خريطة السياسة المغاربية بين مؤثري وسائط التواصل وحراك «سوق الجمعة»


من المتعارف عليه أن العطل هي فصول للاسترخاء والاستجمام، وانفتاح القلوب قبل العقول على ما يبهجها ويخرجها من دائرة الروتين.
ينشغل من بين ما ينشغل الناس بمطالعة مضامين متنوعة، سطحية وأخرى أشد عمقا. في المنطقة المغاربية يعاد ترتيب بيت مفهوم العطلة في ذاته، إذ يبدو ألا شواطئ تثير، ولا حتى ثرثرات الليالي التي لا يقضها تفكير في غد تحكمه مواعيد شغل، تكون القبة الحرارية التي تسلطت على الصدور قبل الرؤوس قد أشعلت فتيل غضب جماهيري ممتد بين «شعوب وقبائل»، لطالما سخرت من تشكي «شعوب وقبائل» أخرى من ارتفاع درجة الحرارة.
قبة حرارية أعادت أحاديث السياسة إلى الواجهة لا كنقاشات عابرة، بل حركت مياه الشارع الراكدة.

حراك «سوق الجمعة»

«سوق الجمعة» هو اسم أشهر سوق في مصر، تكون الصناعات الثقافية قد كرسته كمرادف لمكان تجمع الباعة والسلع الأرخص، حيث لا يهم شكل المعروض ولا طريقة عرضه.
«سوق الجمعة» هو أيضا اسم عدة مناطق في الحزام المغاربي كله، والأهم أنه كنية آخر فصل في رزنامة الاحتجاجات الليبية، التي جاءت متزامنة مع موجة الاحتجاجات في تونس، وأعادت إلى الأذهان أولى فصول «الربيع العربي». ربيع قد انطلق شتاء، ولكن جاء ليرتد زمن الصيف.
الليبيون، كما التونسيون اغتنموا تبعات موجة الحرارة القياسية التي ضربت المنطقة وتسببت في ما صار يشير إليه الليبيون بـ»البلاك آوت» أو الظلام الحالك، إذ تنقطع فيه الكهرباء لوقت طويل جدا عن مناطق كاملة.
«بلاك آوت» ومعه انقطاع في خدمات التزود بالمياه، كما غلاء فاحش، وأزمة سيولة، تراكمات وقادت شبابا طرابلسيا أطلق على نفسه «حراك سوق الجمعة» لاتخاذ مواقف جذرية كالمطالبة بالعصيان المدني، تكللت بإغلاق مقار حكومية ومؤسسات كبرى في العاصمة وصلت حد «تلحيم البوابات».
سرعان ما تصدرت مشاهد ما أتاه نشطاء الحركة الاحتجاجية الاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت جذرية خياراتها في معاقبة من يعاقب الليبيين في عز أزمة مناخية حادة أكثر ما أثار التعليقات كثيرها مهلل، مثنيا على ما أتاه الشباب، فيما كان التوجس وأحيانا الرفض والتشكيك اقتداء بخرجات وجوه مؤثرة كأمثال «الغرياني»، الذي صور كلمة دعا الشباب الطرابلسي إلى التعقل، في حين أشار بعض المحللين إلى غياب الحركة في الشرق الليبي، الذي يعاني من الظروف ذاتها.
فرحة الليبيين «ما تمت» بعد أن أعلن القائمون على الحركة تعليق الاحتجاجات، دون تحقيق للمطالب التي سوقوها لجمهور الطرابلسيين على وجه التحديد، وتبدأ معها موجة تخوين واسعة: «كم قبضتم؟»، «للأسف خذلتمونا ككل سابقيكم»، «كانت مناورة لإسقاط حكومة الدبيبة؟» وغيرها من تعليقات تعكس واقعا ليبيا معقدا لا يتوقف عن تفريخ الفوضى.

المؤثرون وسوق السياسة

لو قدر أن يكتب قاموس للشهرة لرصد مفهوم «المؤثرين» فصلا جديدا لوحده. وإن يطلق اليوم في بلدان كثيرة نقاش واسع حول تقنين الولوج إلى الـ«سوشيال ميديا»، وتنظيم مضامينها، فتبقى حدود أدوار المشاهير الجدد هلامية، غير واضحة المعالم، هي التي تبدأ بجدل وتنتهي بسوق، يتحول فيه «المؤثر» إلى مُنتج ومُنتَج وسوق، ما يجعله في حالة بحث دائم عن الأضواء كرأسمال وضامن لتدوير عجلة «الإنتاج».
بين الجزائر وتونس يلحظ ما يمكن أن يجذب الانتباه في تحليل الظاهرة مغاربيا. غطت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على الحركة الاحتجاجية التي عمت تونس، وكان سوء تسيير أزمة انقطاع الكهرباء، ومعه الماء وقودها، على الاهتمامات (على الـ»سوشيل ميديا»، ولا تزال)، إذ توعد الرجل غاضبا كل من يقدم بالإرهاب إلى البلد المجاور بسوء العاقبة. تنوعت آراء السياسيين والنشطاء التونسيين حول فحوى كلام الرجل، بين من استساغه ووجد فيه موقفا مشرفا، ومن وجد فيه تدخلا سافرا، لكن المثير كان تفاعل مؤثري وسائط التواصل معه.
بين الهزل والجدية، عبر تيار منهم عن سعادته بكلام الرجل، البعض أخرج شعارات الأخوة، كثر أشاروا إلى الدعم الذي يمكن أن تقدمه الجزائر لتونس في حالة الأزمات، بعضهم خفف من حدة القراءات المؤامراتية، والتي تكون جزءا من سلسلة حملات رقمية طويلة وممنهجة بين البلدين والشعبين، تحتد بين الفينة والأخرى، ثم تعود وتهدأ، أما بين متابعيهم فجاءت التعليقات بين المهللة، وتلك المشيرة إلى مغازلة هؤلاء للمتابعين من الجزائر، الكثر عدديا و»تفاعليا».
على الجانب الآخر من الحدود لوحظت حركة مستجدة – لنقل – تقودها مؤثرات «يوميات» عديدات الجنسيات (هن نساء، حصرا في هذه الحالة)، يعد سوق التفاعل الجزائري «رأسمالهن الرمزي» الوحيد، تنخرطن في حملة تحريض ضد ما سمته «قمع الحريات»، وحالة اختناق عام في البلد يشعرن بها، هن اللاتي ترغبن في العودة إلى البلاد، وسبق لهن دخول وصلات غزل في «صوابية» قرارات البلد الاستراتيجية. تحولات «عميقة» وتحركات قُرأت كتحريض للشارع (لمتابعيهن على الأقل) على الاحتجاج.
تنوعت التعليقات حول مقاطعهن المصورة المتزامنة بين التساؤل حول الجهات التي يخدمنها، وعن الثمن الذي قبضنه، آخرون من متابعيهن الكثر أشاروا لخارطة المساومات، التي تجدن رسم تفاصيلها وحملات تشهير اعتدنه بين بعضهن، وحول مواضيع بعينها، ولا يخجلن من التصريح به، بل يصلن حد الإقرار برغبتهن في القبض لمن أراد أن يدخل معهن في جدال بغية رفع نسبة المشاهدات، بل من المتابعين من وصل حد التنبؤ بتحول في نشاطات هؤلاء اللاتي لم يخفين يوما أن همهن هو الشهرة التي يحظين بها (وبما تدره من عوائد).
ليس الغرض من استعراض ما سبق التقليل من شأن مؤثري الـ«سوشيال ميديا»، لا وصمهم، ولا اعتبار السياسة حكرا على فئات بعينها، خصوصا وأن الفضاء الافتراضي يعد الكثير ممن يطلقون على أنفسهم تسمية معارضين (مثلما يوجد مؤثرون ومؤيديون)، وظيفتهم الأساسية هي ممارسة التحليل السياسي أونلاين (في خطاب شعبوي، تبسيطي، محكم) لكن تأثير «الأنفلونسرز متعددي الاستعمالات» وحضورهم، في فضاءات هلامية، غير واضحة الملامح (تصبح الهلامية هي الرأسمال الفعلي والحقيقي لمثل هذه الظواهر)، مع غياب تحليل واقعي وعلمي لمكانة وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي يتطلب جدية في قراءة أدوار «آلهة الاستهلاك الجدد» في ظل تحولات السياسة وممارستها وعجزها عن خلق بدائل مؤسساتية قوية وحاضرة، كنتاج لتحولات عالمية بديهية، أو لتاريخ أكثر تخصصا من الصراعات وتصحير ساحة المبادرات السياسية التقليدية.

 كاتبة من الجزائر



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *