سوريا والأزمة الوطنية الجيليّة


يعرض تاريخ سوريا وقوع أزمة جيليّة كبيرة، تحدث كل ثلاثة عقود تقريباً. كانت الثورة والصراع العنيف والمتعدد الأطراف الذي أعقبها الأزمة الكبرى الرابعة في تاريخ لا يتجاوز قرناً واحداً بغير بضع سنوات، وهي انحلت مبدئياً بسقوط الحكم الأسدي بعد 54 عاماً في الحكم. قبلها، وبين 1979 و1982، خبرنا أزمة وطنية واجتماعية كبيرة، انتهت بمذبحة حماة 1982 التي حلت المجتمع السوري ونعم الحكم الأسدي بالاستقرار بعدها لثلاثة عقود. وإثر استقلالها، وابتداء من عام 1949 عرفت سوريا أزمة بلد مستقل فتي، حديث الظهور في التاريخ، تظاهرت في انقلابات عسكرية متوالية فكر فيها أصحابها كمعالجات وحلول بالأحرى. وعانت سوريا من أزمة الولادة والتكوين إثر تفكك السلطنة العثمانية، وهي أزمة انحلت بالاحتلال الفرنسي عام 1920. يمكن أن نسمي هذه الأزمات الأربع بأزمة التكوين (1918-1920)، ثم أزمة الاستقلال (1946-1949)، ثم أزمة التغيير الأولى (1979-1982)، فأزمة التغيير الثانية (1911-1924).
وعند التفكير في تاريخنا خلال نحو أربعة أجيال، يظهر كتاريخ تأزم مستمر، بفعل عدم ملاءمة الحلول المقدمة لها. الاحتلال الفرنسي ليس حلاً لمشكلة بلد ظهر للتو، ولم يكن معنيا بذلك. لكنه دام 26 عاماً، جيلاً كاملاً، خرجت سوريا منه بقلق جغرافي يتصل بقضم مناطق منها و/ أو بتقسميها، وبقلق اجتماعي يتصل بالعلاقة بين الجماعات الأهلية المختلفة. انضاف قلقان جديدان بعد الاستقلال: قلق اجتماعي يحيل هذه المرة إلى المسألة الفلاحية التي كان حاكمو البلد من أعيان المدن قليلي الحساسية حيالها، فضلاً عن «الفقر والجهل والمرض»، بخاصة في الأرياف، وهو يجمع سوريا بجميع البلدان المستقلة حديثاً؛ ثم قلق أمني- جيوسياسي بفعل ظهور الكيان الإسرائيلي ومشاريع الدفاع الغربية عن الشرق الأوسط، وصراع المحاور العربية الناشئة وقتذاك. وبطبيعة الحال لم تكن الانقلابات المتوالية حلاً لأوجه القلق هذه، بل كانت أقرب إلى مظاهر للأزمة المستمرة التي كادت تتفجر في حرب أهلية قبل أواخر الخمسينيات، درأتها الوحدة مع مصر. وفي النصف الثاني من السبعينيات بدأت تتجمع نذر أزمة وطنية كبيرة تفجرت بالفعل في أواخر العقد في شكل احتجاجات اجتماعية وعنف طائفي، وحلها النظام بمذبحة كبيرة في حماه، سبقها وأعقبها تحطيم ما بقي من منظمات سياسية مستقلة، وتمخضت عن سيطرة شبه شمولية على المجتمع السوري. وبطبيعة الحال لم يكن هذا السحق الشامل حلاً للأزمة. لكن لزم انقضاء جيل كامل حتى تتفجر أزمة من جديد، وتأخذ هذه المرة شكلاً ثورياّ بفعل التقاطع بين الإيقاع الجيلي للأزمات السورية وبين «الربيع العربي».
ولوقت طويل بدا أن التغير الذي استعصى في الأزمة الثالثة أيام الأب يستعصي كذلك أيام الابن في الأزمة الرابعة. وكان من أهم التحولات الكبيرة التي ترتبت على الاستعصاء ظهور إسلامية عدمية، تجد نفسها في بيتها في مناخات العنف والانهيار الاجتماعي، ثم وضع النظام نفسه تحت حماية إيرانية روسية. وخلال سنواته الطوال تدوّل الصراع السوري وصارت مآلاته محكومة بمحصلات قوى الفاعلين الدوليين. وهو ما سمح في النهاية بسقوط النظام إثر إضعاف حماته الأقوى والأقرب، إيران وتابعيها اللبنانيين، على يد مسلحين إسلاميين سنيين.
سقوط الحكم الأسدي تحول كبير، الأكبر منذ الاستقلال. لكنه جرى بعد صراع مهول سقط ضحيته مئات الألوف، واستعرت أثناءه الانفعالات والضغائن الطائفية، وتحقق على يد فريق إسلامي سني، كان عدمياً قبل سنوات قليلة، ويثير مخاوف محقة في أوساط غير المسلمين السنيين، وبين غير قليل من المسلمين السنيين كذلك. وخلال ما لا يزيد عن سبعة أشهر من وصوله للحكم ارتكبت قواته وردائفها مجازر بحق علويين، ثم دروز، تشكل بطبيعة الحال تجارب تأسيسية للجماعتين، للدروز بخاصة لكونهم غير مثقلين بالعبء السياسي والأخلاقي الأسدي، ولأن العدوان على أوساطهم لم يسبق باستفزاز.
هذا للقول إن مجرد سقوط الحكم الأسدي ليس الحل، على أهميته العظيمة.
لكن ما هي المشكلة التي تتعثر معالجتها ويتعذر حلها مرة تلو الأخرى؟ إنها أزمة وطنية ومواطنة، وفي صلبها بناء دولة عامة لسكان متنوعين لم يعيشوا من قبل في كيان سياسي واحد يجمعهم. الانتداب الفرنسي لم يكن معنياً بذلك. نخبة الدولة الاستقلالية لم تملك رؤية لمواجهة تحديات الاستقلال والاستقرار. حافظ الأسد عالج المشكلة بالمجازر والتعذيب، ولبعض الوقت اعتمد ابنه معالجة مماثلة، فشلت في النهاية بأثر متعاضد من بداية ثورية وقاعدة اعتراض واسعة على نظامه، ثم من التعقد الكبير للصراع في السنوات اللاحقة، وتحول النظام إلى فصيل أو ما يقاربه. واليوم نبدو بعيدين بقدر ما كنا منذ الاستقلال عن بناء الدولة الوطنية التي تضمن المساواة الحقوقية والسياسية بين السوريين، وتمثيلهم العادل، بما يشجع قطاعات متسعة منهم على التماهي بها. بعض السوريين اليوم يتماهون بالحكم الحالي بقوة، بينما يشعر كثيرون غيرهم بالغربة، وهذا مثلما كان الأمر في الحقبة الأسدية الطويلة، وإن باختلاف المتماهين والمغتربين.
فهل الأزمة الخامسة قادمة، ربما في وقت ما من أربعينيات القرن الحالي، بحسب ما يقضي الإيقاع الجيلي؟

 إنها أزمة وطنية ومواطنة، وفي صلبها بناء دولة عامة لسكان متنوعين لم يعيشوا من قبل في كيان سياسي واحد يجمعهم

هناك أكثر من عنصر عدم يقين في هذا الشأن. أولها أنه ليس لهذا الإيقاع، كل ثلاثة عقود تقريباً، قيمة تنبئية. المقياس الجيلي لتعاقب الأزمات الوطنية الكبيرة إجراء منهجي، يساعد على النظر بطريقة معينة إلى تاريخ البلد، لكنه ليس قانوناً تاريخياً حتمياً، ولا يستبعد طرق نظر أخرى. هذا وإن كنا نعتقد أن هناك شيئاً أكثر من طريقة في النظر في هذا الإيقاع، شيء يتصل باستهلاك المعالجات لنفسها خلال جيل وتقاطع المشكلات مجدداً بفعل ظهور جيل جديد وإحساس جديد. حتى ابن حافظ الأسد عرض حساسية مغايرة لأبيه، ولم يتشبه بالأب الحقود إلا بعد أن قامت الثورة ضده. وما كان للثورة أن تحدث عام 2011 لولا ظهور جيل جديد، متخلص بقدر معقول من مواريث معارضة حقبة الأسد الأب.
وعنصر عدم اليقين الثاني يتمثل في أن الأزمة الوطنية الرابعة طالت كثيراً، نحو 14 عاماً، وكانت هائلة الكلفة البشرية والمادية. فهل، إذا التزمنا بالإيقاع الجيلي، نوجه الأزمة التالية بعد نحو 30 عاماً من عام 2011، أم من عام 2024؟ وثمة، بعدُ، عنصر عدم يقين مُكمِّل، يتمثل في أن الأزمة التي بدأت بالثورة لا يبدو أنها انتهت بسقوط الأسدية. فالسويداء خارج سلطة الدولة على أكثر من مستوى، والنظام الحالي يتركها بخفة وطيش لوحدها. ثم أن هذا الحكم الذي منح نفسه مرحلة انتقالية من خمس سنوات يبدو كمن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً.
عناصر عدم اليقين هذه ربما تؤجل انفجار الأزمة القادمة، ولكنها ربما تسرعه كذلك.
ما يبدو لنا أكيداً على أي حال هو أن أزمة الوطنية والمواطنة مستمرة في سوريا، وأن سوريا اليوم ليست أمة مواطنين ولا دولة عامة تتوفر على آليات إصلاح ذاتي لمشكلاتها، وأننا لذلك بالذات سوف نواجه أزمة متفجرة في وقت لا نعلمه. وبعد التجربة الكاوية للثورة وسنوات الدم الطويلة بعدها، لا يبعد أن تأخذ الأزمة القادمة شكلاً ثورياً، يستعيد أو يستأنف ثورة 2011.
وليس لهذا التاريخ من التأزم المتواتر والمتزايد العنف غير واحدة من نهايتين. إما الوصول أخيراً إلى صيغة للسياسة والاجتماع تقوم على الشراكة والمساواة بين السوريين، وتتوفر على آليات إصلاح ذاتية، تُجنبها الانفجارات الدورية؛ أو انفراط البلد، وهو احتمال توفرت عناصر له في سنوات صراعنا الطويلة، ولا تزال هناك. التاريخ لا يعطي فرصاً لا تنتهي لمن لا يريدون التعلم منه.

٭ كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *