية للسيطرة بين طرفي الحرب: القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. بدأ الصراع في 15 نيسان/أبريل 2023؛ وطوال عامين تقريبا من القتال، سيطرت قوات الدعم السريع على معظم أجزاء العاصمة، بما في ذلك المركز التاريخي المحيط بالقصر الرئاسي والمطار، مما دفع ما يصل إلى 5 ملايين نسمة للفرار من منازلهم. ولم تتمكن القوات المسلحة السودانية من طردهم إلا في شهر آذار/مارس من العام الماضي.

تضاهي الحرب بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية الصراع بين أوكرانيا وروسيا من حيث كونها أكثر النزاعات الحالية تدميرا في العالم. فمن المرجح أن مئات الآلاف قد لقوا حتفهم، كما تشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى نزوح نحو 14 مليون شخص، مما يجعلها أكبر عملية تهجير قسري للسكان في القرن الحالي حتى الآن.

القوات المسلحة السودانية تريد أن يعتقد العالم أن الحرب تمر الآن بمراحلها الأخيرة، إلا أن ذلك يبدو أمرا مستبعدا في غياب مبادرات جديدة

وتقول المجلة إن القوات المسلحة السودانية تريد أن يعتقد العالم أن الحرب تمر الآن بمراحلها الأخيرة، إلا أن ذلك يبدو أمرا مستبعدا في غياب مبادرات جديدة. ورغم أن القوات المسلحة السودانية -بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان- قد حققت مكاسب عسكرية حقيقية مؤخرا، إلا أنها قد تواجه صعوبة في الحفاظ على هذا الزخم. ولا تزال قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، تحتفظ بمعاقل لها في دارفور، وهي المنطقة التي ينحدر منها معظم مقاتليها.

علاوة على ذلك، ومع استمرار الحرب، فإنها تزداد تشرذما؛ إذ تشير التقديرات إلى وجود ما لا يقل عن 150 ميليشيا مختلفة مشاركة في الصراع، والعدد في تزايد مستمر، حيث ينظم العديد منها صفوفه على أسس عرقية أو محلية. كما يعني الاستخدام المتزايد للمسيرات أن مساحة أقل فأقل من البلاد يمكن اعتبارها آمنة.

يبدو تحقيق نصر حاسم بقوة السلاح أمرا مستبعدا، وقد يدفع الداعمون الأجانب لأطراف الصراع، وعلى رأسهم الإمارات العربية المتحدة التي تدعم قوات الدعم السريع، ومصر وتركيا والسعودية وقطر التي تدعم القوات المسلحة السودانية، نحو التوصل إلى تسوية، إلا أن التوترات القائمة منذ فترة طويلة بينهم لا تزال مرتفعة. وتعزز خطوة إيران بإغلاق مضيق هرمز من الاهتمام الاستراتيجي الذي توليه دول الخليج لساحل السودان على البحر الأحمر، غير أن تلك المصالح ليست متطابقة تماما.

تسعى القوات المسلحة السودانية، في إطار حرصها على تعزيز روايتها بأن نهاية الصراع باتت وشيكة- إلى تصوير الخرطوم كمدينة تتعافى، إذ يقدر أن نحو مليوني شخص قد عادوا إلى منازلهم منذ عودة الفريق أول البرهان. ويرى البرهان وحلفاؤه أن مظاهر السيادة التي تمنحها السيطرة على العاصمة تشكل مصدرا حيويا للشرعية؛ فالإظهار بأن الخرطوم آمنة ومستقرة وتسير على طريق التعافي الاقتصادي يبعث برسالة سياسية قوية إلى الخصوم في الداخل والحلفاء في الخارج.

ومع ذلك، فإن التقدم المحرز متفاوت، ففي بعض أجزاء المدينة، أُعيدت بالفعل خدمات الكهرباء والمياه، وإن كانت بشكل محدود وغير مكتمل، كما بدأت المدارس والمستشفيات والوزارات في استئناف عملها. وفي المقابل، لا توجد رحلات جوية دولية مجدولة تصل إلى مطار الخرطوم، غير أن الرحلات الداخلية المنتظمة قد استؤنفت. وقد أُعيد فتح “الفندق الكبير” جزئيا.

عند عبور الجسر الذي نالت منه القذائف -والمحاذي لمبنى البرلمان- نحو وسط المدينة المقابل، تتجلى آثار الدمار بوضوح أكبر؛ بدءا من الهيكل المتفحم لمبنى وزارة الدفاع ووصولا إلى ما تبقى من البنك المركزي. لقد جردت المباني -لا سيما في الأحياء الراقية- بعناية فائقة من كل ما يمكن أن تنهبَه قوات الدعم السريع، وبقيت مهجورة؛ إذ لم يعد إليها سوى الفئات الأكثر فقرا ويأسا. تبدو الشوارع شبه خالية، وتغرق في ظلام دامس عند حلول الليل.

