محمد دحلان و«خطة السلام» الأمريكية


تكاثر مؤخراً ظهور اسم محمد دحلان في وسائل الإعلام مع الإعلان عن قبول «حماس» الرسمي بالتخلّي عن سلاحها وفقاً لخطة صاغها «مجلس السلام». وهذا الأخير هو الهيئة التي شكّلها دونالد ترامب رسمياً في مطلع العام الجاري بغية توفير غطاء دولي وإقليمي، وعربي في المقام الأول، لسياسته إزاء مصير قطاع غزة بوجه خاص. ومن إنجازات الرئيس الأمريكي والسطوة التي حقّقها على الكثير من حكومات العالم بأسلوبه في العلاقات الدولية الأشبه بسلوك زعماء المافيا، أنه جمع في المجلس المذكور، فضلاً عن إسرائيل، الدول العربية الخمس التي اعترفت رسمياً بالدولة الصهيونية و«طبّعت» علاقاتها معها (مصر والأردن والإمارات والبحرين والمغرب) وإلى جانبها المملكة السعودية وحليفتها الإقليمية باكستان، وقطر وحليفتها الإقليمية تركيا.
أما المنحى العام لما يُشرف عليه «مجلس السلام» إزاء غزة، فكان يمكن توقّعه ما أن عاد ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية، إذ إن مصير القطاع والمستقبل الفلسطيني بصورة عامة كانا من القضايا النادرة التي ميّزت بين ترامب وسلفه بايدن. فحيث فضّلت إدارة بايدن التعامل مع «السلطة الفلسطينية» القائمة في رام الله وتسليمها الإشراف على قطاع غزة بمنظور «الحلّ» القائم على إنشاء «دولة فلسطينية» بجوار الدولة الصهيونية، وفقاً لاتفاقية أوسلو لعام 1993، فضّل ترامب وأعوانه الالتفاف على سلطة رام الله والاتكال على التعاون القائم بين الدولة الصهيونية ودولة الإمارات للعمل على إخضاع فلسطينيي غزة والضفة الغربية لسلطة عميلة بالكامل، وليس جزئياً فحسب، يُشرف عليها محمد دحلان، المستشار الفلسطيني لدى رئيس الإمارات، والخصم اللدود للطرفين الحاكمين في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967، أي «فتح» و«حماس».
والحال أن ذلك ما توقعناه في اليوم التالي لتنصيب ترامب لولايته الرئاسية الثانية الذي جرى بتاريخ 20 يناير/ كانون الثاني 2025، متزامناً مع إعلان جديد لوقف إطلاق النار في غزة، حيث كتبنا: «من المرجّح أن يعود ترامب إلى «صفقة القرن» التي صاغها صهره الصهيوني أثناء ولايته الرئاسية الأولى، والتي كانت سلطة رام الله ذاتها قد رفضتها لإجحافها الكبير بالحقوق الفلسطينية، مضيفاً إليها صيغة مماثلة متعلّقة بغزّة بمعونة الإمارات المتحدة التي تستعد لإرسال قواتها إلى القطاع تدعيماً لتنصيب محمد دحلان وصياً عليه. أما غاية ترامب من ذلك، فهي استكمال تصفية القضية الفلسطينية من أجل فسح المجال أمام تطبيع شامل بين سائر الدول العربية، وفي مقدّمتها المملكة السعودية، والدولة الصهيونية، وازدهار مصالحه الشخصية والعائلية في «صفقات قرن» حقيقية في المجالين العقاري والمالي مع دول النفط العربية.» («أسطورتان متعلقتان بوقف إطلاق النار في غزّة»، القدس العربي، 21/1/2025).

