قال مرة المخرج الفرنسي جان لوك غودار، إنه كان يدخل مرّات عديدة إلى عروض فيلم «نشّال» (Pickpocket) للفرنسي روبير بريسون عند نزوله في صالات السينما عام 1959. قال إنه كان يشتري تذكرة في كل مرة، ويدخل في أوقات عشوائية خلال العرض، ويبقى لقرابة عشر دقائق. كان غودار في حينها ناقداً سينمائياً في مجلة «دفاتر السينما»، وكان على أعتاب تحقيق فيلمه الأول «حتى آخر نفس» (Breathless)
لاحقاً، في السبعينيات، كان غودار مدافعاً عن أجهزة الفيديو، في النقاش الأزلي لما يراه البعض صراعاً بين شاشة السينما وشاشة التلفزيون. وحضور التلفزيون شبه الدائم في أفلام غودار، بل حتى أجهزة الفيديو أحياناً، يشير إلى ذلك.
يرى غودار أن الأفلام على الأشرطة امتياز وضرورة لعمليات تحليل الفيلم، وكذلك عمليات التحليل هذه نراها في أفلامه، التجريبية منها تحديداً. وهو ما سيوفر وقتاً وجهداً ومالاً على ما كان يفعله هو، الذهاب إلى صالة السينما لمشاهدة مشهد بعينه، ثم الخروج والعودة مجدداً والخروج.
المسألة أكثر بساطة اليوم، فكما هو ممكن شراء قرص «دي في دي» من أي فيلم، يمكن كذلك شراؤه كملفٍ رقميّ أو استئجاره، مع احتمال أن يكون متوفراً في منصة ما للبث التدفقي. فتكون إمكانية العودة إلى الفيلم متاحة بخيارات يجدها أحدنا بدقائق، جالساً على كرسيّه. لذلك، اتخذت المسألة سياقاً آخر اليوم، فإن كانت إمكانية المشاهدة المتكررة للفيلم متاحة، فما هو الامتياز الذي حملته أشرطة الفيديو، أو اليوم أقراص الـ»دي في دي»، في مقابل منصات البث التدفقي؟ أو هل أفنت تلك المنصات أي سبب لوجود الأقراص؟
المسألة بسيطة، وقد لا تحتاج إلى نقاش في الإشارة إلى أن البعض يفضل الحصول على المنتَج الفني بمعزل عن إتاحته عبر وسائل إلكترونية، كأن يختار أحدنا شراء الكتاب ورقياً بدل النسخة الرقمية، أو أسطوانات الفونوغراف (الفينيل) بدل اشتراكات المنصات الموسيقية. إن كانت المنصات حديثة نوعاً ما في هذا العالم، فإنها أقرب إلى ما كان يفعله أحدنا قبل زمن، اشتراك شهري في متجر تأجير الأفلام، مع إمكانية الدخول واستعارة أي فيلم. في حينها، لم يحُل ذلك دون الرغبة في شراء أفلام لا استئجارها أو استعارتها. لنفرّق بين نوعين من المشاهدين: المتلقي العام الذي يشاهد فيلماً لتمضية وقت ممتع، وقت فراغ غالباً، إذ لا يكون وقتاً محدداً خلال اليوم مخصصاً للفيلم. هذا النوع هو الأغلبية، هو الذي قدَّمت له المنصات حلاً سحرياً، لا لإمكانية إعادة المشاهدة أو تصفّح مَشاهد بعينها، بل لإمكانية تحويل عملية إمضاء الوقت الممتع ممارسةً منزلية مريحة، ولا تكون بالمشاهدة بالضرورة، بل قد تفوق حالاتُ التصفّح والتقليب بين الأفلام ومشاهدة عينات من كل منها قبل بدء واحدها ثم التعب أو الملل وإغلاقه قبل الذهاب إلى النوم، قد تفوق حالاتٍ أخرى تكون بمشاهدة فعلية وكاملة للأفلام، من دون الكلام هنا عن نوعيتها، فعموم أفلام المنصات سطحية، لسهولة الاستهلاك، وهي جماهيرية لأنها كذلك، إذ تكون بمستويات سردية وبصرية ومواضيع ومقاربات تناسب الجميع، وهذا ما يحتم عليها حداً من السطحية، يجب عدم تخطيه.
لا تحطّ هذه الأسطر من قدر أي ممارسة، أو من اختيارات مشاهدين واهتماماتهم، بل توصّف واحدة من وظائف الأفلام في هذا العالم، أي الترفيه أو الحصر بالترفيه، وهو الاستهلاك. وظيفة تتلاءم مع استراتيجيات الشركات الكبرى، نتفلكس وأمازون وديزني وغيرها، قبل أن تلائم المستهلك.
أما النوع الآخر فهو المتلقي الخاص، الأقلّي، المتخصص في عمله المتعلق بالسينما أو الخصوصي في اهتماماته السينمائية، من دون ارتباطات مهنية بالضرورة. ليست المقارنة هنا بين النوعين، فلكل منطقه وغاياته من أيّ مشاهدة لأي فيلم. هي تماماً مثل النوعين من الجمهور في صالات السينما الفرنسية، ذلك الذي يشاهد الأفلام مدبلجة بالفرنسية وذلك الذي لا يشاهدها بغير لغتها، ذلك الذي يشاهد أفلام الإنتاجات الكبرى وحسب، ويا ليتها أمريكية، وأفلاماً سطحية خفيفة فرنسية، عادة تكون اجتماعية كوميدية، وذلك الذي يتجنب ما يشاهدها الآخر ويتتبع أفلاماً من كل العالم وبمواضيع ومقاربات جادة، والبعض من هذا النوع الأخير يبحث عن الآراء النقدية في الصحافة وعن أي شعار لمهرجانات أو إشارة لجوائز على ملصق الفيلم.

هذا النوع الأخير، يمكن أن يختار شراء علبة «دي في دي» لفيلم متوفّر في منصّة يدفع اشتراكاً شهرياً لها. وهذا النوع هو ما نريد الوصول إليه في هذه الأسطر.
بالنسبة لهذا النوع الأخير من المشاهدين، ليس الفيلم منتَجاً استهلاكياً، إن شاهده مرة يرفض العودة إليه مجدداً وإن بعد سنوات. الفيلم بالنسبة له عمل فني يشاهَد للمتعة المستجدّة مع كل مشاهدة، وهذا ما يدفع أحياناً إلى الرغبة في الاقتناء، فالفيلم يضمن تجربة جميلة مجرَّبة. الفيلم هنا مثل لوحة يتأملها أحدنا في متحف أو معرض ويعود إليها بعد أشهر أو سنوات ليمضي ما يمكن أن يكون وقتاً أكثر أمامها، فلن يتخطاها قائلاً، «رأيتها قبل عام». وهذا ما يعيدنا عموماً إلى طبيعة هذه الأفلام، فهي ليست كالإنتاجات الكبرى أو الأفلام السائدة، أي ضخمة الإنتاج والتسويق والإيرادات (البلوكبسترز)، حيث القصة القابلة للحرق، وكل مشهد يكون خدمة لما سيليه سردياً، في أحداث تتصاعد وصولاً إلى ذروة فانحلال الألغاز.
الأفلام الأقرب للأعمال الفنية هي تلك التي لا تكون الغاية في أي مشهد بمبرّرِ ما سيليها، هي لا تصب في ما سيليها، بل كل مشهد يجسّد متعة بحد ذاته، أو هذا ما يفترَض على الأقل. هو ما يجعلها أفلاماً صالحة للمشاهدة مرات عدة. وهذا ما يجعل المتعة مستعادة مع كل مشاهَدة. عرف أحدنا بتسلسل الأحداث ونتائجها أم لم يعرف، المتعة حاضرة في كل مشهد على حدة ومتجددة. نحن في هذه الأفلام لا نستهلك الفيلم كأننا مضغناه فما عاد صالحاً من بعده. هذه هي الأفلام التي يشاهدها مقتني أقراص «دي في دي»، وهذه هي الأفلام المقتناة.
كم مرة شاهد أيٌّ من محبّي جان لوك غودار، مثلاً، أياً من أفلامه، لنقُل الروائية منها لا التجريبية؟ فالمحبة هنا لا تبدأ من المشاهَدة الأولى، والإجابة بالتالي لا تبدأ من الرقم واحد. هذا التجدد في المشاهدَة، يكون بتأبيدها، يكون بالتالي بالاقتناء لا بالاستئجار. وهذا التجدد أساساً ما يجعل أحدنا يفرق بين فيلم توفره أنت لنفسك (دائماً)، وآخر توفره المنصة لك (مؤقتاً).
ولاقتناء الأفلام أنت تتنقّل، تتحرّك، تدفع مبلغاً حصرياً لهذا العنوان أو ذاك، تنتظر توافرها إن لم تتوفر، تبحث عنها عبر الإنترنت، تتفقّد بريدك كل يوم. بالمحصلة، هي أفلام بذلت جهداً من أجلها، وتختارها لأنك أردت عنواناً بعينه حاضراً في بيتك. أما المنصات فإنك تختار لا من بين ما تعرضه فقط هي لك، أي أنك تختار حسب فلتر أوّل كأنه مبرمجو المنصة، وكل ما نفَتْه لأسباب مختلفة لن يكون ضمن مجال انتقاءاتك، فإنك تختار، غالباً، من بين ما تتيحه المنصة حسب الخوارزميات، باقتراحات لأفلام ومسلسلات تريدك هي أن تشاهدها تحديداً من بين مجمل ما تحتويه، ففي كل منصة «كنوز» مخبّأة لن تجدها سوى بالبحث داخل المنصة عن عنوان كل منها. القارئ يدخل مكتبة للبحث عن كتاب ويشتريه، المستهلك يدخل ويطلب من البائع نسخة من ذلك الكتاب المعروض في الواجهة، فغلافُه جميل.
لن يحتاج أحدنا اليوم إلى شراء تذكرة سينما في كل مرة يريد مشاهدة مقاطع معينة من فيلم يحبه، كما فعل جان لوك غودار، لسنا في الخمسينيات. ظهرت أشرطة الفيديو فحلّت المشكلة لغودار وغيره من بعدها. ثم ظهرت المنصات التي حلّت مشاكل مبتكِرةً، بحلها هذا، مشاكل أخرى. يصعب اليوم إيجاد من يذهب إلى الصالة لمشاهدةٍ ثانية لفيلم (أو لمقاطع منه؟)، ويصعب اليوم إيجاد من لا يزال يقتني أفلاماً لأنها أعمال فنية يحبّ أن تكون لديه نسخة منها يشاهدها متى أراد. الذوق الفردي صار اليوم مكتفياً بما تقدمه المنصة، على سوئه، بل بما تقترحه المنصة مما تقدِّمه، بل مكتفياً ببضع دقائق من عشرة أفلام قبل حلول التعب والملل والنعاس. هنا يكون للفيلم مكانة المنتَج، ويُعامَل بمنطق الاستهلاك.
كاتب فلسطيني سوري