القاهرة ـ «القدس العربي»: تتواصل في مصر شكاوى آلاف المواطنين الذين تقاعدوا خلال الشهور الماضية، من تأخر صرف معاشاته، إذ إن إعلان الحكومة في يناير/ كانون الثاني الماضي، تحويل منظومة التأمينات الاجتماعية والمعاشات إلى النظام الإلكتروني الجديد، أخّر صرف مستحقات أكثر من 41 ألف مواطن.
تحد تقني
ورغم شكاوى المواطنين، خرج اللواء جمال عوض رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في مصر لينفي وجود أزمة، قائلا إن ما يُثار بشأن وجود أزمة في سيستم المعاشات يحتاج إلى وضعه في إطاره الصحيح، مؤكدًا أن ما تواجهه الهيئة هو تحدٍ تقني مرتبط بعملية التحول الرقمي وليس أزمة بالمعنى المتداول.
وأضاف في مؤتمر صحافي، أن أنظمة الهيئة كانت تعمل منذ عام 1983 بتكنولوجيا قديمة ومعقدة، لافتا إلى أن محاولتين سابقتين لتطوير الأنظمة ودمج قواعد البيانات لم يكتب لهما النجاح.
وأضاف أن الهيئة بدأت تنفيذ مشروع التحول الرقمي من خلال إنشاء قاعدة بيانات موحدة، بعد أن كانت البيانات موزعة على قاعدتي بيانات منفصلتين، لافتًا إلى أن عملية ترحيل البيانات من النظامين القديمين إلى النظام الجديد استغرقت شهرًا كاملًا نظرًا لضخامتها وتعقيدها.
وبين أن إطلاق النظام الجديد تم في 29 مارس/ آذار الماضي، وهو يمثل تحولًا رقميًا حقيقيًا، ويقدم نحو 170 خدمة تأمينية لمختلف الفئات المتعاملة مع الهيئة، تشمل المؤمن عليهم، وأصحاب المعاشات، وأصحاب الأعمال، إلى جانب الخدمات المرتبطة بسداد الاشتراكات وعدد من الجهات والقطاعات الأخرى.
في المقابل، انتقدت دار الخدمات النقابية والعمالية ما ورد في المؤتمر الصحافي الذي عقده عوض، معتبرة أن استمرار نفي وجود أزمة في المنظومة لا يتسق مع الواقع الذي يعيشه المواطنون داخل مكاتب التأمينات، حيث لا تزال الشكاوى تتواصل بسبب تأخر إنهاء الإجراءات وصرف المستحقات. وقالت، في بيان لها إنها تابعت المؤتمر الصحافي وما تضمنه من عرض لما اعتبرتها الهيئة تطورات في منظومة التحول الرقمي وردودها على الشكاوى التي أثيرت خلال الفترة الماضية، مؤكدة أن تطوير منظومة التأمينات الاجتماعية والتحول الرقمي يمثلان هدفًا ضروريًا يخدم ملايين المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات، لكنه يجب أن ينعكس في صورة خدمة أكثر كفاءة وسرعة واحترامًا لحقوق المواطنين، لا أن يتحول إلى سبب جديد لتعطيل حصولهم على مستحقاتهم.
التحول إلى النظام الإلكتروني أخّر صرف مستحقات أكثر من 41 ألف مواطن
وشددت الدار على أن المعيار الحقيقي لنجاح أي منظومة لا يتمثل في البيانات الرسمية أو المؤتمرات الصحافية، وإنما في قدرة المواطن على الحصول على حقه بسهولة وفي الوقت المناسب، معتبرة أن نفي وجود أزمة لا يكفي في ظل استمرار الشكاوى اليومية من المواطنين والعاملين داخل مكاتب التأمينات، واستمرار تأخر إنهاء المعاملات وصرف المستحقات.
وأضاف البيان أن المؤتمرات الصحافية لا يمكن أن تكون بديلًا عن تقييم الواقع الميداني، ولا يجوز أن تحجب معاناة أصحاب الحقوق الذين ما زال كثير منهم يضطرون إلى التردد على مكاتب التأمينات مرات متكررة دون إنهاء إجراءاتهم.
وفيما يتعلق بمنظومة التحول الرقمي، أكدت الدار أن نجاحها لا يُقاس بعدد الخدمات المعلنة فقط، وإنما بجودة الخدمة وسهولة الحصول عليها، مشيرة إلى أنه إذا كانت المنظومة الجديدة قد أُنشئت لتقليل الوقت والجهد، فمن غير المقبول أن يظل المواطن مضطرًا إلى تكرار الزيارة بسبب أعطال تقنية أو نقص في التنسيق أو فقدان بيانات سبق تقديمها.
كما رفضت الدار تحميل الموظفين مسؤولية تعثر المنظومة، معتبرة أن أي مشروع للتحول الرقمي لا يمكن أن ينجح دون الاستثمار الحقيقي في العنصر البشري، ما يثير تساؤلات حول مدى كفاية برامج التدريب والتأهيل التي سبقت تشغيل النظام الجديد، ومدى توفير الدعم الفني للعاملين أثناء التطبيق.
وطالبت الدار بتطوير آليات التواصل مع المواطنين في حال وجود نواقص في المستندات المطلوبة، من خلال الرسائل النصية أو وسائل الاتصال الإلكترونية والهاتفية، بدلًا من تحميلهم أعباء الحضور المتكرر وما يترتب عليه من إهدار للوقت والنفقات، بما يتفق مع أهداف التحول الرقمي.
ودعت الدار الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي إلى نشر تقرير تفصيلي للرأي العام يتضمن ما تحقق بالفعل من خطة تطوير المنظومة، ونسب الإنجاز الحقيقية، وعدد الخدمات التي أصبحت متاحة فعليًا، وحجم الطلبات المتراكمة، إلى جانب إعلان جدول زمني واضح لمعالجة المشكلات القائمة، بما يعزز الشفافية ويعيد الثقة بين الهيئة والمواطنين.
الشركة المنفذة
كما طالبت بتشكيل لجنة مستقلة تضم خبراء في التأمينات ونظم المعلومات والإدارة، إلى جانب ممثلين عن منظمات المجتمع المدني والجهات المعنية، لتقييم ما شهدته المنظومة منذ بدء تشغيل النظام الجديد، ورصد أوجه القصور، ووضع توصيات عملية لتصحيح المسار ومنع تكرار الأزمات.
وأثار البيان تساؤلات بشأن الشركة المنفذة لمنظومة التحول الرقمي الجديدة، مطالبًا الهيئة بالكشف عن اسمها وسابقة أعمالها وقيمة التعاقد المبرم معها، والالتزامات الفنية والتعاقدية التي تعهدت بتنفيذها، وما إذا كانت الهيئة قد أجرت تقييمًا مستقلًا لمدى التزام الشركة بهذه الالتزامات في ضوء ما شهدته المنظومة من تعثر وشكاوى متكررة.
وشدد البيان على أن من حق الرأي العام، باعتبار أن الأمر يتعلق بإدارة أموال التأمينات وحقوق ملايين المواطنين، الاطلاع على هذه المعلومات بشفافية، مطالبًا بأنه في حال ثبوت وجود قصور من جانب الشركة المنفذة، يجب مساءلتها وتطبيق جميع الإجراءات القانونية والتعاقدية اللازمة، حتى لا يتحمل المواطنون والعاملون تبعات أي إخفاق فني أو إداري.
واختتمت الدار بيانها بالتأكيد على أن التأمين الاجتماعي ليس مجرد خدمة إدارية، بل هو حق دستوري وضمانة أساسية للأمن الاجتماعي والاقتصادي لملايين العاملين وأصحاب المعاشات وأسرهم، مشددة على أن نجاح أي عملية تطوير يجب أن يُقاس بمدى احترام هذا الحق، وسرعة إنجازه، وصون كرامة المواطنين أثناء حصولهم عليه، لا بمجرد إعلان أرقام أو مؤشرات لا يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية.
وعود لم تتحقق
إلى ذلك، انتقد أعضاء في البرلمان أداء الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، وقال النائب إيهاب منصور، عضو لجنة القوى العاملة في مجلس النواب، إن أصحاب المعاشات لهم حقوق يجب الحصول عليها، وعلى رأسها صرف المستحقات الخاصة بهم، موضحًا أن هناك بعض الحالات التي توقفت مستحقاتها منذ أشهر.
وأضاف في تصريحات تلفزيونية أن هيئة التأمينات وعدت بحل المشكلة في بداية شهر أغسطس/ آب، إلا أنه حتى هذه اللحظة ما زال هناك بعض المواطنين لم تُحل مشكلاتهم.
ولفت إلى أن الوعود الخاصة بانتظام صرف المعاشات تأخرت ولم تتحقق على أرض الواقع، مؤكدًا أن اللوم يقع على الحكومة لضرورة التحرك العاجل، وليس على هيئة التأمينات والمعاشات فقط.
وطالب النائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بالتدخل لحل مشكلات المواطنين، مشددًا على ضرورة محاسبة أي مسؤول مقصر في تقديم حقوق المواطنين.
ولفت إلى أن المواطنين يواجهون العديد من التحديات، ومنها أزمة عدم صرف المعاشات، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الكهرباء، قائلًا: «هناك ناس أخبروني أنهم لا يستطيعون العلاج، ولا يجدون ثمن الطعام».
وبين أن أزمة المعاشات بدأت منذ بداية العام، وأن الوعود بحلها كانت في شهر مايو/ أيار الماضي، ثم تم مد المهلة إلى الأول من أغسطس/ آب، مؤكدًا أن استمرار الأزمة أمر خطير، مطالبًا المسؤولين بسرعة التدخل ومراعاة ظروف أصحاب المعاشات.
في حين تقدم النائب عمرو فهمي، عضو مجلس النواب عن حزب الجبهة الوطنية، بسؤال برلماني موجه إلى مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وجمال عوض، رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، بشأن استمرار تعطل سيستم المعاشات، وتوقف صرفها للمستحقين، مطالبًا بتعويضهم عن الأضرار المترتبة على ذلك.
وقال خلال سؤاله البرلماني إن رئيس الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات سبق وأن أعلن أن المشكلات الفنية المرتبطة بالمنظومة الجديدة ستنتهي بالكامل بحلول شهر أغسطس/ آب، وأن المنظومة ستشهد استقرارًا كاملًا، إلا أن الواقع الحالي يعكس استمرار الأعطال الفنية وتعطل الخدمات، فضلًا عن عدم تمكن عدد من أصحاب المعاشات من صرف مستحقاتهم، وهو ما تسبب في معاناة كبيرة لشريحة تعتمد على المعاش كمصدر دخل أساسي.
كما طالب ببيان الإجراءات التي سيتم اتخاذها لتعويض المتضررين، وضمان عدم تكرار تعطل صرف المعاشات مستقبلا، بما يحفظ حقوق المواطنين ويعزز الثقة في منظومة التأمينات والمعاشات.
وأضاف فهمي أن استمرار هذه الأزمة يثير العديد من التساؤلات حول أسباب عدم تنفيذ الوعود التي أُعلنت للرأي العام، والإجراءات التي اتخذتها الحكومة والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لمعالجة أوجه القصور في المنظومة الإلكترونية، وضمان عدم تكرار تلك المشكلات.
وطالب النائب الحكومة بسرعة توضيح الأسباب الحقيقية وراء استمرار الأزمة، والإعلان عن جدول زمني واضح لإنهاء جميع الأعطال الفنية، مع اتخاذ إجراءات عاجلة تضمن صرف مستحقات المواطنين دون تأخير، ومحاسبة المسؤولين في حال ثبوت وجود تقصير أدى إلى الإضرار بأصحاب المعاشات.
وأكد فهمي أن استمرار الأعطال الفنية في منظومة التأمينات والمعاشات لا يمثل مجرد خلل تقني، بل ينعكس بصورة مباشرة على حياة آلاف المواطنين، خاصة كبار السن وأصحاب المعاشات الذين يعتمدون على مستحقاتهم الشهرية لتوفير احتياجاتهم الأساسية، مشددًا على أن أي تأخير في صرف المعاشات يفرض أعباءً معيشية وإنسانية لا يمكن تجاهلها، ما يستوجب تحركًا عاجلًا من الحكومة لمعالجة الأزمة بصورة جذرية، مع إعلان نتائج واضحة للرأي العام بشأن أسباب استمرارها والإجراءات المتخذة لمنع تكرارها مستقبلًا.