في ظل حل الكنيست الـ 25، ومع بداية فترة الانتخابات للكنيست الـ 26، والحكومة القادمة، حان الوقت لإجراء مراجعة شخصية حقيقية، مسؤولة وعميقة. ستكون في البداية مراجعة ذاتية وشخصية، يقوم بها كل شخص وحده بينه وبين نفسه، ولكن ستكون أيضاً جزءاً من مراجعة ذاتية شاملة، تشمل كل المواطنين والمقيمين في هذا المكان، كل واحد على حدة، وجميعهم في آن واحد.
إن تأمل الإنسان في ذاته، سواء كان ذلك علنياً أو في الخلوة، يركز على القضايا التي تتصدر سلم أولوياته وتشغل باله بالكامل. وعلى رأس أولوياتي هناك قضيتان: الأولى لها بعد خارجي؛ كيف نحافظ على مجتمع مدني سليم، ونحن نتعرض باستمرار إلى عاصفة من الصراعات والحروب مع أعداء لدودين؟ الثانية لها بعد داخلي؛ كيف نحافظ على مجتمع مدني مثالي، ونحن نتعرض باستمرار إلى عاصفة الخلافات القيمية فيما بيننا؟
قبل أن نبدأ، يجب التأكيد على أن الافتراض الأساسي هو أنه من المستحيل تهدئة العاصفة في الداخل دون تهدئة العاصفة في الخارج أولاً. ويكمن جوهر العاصفة في الداخل في مسألة الموقف المناسب من العاصفة من الخارج. لن نعيش في سلام واطمئنان حتى نحل مشكلة العلاقات مع الفلسطينيين المجاورين لنا بالوسائل السلمية.
السؤال الأول والأهم الذي يجب طرحه على أنفسنا في تأملنا الشخصي والعام هو ما هو المبدأ الأساسي لحياتنا، بيننا وبين الآخرين، كأفراد وأمم وأديان؟ هناك إجابتان على هذا السؤال: الأولى المسار الأخلاقي، الذي يقتضي الحفاظ على كرامة الإنسان كإنسان، في كل مكان وزمان، وفي أي سياق. أما المسار الثاني فهو المسار الأناني، الذي يطالب بإعطاء مكانة أعلى لجماعة أو مجتمع أو شعب أو دين معين في كل المجالات: المصالح، القيم، التراث والمصير وما شابه.
أنا أسير في المسار الأول، ولا توجد قوة في العالم ستجبرني على السير في المسار الثاني. يبدو هذا واضحاً لي، ولكن اختيار المسار الأول ليس نهاية قصتي هنا، بل بدايتها. في الخطوة التالية، سأسأل نفسي عن موقفي من أفعال من يسيرون في المسار الثاني. هذا سؤال أرغب في الإجابة عنه بوضوح، بكلمات لم أقلها ولم أسمعها من قبل. أهتم بكشف الروابط بين من يسيرون في المسار الأول وبين من يسيرون في المسار الثاني.
أرغب في التوضيح مسبقاً: لست هنا لاقترح طرقاً للتعبير عن الموقف المناسب من الأشخاص في الطرف الثاني. بينما أنا هنا لاقتراح طرق للتعبير عن الموقف المناسب للقائد في طرف ما، من القائد في الطرف الآخر. أما بالنسبة للأشخاص فسينتظرون في الدور.
في دولة سليمة، كل ما تفعله الدولة يكون في صالح مواطنيها. عندما أراقب تصرف دولة طبيعية، عندما تنشئ مركزاً طبياً جديداً مثلاً، أفترض ان هذا العمل يتم لصالح المواطنين وبناء على قرار منهم في المقام الأول لأنه في مصلحتهم.
في دولة فاسدة، أرى في أفعال الدولة، كمشاركة قواتها في التدمير الجماعي للمباني وطرد سكانها من أماكنهم الموجودة في شرق الدولة، ولا يوجد هنا أساس للافتراض بأن هذه الأفعال ترتكب لصالح مواطنين مثلي، أو أنه ينبع من أي قرار للمواطنين. للاختصار والوضوح، سأطلق على هذه المناطق، شرق الدولة، (الضفة الغربية) اسم “سدوم”، وعلى المناطق المقابلة في غرب الدولة (في غزة) اسم “عمورا”. نحن كمواطنين لم نقرر السماح للجماعات اليهودية الإرهابية بمضايقة سكان القرى الفلسطينية في “سدوم” دون رادع، ولم نقرر تدمير مباني الفلسطينيين في “عمورا” بشكل شامل. إضافة إلى ذلك، لا مبرر منطقياً يسوغ أفعال الجماعات اليهودية الإرهابية في سدوم، أو التدمير الواسع في عمورا.
أقول بأشد العبارات بخصوص أعمال الإرهاب في سدوم والدمار في عمورا،إنها أعمال ليست من أجلي أو من أجل مصلحتي. بل العكس تماماً، هي ضدي وضد مصلحتي. وهذا هو موقفي من الذين يمارسون حياتهم في هذه المناطق، في سدوم وعمورا، بهذه الطريقة.
إن وزير الدفاع، المسؤول عما يحدث في هذه المناطق، عندما يسمح بأعمال الإرهاب في سدوم وأعمال الدمار في عمورا، لا يتصرف من أجلي ومن أجل مصلحتي. بكلمات أخرى، هذا الوزير ليس وزير دفاعي، هذه ليست حكومتي وهذا ليس رئيس حكومتي. أنا لا أتنازل عن جنسيتي الإسرائيلية – التي تسبق أفعال الدولة الحالية في جذورها ومبادئها وتاريخها – ولكني أميز بين أفعال الدولة في سدوم وعمورا وبين ما يحدث داخل حدود الخط الأخضر لدولة إسرائيل.
لننتقل الآن إلى الصورة الكبيرة، فهناك بين البحر الأبيض المتوسط في الغرب وبين نهر الأردن وفروعه في الشرق توجد ثلاثة تجمعات بشرية: إسرائيل في وسط الصورة، وسدوم على اليمين، وعمورا على اليسار.
في صورة سدوم، في العقود الأخيرة وفي الوقت الحالي، تظهر ثلاثة جوانب تستلزم منا وجهة النظر الأخلاقية رفضها.
أولا، إسرائيل تغرق سدوم بمواقع جديدة: بؤر استيطانية، مزارع ومستوطنات، بالمئات. تفعل ذلك عبر ذراعها التوسعية، وزارة الدفاع، بمساعدة الأجهزة الأمنية، سواء بشكل عام أو بواسطة وحداتها أو بأسلوب عملها. هذا النشاط لا يستخدم من أجلي أو من أجل مصلحتي، بل على العكس، يستخدم ضدي. إنه يعرقل أي تسوية سياسية مع الشعب الفلسطيني، ويطيل أمد الصراع بين الشعوب على كل الجبهات. إن إطالة أمد هذا الصراع تضر بي.
ثانياً، يمارس اليهود في سدوم نشاطهم بأوضح صور الإرهاب، من خلال القتل الوحشي والنهب الذي لا حدود له. إن كون الإرهاب ضمن أسلوب الطرفين في الصراع، لا يبرر الإرهاب الذي يمارس باسمي أو من أجل مصلحتي، في حين أن الحقيقة خلاف ذلك كلياً، أي لأنه ليس من أجلي ومن أجل مصلحتي.
ثالثا، يعتبر النشاط الحالي امتداداً طبيعياً للنشاط المستمر منذ عقود، الذي يتخذ في معظمه شكل المستوطنات، التي تمثل أسوأ تطبيق عملي على حكم شعب واحد لشعب آخر. وجهة النظر الأخلاقية تقتضي التنصل من الاحتلال ما دامت لا يتضمن الالتزام بالسعي الدائم إلى التوصل إلى ترتيبات سلام وترتيبات أمنية معقولة وثابتة.
في صورة عمورا، لا سيما في السنوات الأخيرة، يبرز جانبان يتطلب المنظور الأخلاقي منا التخلي عنهما: أولا، للحرب التي نشنها منذ مذبحة 7 أكتوبر بعدان أخلاقيان: خوض الحرب بحد ذاته، والأساليب التي اتبعت في القتال. في البعد الأول، لا شك أن شن إسرائيل للحرب كان مبرراً، بوصفه حرباًللدفاع عن النفس، بالمعنى الكامل والمسؤول للكلمة.
أما البعد الثاني، فقد أديرت الحرب فيه أحياناً بطرق تثير الشك حول مدى تلبيتها لمتطلبات القانون الدولي والأخلاق. في حرب تشن في مناطق مأهولة، تظهر التجربة أنه لا مفر من قتل السكان غير المشاركين في القتال. ولكن يجب أن يخضع حجم الضرر الذي يلحق بهم إلى مبدأ التناسب. خلال الحرب، سمع قائد فرقة وهو يأمر جنوده بالتصرف حسب مبدأ “لا أبرياء في غزة”. هذا توجيه قبيح (تذكروا الطفل الذي ولد في غزة قبل يوم واحد وأمه مثلا)، وهو أيضاً توجيه مخالف للقانون ولقيم الجيش الإسرائيلي ومبدأ التناسب في القانون الدولي. هل اتخذ الجيش إجراء واضحاً ضد هذا التوجيه الإجرامي؟
هناك جانب آخر من القتال يلزمنا المنظور الأخلاقي بالتنصل منه، وهو حجم الدمار في المناطق المأهولة في غزة ومحيطها. إن سياسة زربيف، على اسم مشغل مشتبه فيه لمعدات هندسية، أمر لا يطاق. فالمنشآت توازي البشر: كلاهما يخضع للتمييز الإلزامي بين المشاركين وغير المشاركين، بين الخطيرين وغير الخطيرين، كان مشهد زرببف وهو يشعل شعلة لـ “مجد دولة إسرائيل” مشهداً مخيفاً لا يغتفر.
في الصورة الكاملة، في المنتصف بين سدوم وعمور، توجد إسرائيل. هذه بلادي التي أنتمي إليها، وهذا ما يميزها عن سدوم وعمورا بشكل كبير. تدار البلاد ضمن إطار الترتيبات القائمة التي تراعي مصالح المواطنين والسلطات. وتتضمن هذه الترتيبات الكثير من مؤشرات النظام الديمقراطي، ويستفيد المواطنون في العادة من ترتيبات تراعي مصالحهم وتحققها حسب الحاجة، وتشمل هذه الترتيبات النظام القانوني، بما في ذلك منظومات الاستشارة القانونية للحكومة، الصحة، التعليم العالي، البحث والتطوير لتكنولوجيا متقدمة والإعلام الحر.
اليوم يحلق خطر التدخل الحكومي العدائي بدعم من أغلبية الكنيست على كل أسس الدولة السليمة، وعادة ما يكون هذا التدخل موجهاً لصالح المصوتين للأحزاب الحاكمة، ولتقوية الحكومة نفسها، لا سيما حكامها. ويعتبر الوضع الديمقراطي في إسرائيل الآن متدنياً جداً.
وتسيطر إسرائيل من خلال ترتيبات مختلفة على سدوم وعمورا، وتتحمل مسؤولية ما يحدث في سدوم، ومسؤولية جزء كبير مما يحدث في عمورا. فمثلاً، هي مسؤولة عن التراخي في حماية سكان سدوم الفلسطينيين من المنظمات اليهودية الإرهابية. جميع الجوانب التي شاهدناها سابقاً في صور سدوم وعمورا، التي يقتضي المنظور الأخلاقي استنكارها والتنصل منها، توجد ضمن مسؤولية الدولة. لذلك، فإن مسألة الرد المناسب على أعمال التنكيل والتدمير التي تقوم بها الدولة تقف أمام كل واحد منا.
يبرز أمامنا مساران للإجابة على هذا السؤال، أحدهما سياسي والآخر شعبي. في المسار السياسي الذي تنشط فيه الأحزاب والمنظمات بشكل رئيسي، يبذل جهد كبير لكشف تجاوزات الحكومة، وجهود كبيرة لاستبدالها بحكومة تعمل حسب مبادئ المنظور الأخلاقي، بدءاً بسلوك الجنود والشرطة في حياتنا المدنية اليومية وانتهاء بالسعي إلى إقامة علاقات تعايش سلمية وآمنة وعادلة ومستقرة مع الشعوب ومع الدول الجارة لنا.
أما في المسار الشعبي فقد حان الوقت للكشف عن الحقائق، حان الوقت لكسر الجمود الذي تسيطر عليه الحكومة وشركاؤها في سدوم وعمورا، وحان الوقت لكشف الروابط التي تجمع إسرائيل بسدوم وعمورا، بغض النظر عن جوانب المسؤولية المطلوبة. يمكن التصدي للظلم القائم، ويمكن التصدي لخطط ظلم جديدة. ويمكن لكل واحد منا تخيل أي صلة عملية تربطه بما حدث في سدوم وعمورا.
على سبيل المثال، لا تسمحوا لأولادكم بزيارة مواقع سدوم، حتى لو كانت الرحلة ممولة من الدولة. اعترضوا على دمج دورات تدريب المستوطنين بالزي العسكري مع الجنود. إن مشاركة جنود الجيش الإسرائيلي بالزي العسكري في نشاطات غير أخلاقية وغير قانونية وتخالف قيم الجيش الإسرائيلي، تشبه الورم. طالبوا ممثليكم في الكنيست بمنع ضخ أي أموال لتعزيز التوسع في سدوم وعمورا. فهذا أيضاً يشبه وراًم خطيراً.
من دون التوعية المطلوبة، سيجد مواطنو إسرائيل أنفسهم يعيشون في دولة تحكمها عادات سدوم وعمورا، التي بدأت بالفعل تتسرب إلى البلاد. لن تكون هذه دولة الشعب اليهودي، بل دولة عصابات عنيفة وعنصرية ومتطرفة، تعبد أصناماً تفوق الشعب وتفوق الأرض، وبالطبع، واضح أن هذه لن تكون دولة ديمقراطية.
إن قبول ما يحدث الآن في سدوم وعمورا سيبعدنا عن إمكانية أن تصبح ذات يوم دولة يهودية وديمقراطية حقيقية. إن الدفاع عن إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية حقيقية يحتاج إلى عملية مستمرة، صعبة ولكنها حيوية، من أجل تحقيق السيادة. لقد حان الوقت لرؤية: إسرائيل من دون سدوم، ودون مسؤولية عن سدوم، ودون عادات سدوم. دون عمورا، ودون مسؤولية عن عمورا، ودون عادات عمورا.
آسا كيشر
هآرتس 7/8/2026