وحتى الحلفاء المقربون، مثل المملكة العربية السعودية، يترددون في تمويل عملية إعادة الإعمار. ولذا، يتعين على الحكومة التي تقودها القوات المسلحة السودانية -والتي تعتمد في تمويلها بشكل أساسي على صادرات الذهب والصمغ العربي- أن تتحمل بنفسها تكاليف أي إصلاحات. وهذا يضعها في مأزق؛ فهي بحاجة إلى المال لإعادة الإعمار لتبدو وكأنها تحقق نصرا، لكنها تحتاج أيضا إلى المال لتحقيق النصر فعليا.

بعد سقوط الفاشر في تشرين الأول/أكتوبر بعد حصار دام 18 شهرا، حيث يعتقد أن ما يصل إلى 60,000 من السكان قد قتلوا خلال الهجوم، بدأت دفة الأمور تميل مؤخرا لصالح القوات المسلحة السودانية

وبعد سقوط الفاشر في تشرين الأول/أكتوبر بعد حصار دام 18 شهرا، حيث يعتقد أن ما يصل إلى 60,000 من السكان قد قتلوا خلال الهجوم، بدأت دفة الأمور تميل مؤخرا لصالح القوات المسلحة السودانية؛ ففي أوائل تموز/يوليو، استعادت القوات السيطرة على “كرمك”، وهي بلدة استراتيجية تقع على الحدود الجنوبية الشرقية مع إثيوبيا، وكانت قوات الدعم السريع ومتمردون محليون قد استولوا عليها في وقت سابق من هذا العام. وبعد أسابيع، سيطرت القوات على سلسلة من البلدات الواقعة على الطريق الرئيسي بين الخرطوم ومدينة “الأبيض”- عاصمة شمال كردفان التي يقطنها نحو نصف مليون نسمة.

وتخضع مدينة الأبيض حاليا لسيطرة القوات المسلحة السودانية، لكنها محاصرة تقريبا من قبل قوات الدعم السريع؛ وهناك مخاوف جدية من وقوع مجزرة وشيكة تماثل تلك التي شهدتها مدينة الفاشر.

لقد وضعت الانتصارات الأخيرة الجيش السوداني في موقف يتيح له تعزيز قواته هناك وتخفيف الضغط عنها.

غير أن زيارة إلى مدينة كوستي -عاصمة الولاية ونقطة الانطلاق الرئيسية نحو الأبيض- تشير إلى أن حالة الاستنزاف لم تبلغ مداها النهائي بعد، إذ تظل بقايا محطتي وقود متفحمتين -دمرتهما مسيرات في أيار/مايو- شاهدا صارخا على مدى وصول هجمات قوات الدعم السريع.

وعلى مسافة قصيرة بالسيارة من كوستي، يتجلى مشهد مصغر آخر للواقع؛ إذ يحتمي نحو 20,000 لاجئ قدموا من أنحاء مختلفة من السودان، في خيام متهالكة شيدت من أعمدة خشبية وأغطية.

ومن هنا، فقلب موازين القوى بين الطرفين يعتمد إلى حد كبير على الدعم الخارجي؛ فقد ساعدت طائرات مسيرة تركية وإيرانية الجيش السوداني في استعادة الخرطوم. وفي المقابل، تنفي الإمارات العربية المتحدة -التي دعمت قوات الدعم السريع في مراحل مبكرة من الحرب- استمرارها في لعب أي دور، رغم ورود تقارير تفيد بأنها كثفت شحنات الأسلحة في الأشهر التي سبقت المجزرة التي وقعت في الفاشر. ويرتبط الوضع الراهن للقوات المسلحة السودانية بما يصفه جوناس هورنر -من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية- بأنه تصاعد في شحنات الأسلحة القادمة من تركيا.

ويعتقد أن محاولة إيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف المعنية بالحرب، وفي ظل هذه الظروف، قد تشكل تحديا يفوق قدرات أي مفاوض -حتى وإن كان أكثر خبرة وكفاءة- مقارنة بمسعد بولس، المكلف من قِبَل ترامب بقيادة هذه المفاوضات. وقد شهدت فترة عمله تذبذبا في الموقف الأمريكي. ولكن من الصعب تصور كيفية إنهاء الأعمال العدائية دون تفاوض مباشر بين الطرفين. وللأسف، من السهل أيضا توقع كيف يمكن لمثل هذه المفاوضات أن تؤدي إلى تصدع التحالفات التي تدعم كلا من الطرفين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *