دمشق – “القدس العربي”: كشفت مصادر مطلعة لـ” القدس العربي” أن حالة الاستنفار التي تم الإعلان عنها الثلاثاء، داخل الجيش السوري على خلفية تحركات على الحدود المشتركة مع العراق، ما زالت على حالها من دون أي تطور، ومن دون تحريك أي قطع عسكرية باتجاه الحدود، كما روج لها بعض الأنباء غير الدقيقة.
وبينت المصادر أن عملية الاستنفار التي تم رفعها إلى نسبة مئة في المئة، جرت على خلفية مناوشات محدودة، تم خلالها استهداف مروحية سورية كانت تقوم بجولة مراقبة حدودية روتينية على ارتفاع منخفض.
وأوضحت أن حالة الاستنفار كانت للوحدات الموجودة على الحدود العراقية، ثم امتدت لمجموعات اتصال ميدانية وإلى قطع عسكرية أخرى، وتم الطلب من وحدات مدرعة أن تكون في الجاهزية القصوى للتحرك ليلا باتجاه الحدود، لكن لم تصدر لاحقا، أي أوامر لتحريك هذه القطع باتجاه الحدود، على الرغم من انتشار أخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحذر من تصوير أي قوافل عسكرية تتحرك تحت تهديد السجن لمدة تصل إلى 3 سنوات.
وعمدت المصادر إلى التخفيف من خطورة الوضع، مشيرة في الوقت ذاته إلى محاولة استغلال الأمر من جهات مختلفة لها كامل المصلحة بتوتير الأوضاع على الحدود السورية العراقية، وتم ذلك من خلال نشر أخبار لا علاقة بالمؤسسة العسكرية بها، من قبل التعميم بأن الاستنفار كان من “الفئة ج”، وهو تصنيف غير مستخدم في الجيش، فلا توجد هناك مستويات “أ” أو “ب” أو “ج” للاستنفار، إنما الحالات المقرة هي بنسب مئوية من قبل 50% أو 75% أو 100%.
ورسميا، لم يصدر من دمشق أي تعليق عن حالة الاستنفار والأسباب التي دفعت إليها أو الإجراءات والأهداف المرتبطة بالانتشار العسكري، في حين أكد مساعد وزير الدفاع السوري سيبان حمو لـ”شبكة رووداو الإعلامية” الكردية أن “الحدود السورية العراقية آمنة ومستقرة”، معتبرا الشائعات المتداولة “لا أساس لها من الصحة”، وفي المقابل أكد قائد قوات الحدود العراقية محمد عبد الوهاب السعيدي أن الوضع على الحدود العراقية – السورية المقابلة لقضاء القائم طبيعي وآمن، مشيراً إلى عدم وجود أي تهديد أمني في الوقت الحالي.
وأوضح، حسب ما نقلته عنه وكالة الأنباء العراقية “واع” أن التحركات العسكرية في الجانب السوري تجري بعلم وتنسيق مع الجانب العراقي، مع استمرار تبادل المعلومات بين الطرفين، ومؤكداً أن القوات العراقية تمسك الحدود بشكل كامل.
وتشترك سوريا والعراق بحدود تزيد عن 600 كيلومتر، وعمدت بغداد في مراحل سابقة، إلى نصب جدار إسمنتي يمتد لمسافات طويلة، إضافة إلى حفر خندق مضاد للآليات ورفع ساتر ترابي ومد أسلاك شائكة مع نشر نقاط مراقبة، للحد من عمليات التهريب وتحركات خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية” المنتشرة في المنطقة، كما نشطت وحدات الجيش السوري ووحدات حراس الحدود، بعد سقوط نظام الأسد السابق، لضبط عمليات التهريب وخصوصا المخدرات أو الأسلحة المتجهة نحو لبنان.
وشهدت العلاقات الثنائية خلال الأشهر الأخيرة، تطورا لافتا، وخصوصا فيما يتعلق والتبادل التجاري عبر المنافذ الحدودية الأربعة المشتركة، وبات العراق يصدر جانبا مهما من نفطه إلى الأسواق الدولية، ومنها الولايات المتحدة، عبر صهاريج يمر منها المئات يوميا باتجاه ميناء بانياس السوري على ساحل المتوسط.
وأكد الخبير العسكري محمود عبد السلام في تصريح لـ “القدس العربي” أنه لا يمكن الفصل بين زيادة التوتر في المنطقة والحرب الأمريكية على إيران، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب طالب صراحة أكثر من مرة بتدخل للجيش السوري في لبنان، وهناك ضغوط تمارس في هذا الخصوص خدمة للمصالح الإسرائيلية، وإن كانت سوريا أعلنت في المقابل أنها ليست معنية بمثل هذا التدخل، وأنها تبني سياساتها على عدم التدخل في شؤون الآخرين.
وحسب عبد السلام، يمكن قراءة التوتر على الحدود السورية العراقية في سيناريوهين اثنين، الأول خلفه الولايات المتحدة بهدف تحجيم دور الحشد الشعبي عبر توريطه بمعارك جانبية، ومن خلال الضغط في الوقت ذاته على الحكومة العراقية لجمع السلاح غير الشرعي والإبقاء على الجيش الوطني فقط، تماما كما هو مطلوب من الحكومة اللبنانية أن تقوم به عبر نزع سلاح “حزب الله”، والسيناريو الثاني أن تكون إيران هي التي تدفع إلى زيادة التوتر على الحدود السورية العراقية في رسالة مفادها وجود إمكانية لضرب الخطوط الجديدة لصادرات النفط العراقية التي دفعت واشنطن لتفعيلها عبر سوريا بعد اغلاق إيران لمضيق هرمز.
من جانبه، اعتبر المستشار السياسي أيمن عبد النور أن السياسة الإيرانية باتت تقوم على مبدأ واضح وهو إما التوصل إلى صفقة مقبولة من قبل طهران تجاه كل ملفات المنطقة، أو تفجير المنقطة برمتها، وقال لـ “القدس العربي” إن الإيرانيين يدركون أنهم الجانب الأضعف، وسياستهم قائمة على كسب الوقت إلى حين تغير المعادلات داخل الإدارة الأمريكية، إلى جانب زيادة الخسائر المباشرة سواء في المصالح الأمريكية أو مصالح الدول الصديقة لها لتمارس هذه الضغوط على واشنطن.
وذكر أن الجيش الأمريكي سحب قواته من داخل الأراضي السورية ولم تعد هناك حجة لدى إيران باستهداف سوريا، لكنها قد تستغل وجود شركات أمريكية تستثمر في قطاع النفط والغاز لتدفع المنطقة نحو التدهور، مرجحا أن تقوم تركيا بلعب دور لتهدئة الأوضاع وعدم الوصول بالمنطقة إلى حالة الفوضى التي تخدم إسرائيل بالدرجة الأولى قبل غيرها، وضمن هذا السياق يمكن فهم زيارة وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني، الخميس، إلى تركيا، حيث سيلتقي نظيره هاكان فيدان، ليبحثا الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الدائم وتعزيز الأمن في سوريا.