بازار «أمسنا وغدنا» في سلواد
الضفة – «القدس العربي»: لم يكن اختيار اسم «أمسنا وغدنا» للبازار الذي احتضنته بلدة سلواد، شرق رام الله، مجرد عنوان لفعالية مجتمعية، بل اختزالاً لحكاية بلدة تعيش بين ذاكرة الماضي وتحديات الحاضر ورهان المستقبل.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه اعتداءات المستوطنين وتتوسع المشاريع الاستيطانية في محيط البلدة، اختارت عشرات النساء مواجهة هذا الواقع بطريقة مختلفة، من خلال الحفاظ على التراث، ودعم الإنتاج المحلي، وتحويل مواهبهن إلى مشاريع صغيرة تروي قصة الفلسطيني المتمسك بأرضه.
وتقف سلواد، الواقعة إلى الشرق من مدينة رام الله، على خط تماس يومي مع اعتداءات المستوطنين ومشاريع التوسع الاستيطاني التي تحاصر أراضيها وتلاحق سكانها. وعلى الرغم مما شهدته البلدة خلال الأشهر الأخيرة من اعتداءات طالت المواطنين وممتلكاتهم، وإحراق مركبات، واستمرار شق الطرق الاستيطانية، يواصل أبناؤها البحث عن مساحات للحياة، مؤمنين بأن الصمود لا يتحقق بالبقاء على الأرض فقط، بل أيضاً بالحفاظ على الهوية، ودعم الإنسان الفلسطيني، وتمكينه اقتصادياً.
وفي هذا السياق، افتتحت «بلدية سلواد»، بالتعاون مع سيدات البلدة ومجموعة «آفاق» التابعة لـ»جمعية سلواد للطالب»، فعاليات بازار «سلواد… أمسنا وغدنا»، بمشاركة أكثر من ستين سيدة وشابة قدمن منتجات متنوعة شملت التطريز الفلسطيني، والمأكولات الشعبية، والمشغولات اليدوية، والإكسسوارات، والهدايا، والرسومات، ومواد التجميل الطبيعية، وغيرها من المشاريع المنزلية التي تحولت إلى مصادر دخل لصاحباتها.
ويؤكد رئيس «بلدية سلواد»، رائد نمر، لـ»القدس العربي» أن البازار يأتي ضمن رؤية البلدية لدعم المرأة الفلسطينية وتمكينها اقتصادياً، وإتاحة الفرصة أمام صاحبات المشاريع لعرض منتجاتهن والتعريف بها، مشيراً إلى أن الحفاظ على التراث الفلسطيني ودعم الإنتاج المحلي يشكلان جزءاً من معركة الصمود التي يخوضها الفلسطيني في مواجهة سياسات الاحتلال.
ويضيف أن سلواد، شأنها شأن العديد من بلدات شرق محافظة رام الله، تواجه اعتداءات متواصلة من المستوطنين، شملت الاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم، وإحراق مركبات، إلى جانب استمرار شق الطرق الاستيطانية التي تخدم المستوطنات المقامة على أراضي البلدة، في محاولة لفرض واقع يدفع الفلسطينيين إلى الرحيل عن أرضهم.
ويتابع: «لكن أبناء سلواد يواجهون هذه السياسات بالتمسك بأرضهم، وبتنظيم فعاليات تعزز الهوية الوطنية وتدعم الاقتصاد المحلي، لأن بقاء الإنسان في أرضه يحتاج أيضاً إلى فرص عمل ومبادرات اقتصادية تحافظ على صموده».
من جهتها، تقول سيرين عياد، المتطوعة في مجموعة «آفاق» التابعة لـ»جمعية سلواد للطالب»، لـ»القدس العربي» إن فكرة تنظيم البازار جاءت انطلاقاً من وجود عشرات المشاريع الصغيرة في البلدة التي تحتاج إلى مساحة تتيح لها الوصول إلى المجتمع المحلي والتعريف بمنتجاتها.
وتوضح أن البازار لا يقتصر على دعم مشاريع النساء فحسب، بل يشمل مختلف المشاريع المحلية، إلا أن تمكين المرأة يحتل مكانة أساسية في رؤية القائمين عليه، لما تمثله المرأة الفلسطينية من ركيزة في المجتمع، ولقدرتها على تحويل المبادرات البسيطة إلى مشاريع منتجة.
وتضيف أن مثل هذه الفعاليات تعزز صمود أصحاب المشاريع في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وتمنحهم فرصة للتسويق المباشر وبناء علاقات مع الزبائن، بعيداً عن الاكتفاء بمنصات التواصل الاجتماعي.
وتوجه عياد رسالة إلى كل فتاة تملك فكرة مشروع، قائلة إن البداية قد تكون صعبة، لكن النجاح يحتاج إلى الاستمرار وعدم الاستسلام للعقبات. وتضيف: «كل مشروع يواجه تحديات، سواء كانت ظروفاً اقتصادية أو معيقات للحركة أو غيرها، لكن الإصرار هو الذي يصنع النجاح».
ومن بين عشرات المشاركات، وقفت سما حامد تعرض منتجات مشروعها «جولي شوب»، الذي أسسته بالشراكة مع يارا حمد، في تجربة بدأت بإمكانات متواضعة داخل المنزل، قبل أن تتحول إلى مشروع يسعى إلى ترسيخ اسمه في السوق المحلية.
وتقول حامد إن المشروع انطلق من شغف بالطباعة والتصميم، قبل أن يتوسع ليجمع بين خدمات الطباعة والملصقات والهدايا والمشغولات اليدوية والعطور الأصلية وبعض مستحضرات التجميل، مؤكدة أن المشاركة في البازار أتاحت لها الوصول إلى جمهور جديد والتعريف بالمشروع مباشرة.
وتضيف أن مثل هذه الفعاليات تمنح أصحاب المشاريع الصغيرة فرصة لبناء الثقة مع الزبائن، وتشجعهم على الاستمرار والتطوير، مؤكدة أن الأفكار الكبيرة قد تبدأ بإمكانات بسيطة داخل المنزل، لكنها تكبر مع الإصرار والعمل.
أما كفاح محمد، إحدى المشاركات في البازار من بلدة سلواد، فتؤكد أن هذه المبادرات لا توفر مساحة لعرض المنتجات فقط، بل تخلق حالة من التفاعل بين أبناء البلدة، وتدفعهم إلى دعم الإنتاج المحلي، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على استمرارية المشاريع الصغيرة، ولا سيما في ظل التحديات الاقتصادية التي تعيشها الضفة الغربية.
وفي جناح آخر، عرضت ميساء الصالحي منتجات مشروعها «Mays Art»، الذي بدأ بإنتاج الوسائل التعليمية للأطفال والأمهات والمعلمات، قبل أن يتطور تدريجياً بعد اقتناء أجهزة للقص والطباعة، ويتوسع ليشمل منتجات متنوعة.
وتقول الصالحي إن البازارات المحلية تمنح أصحاب المشاريع فرصة للوصول إلى فئات جديدة من المجتمع، ولا سيما أولئك الذين لا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن التواصل المباشر مع الجمهور يساعد في التعرف إلى احتياجات الناس وتطوير المنتجات بما يتناسب معها.
وترى أن نجاح أي مشروع لا يرتبط بحجم رأس المال، بل بالإصرار على التعلم والتطوير، داعية النساء الفلسطينيات إلى عدم الخوف من البدايات، لأن كل قصة نجاح بدأت بخطوة صغيرة.
ولم تقتصر رسائل البازار على تسويق المنتجات، بل حملت أبعاداً اجتماعية ووطنية، إذ شكل مساحة للحفاظ على التراث الفلسطيني، وتشجيع العمل والإنتاج، وتعزيز دور المرأة في الحياة الاقتصادية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاعتداءات الإسرائيلية على القرى والبلدات الفلسطينية.
وبين طاولات امتلأت بالمطرزات والمأكولات الشعبية والمشغولات اليدوية والهدايا، كانت النساء يقدمن أكثر من منتجات للبيع؛ كن يروين حكاية شعب يتمسك بهويته، ويصر على تحويل كل مساحة متاحة إلى مساحة للحياة.
وفي سلواد، التي ارتبط اسمها خلال السنوات الأخيرة باعتداءات المستوطنين ومحاولات التوسع الاستيطاني، بدا بازار «أمسنا وغدنا» رسالة واضحة مفادها أن الصمود لا يقتصر على البقاء فوق الأرض، بل يمتد إلى دعم الإنسان الفلسطيني، وتمكين المرأة، والحفاظ على التراث، وتشجيع الإنتاج المحلي، ليبقى الأمس حاضراً في الذاكرة، ويظل الغد مشروعاً يصنعه الفلسطينيون بأيديهم، على الرغم من كل التحديات.