 بدا بوضوح أن الحكم الإسرائيلي ليس راضياً عمّا أعلِن مؤخراً باسم «مجلس السلام»، إذ إنه كان ولا يزال يراهن على رفض «حماس» لنزع سلاحها كي يبرّر إدامة احتلاله للقسم الأكبر من أراضي القطاع

وهذا بالضبط ما نحن في صدده في المشروع الذي يُشرف عليه «مجلس السلام» والأداة الفلسطينية التي جرى تشكيلها تحت وصايته الرسمية. فإن محمد دحلان، مدعوماً من إدارة ترامب، يسعى وراء فرض سيطرته على قطاع غزة بمعونة قوات عربية وأخرى قادمة من دول أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي على وجه الخصوص. ولو نجح دحلان في ذلك، فإن الخطوة التالية سوف تكون مدّ سيطرته إلى الضفة الغربية بإطاحته بسلطة رام الله أو استيلائه عليها، تمهيداً لنسخة جديدة معدّلة من اتفاقية أوسلو، أكثر إجحافاً بالحق الفلسطيني مما كانت اتفاقية عام 1993، نسخة تستوحي من «صفقة القرن» التي صاغها جاريد كوشنر وأعلنها ترامب وباركها نتنياهو في بداية عام 2020. وقد نصّت «الصفقة» على إقامة «دولة فلسطين» على كامل قطاع غزة وجزء من أراضي الضفة الغربية المحتلّة سنة 1967، مع ضمّ إسرائيل الرسمي لسائر تلك الأراضي.
طبعاً، كان ذلك قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وما تبع ذلك اليوم من إعادة اجتياح إسرائيلية للقطاع في حرب إبادة وتدمير، أفصحت بلا مواربة عن طموح أقصى اليمين الصهيوني الحاكم إلى تحقيق «إسرائيل الكبرى» بضمّ كافة أراضي 1967 وطرد معظم السكان الفلسطينيين منها، ربّما باستثناء أقلية يجري حشدها في «غيتو» تحت رقابة مشددة في كل من الضفة وغزة. بيد أن مطمع أقصى اليمين الصهيوني لا يتناسب مع المصلحة الأمريكية، إذ لا يمكن أن تقبل به الدول العربية ويتناقض بالتالي مع مشروع «التطبيع» الذي هو في صميم التصوّر الأمريكي لترتيب أمور منطقة الشرق الأوسط.
وقد بدا بوضوح أن الحكم الإسرائيلي ليس راضياً عمّا أعلِن مؤخراً باسم «مجلس السلام»، إذ إنه كان ولا يزال يراهن على رفض «حماس» لنزع سلاحها كي يبرّر إدامة احتلاله للقسم الأكبر من أراضي القطاع وقضمه لما تبقّى منها تدريجياً. وقد صعّد الحكم الصهيوني اعتداءاته المجرمة على غزة في الأيام الأخيرة، متوخياً حثّ الحركة الفلسطينية على تصليب موقفها. وهذا ما حدا دحلان على الاتصال بفريق ترامب، طالباً منهم الضغط على إسرائيل كي تلتزم بوقف النار. أما نتنياهو فقد أصرّ لدى ترامب على ضرورة القضاء الكامل على وجود «حماس» العسكري في القطاع، سواء أكان سلاح الحركة أو شبكة أنفاقها، قبل قيامه بتنفيذ ما يتوجّب عليه من انسحاب بموجب «خطة السلام» الأمريكية. وعلى ما يبدو، فقد وافقت إدارة ترامب، وبالتالي «مجلس السلام» الذي تتستّر وراءه، على الشرط الإسرائيلي بما يرمي الكرة مجدّداً في ملعب «حماس».
وحتى لو سارت الخطة وحلّت في غزة سلطة جديدة تحت وصاية دحلان (سوف يكون لنتيجة الانتخابات الإسرائيلية القادمة تأثيرٌ أكيد على هذا الأمر)، فإن إسرائيل سوف تحتفظ في كافة الأحوال بشريط من الأراضي على طول حدود القطاع بحجة ضمان أمنها في ضوء ما تعرّضت له في عام 2023. وتكون غزة قد انسجم مصيرها هكذا مع مصير الضفة كما نصّت عليه خطة كوشنر، حيث تكون مساحتها قد تقلّصت ولو بنسبة أقل مما في الضفة، ذلك أن ترامب وجماعته ينوون إنشاء منتجعات ساحلية («الريفييرا» التي تحدّث عنها ترامب) بتمويل إماراتي وخليجي، تكون عمالتها من سكان القطاع الواقعين تحت إشراف السلطة الفلسطينية الجديدة.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *